إعداد: إبراهيم هلال - شريف مراد
في أوقات الأزمات والحروب، لا تصنع الوقائع وحدها مسار الأحداث، بل تصنعه أيضاً الطريقة التي تُروى بها الأخبار، والعناويين التي تتكرر، والزوايا التي تختارها المنصات المختلفة لتفسير ما يجري. ومن هنا جاءت هذه السلسلة من التقارير التحليلية المدفوعة بالبيانات، ثمرة تعاون بين "مجتمع التحقق العربي" ومبادرة "أنماط" البحثية المستقلة، بهدف قراءة التغطية الإعلامية العربية للحرب المرتبطة بإيران، ورصد كيفية تشكل السرديات المتنافسة حولها عبر الإعلام والمنصات الرقمية.
تضم السلسلة ست قصص صحفية بُنيت على قاعدة بيانات أعدّها وحلّلها فريق "أنماط"، اعتماداً على محتوى خمس منصات رقمية ناطقة بالعربية تحظى بانتشار واسع وتأثير في المجال العام، هي: BBC عربي، وروسيا اليوم، والجزيرة، وسكاي نيوز عربية، والعربية. وشمل العمل جمع المواد المنشورة خلال الأيام الثلاثة التي سبقت الضربة الأمريكية-الإسرائيلية، ثم الأيام السبعة الأولى من اندلاع الحرب، خلال الفترة من 28 شباط/فبراير حتى 6 آذار/مارس، باستخدام مكتبات مفتوحة المصدر بلغة بايثون.
واعتمد التحليل على منهج القواعد الترابطية (ARM) لدراسة العناوين والمتون على عدة مستويات، شملت رصد الكلمات الأكثر تكراراً، وتحليل التراكيب اللغوية المتكررة وقياس انتشارها، ثم استخلاص الأنماط السائدة بمؤشرات إحصائية توضّح قوة كل نمط ومدى حضوره، مع مراعاة الفروق في حجم النشر بين المنصات المختلفة. كما قُرئت النتائج بصورة إجمالية، وعلى مستوى كل منصة، وكذلك وفق التحولات الزمنية في التغطية.
وانطلاقا من هذه البيانات، عمل فريق التحرير في "مجتمع التحقق العربي" على مراجعة النتائج وقراءتها صحفياً، ثم بناء تقارير لا تكتفي بعرض الأرقام، بل تحاول فهم ما وراءها: كيف اختلفت المنصات في تغطية الحدث؟ وما السرديات الأكثر حضوراً؟ وكيف انعكست المواقف السياسية في اللغة والعناوين؟
لا تدعي هذه التقارير تقديم أحكام نهائية، لكنها تسعى إلى تقديم قراءة أعمق للمشهد الإعلامي خلال الأسبوع الأول من الحرب، عبر الجمع بين التحليل البياني والرؤية التحريرية، لفهم كيف يُصنع الخبر، وكيف يُعاد تشكيل معناه في لحظات الصراع.
في هذه المادة..
لا يتتبع هذا التقرير مسار الحرب المرتبطة بإيران على الأرض، بل يتتبع مسارها داخل النصوص الإخبارية. فبين الساعات التي سبقت الضربة الأمريكية-الإسرائيلية في 28 شباط/فبراير 2026، والأيام الأولى التي تلتها، برزت داخل التغطية الإعلامية العربية مفردات وأسئلة تتجاوز الحدث العسكري نفسه، لتتصل بمستقبل النظام الإيراني، واحتمالات انتقال السلطة، ودور المعارضة، والسيناريوهات المحتملة لما بعد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
يعتمد التقرير على تحليل 1575 مادة صحفية نشرتها خمس منصات إخبارية عربية كبرى خلال الفترة الممتدة من 25 شباط/فبراير إلى 6 آذار/مارس 2026. ويركز التحليل على تتبع حضور مجموعة من المفردات والأنماط اللغوية المرتبطة بسيناريوهات التغيير السياسي في إيران، سواء في العناوين أو داخل المتون، بهدف فهم الكيفية التي ظهرت بها هذه الموضوعات في التغطية، ومدى اختلاف حضورها بين منصة وأخرى.
وتُظهر النتائج أن مفردات مرتبطة بمستقبل النظام الإيراني ظلت محدودة الحضور في العناوين مقارنة بظهورها داخل المتون، كما أن المنصات لم تتعامل مع هذه المفردات بالطريقة نفسها. ففي حين ركزت بعض التغطيات على الحدث المباشر المتمثل في مقتل أو اغتيال خامنئي، منحت تغطيات أخرى مساحة أكبر للأسئلة المرتبطة بما بعد الحدث، مثل تغيير النظام، وانتقال السلطة، ومستقبل إيران السياسي.

تُظهر البيانات الكمية المستخرجة من التغطية الإعلامية أن حجم الإنتاج الصحفي لم يكن موزّعاً بالتساوي بين المنصات الخمس. فقد تصدّرت منصة "RT عربي" المشهد بحصة بلغت 48% من إجمالي التغطية، بما يعادل (757 مقالة)، تلتها "العربية" بنسبة 25% (393 مقالة)، ثم "سكاي نيوز عربية" بنسبة 12.6% (199 مقالة). وفي المقابل، نشرت "BBC عربي" بنسبة 9% (143 مقالة)، بينما جاءت "الجزيرة" في المرتبة الأخيرة بـ 83 مقالة فقط (5.3%).

وعلى المستوى الزمني، مرّت التغطية بثلاث مراحل رئيسية. ففي الفترة التي سبقت الهجوم (25-27 شباط/ فبراير)، ساد هدوء نسبي بمتوسط 57 مقالة يومياً. ومع يوم الحدث في 28 شباط/ فبراير، تضاعف العدد ليصل إلى 121 مقالة، معلناً بداية مرحلة التصعيد. إلا أن الذروة الفعلية للتغطية لم تأتِ في يوم الهجوم نفسه، بل في 6 آذار/ مارس، عندما بلغ عدد المواد المنشور 404 مقالات خلال يوم واحد.

ورغم أن كثافة التغطية بلغت ذروتها خلال الأيام اللاحقة، فإن بعض المفردات المرتبطة بمستقبل النظام الإيراني كانت قد ظهرت في التغطية منذ المراحل الأولى للأزمة. إلا أن حضور هذه المفردات لم يكن متساوياً بين العناوين والمتون، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول الكيفية التي عالجت بها المنصات العربية موضوعات مثل تغيير النظام، وانتقال السلطة، ومستقبل إيران السياسي خلال فترة الدراسة.

يعتمد هذا التقرير على تحليل 1575 مادة صحفية باستخدام أدوات تحليل البيانات وقواعد الارتباط الإحصائية، بهدف الإجابة على سؤال مركزي يتعلق بتغطية المنصات العربية الخمسة للحرب على إيران: هل تبنت المنصات العربية سردية "انهيار النظام" نتيجة الضربة الأولى؟ وكيف مررت المنصات لقرائها هذه السردية؟ ليتبين أن المنصات العربية حافظت على حيادية عناوينها مقابل تمرير الحديث عن "انهيار النظام" و"مستقبل إيران بعد خامنئي" داخل المتون.
متى حضرت مفردات التغيير السياسي في عناوين المنصات العربية؟
قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير، لم تظهر مفردات مرتبطة بمجموعة (تغيير النظام) في عناوين المنصات العربية سوى في ثلاث مواد فقط، مثلت نحو 2% من إجمالي العناوين المنشورة خلال تلك الفترة ضمن العينة المبحوثة.

وجاءت هذه العناوين الثلاثة في سياقات تحليلية أو تحذيرية؛ إذ ظهرت مفردات "تغيير النظام" في عنوانين نشرتهما منصة "روسيا اليوم عربي" ضمن إطار تحذيري، بينما وردت في عنوان واحد نشرته (بي بي سي عربي) ضمن مادة تحليلية نقلت مضموناً منشوراً في صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية.

أما في يوم الهجوم نفسه، 28 شباط/ فبراير، فلم يشهد حضور هذه المفردات تغيراً ملحوظاً؛ إذ ظهرت في ثلاثة عناوين فقط، بما يعادل نحو 2.5% من إجمالي المواد المنشورة في ذلك اليوم ضمن العينة.

وتقارب توزيع هذه المواد مع ما سُجل قبل الهجوم، إذ نشرت (بي بي سي عربي) مادة حملت عنواناً ذا طابع تعريفي أو تاريخي عن المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي"، فيما نشرت (روسيا اليوم عربي) مادتين تناولت إحداهما أسماء شخصيات قالت إسرائيل إنها استهدفتها، بينما نقلت الأخرى النفي الإيراني لاغتيال "خامنئي".
بعد ذلك ارتفعت نسبة المواد التي تضمنت عناوينها مفردات مرتبطة بمجموعات التغيير السياسي أو مستقبل النظام الإيراني إلى 5.6% من إجمالي المواد المنشورة بعد 28 شباط/ فبراير. ومع ذلك، ظل حضور هذه المفردات في العناوين محدوداً مقارنة بظهورها داخل المتون.
وتشير مراجعة المواد المنشورة قبل 28 شباط/فبراير وفي يوم الهجوم نفسه إلى أن بعض الموضوعات المرتبطة بمستقبل النظام الإيراني، أو انتقال السلطة، أو مرحلة ما بعد خامنئي، كانت تظهر داخل المتون بدرجة أكبر من ظهورها في العناوين. ويبرز هذا التفاوت بين العناوين والمتون بوصفه أحد الملامح اللافتة في التغطية، وهو ما يدفع إلى فحص المفردات التي ارتبطت بهذه الموضوعات وكيفية استخدامها عبر المنصات المختلفة.
تصاعد حضور مفردات التغيير السياسي في العناوين
لتتبع المفردات المرتبطة بسيناريوهات التغيير السياسي ومستقبل النظام الإيراني، جرى تحليل العينة المكونة من 1575 مادة إخبارية منشورة في خمس منصات عربية، ثم استخراج المفردات الأكثر ارتباطاً بهذه الموضوعات وتصنيفها ضمن سبع مجموعات رئيسية:
مجموعة 1: اغتيال / مقتل خامنئي:
وبها: خامنئي · مقتل · قتل · اغتيال · اغتيل
مجموعة 2: تغيير النظام
وبها: إسقاط النظام · تغيير النظام · تسليح المعارضة · إسقاط الجمهورية . استسلام
مجموعة 3: انتقال السلطة
وبها: خليفة خامنئي/المرشد · خلافة المرشد/ خامنئي · انتقال السلطة · فراغ السلطة
مجموعة 4: سقوط/ انهيار النظام
وبها: سقوط النظام · انهيار النظام · تفكك · على مفترق طرق
مجموعة 5: ما بعد خامنئي
وبها: ما بعد · مرحلة جديدة · مرحلة ما بعد · بعد خامنئي · المرشد القادم · المرشد الثالث
مجموعة 6: مستقبل إيران
وبها: مصير إيران · مستقبل إيران · مصير النظام · مستقبل النظام
مجموعة 7: المعارضة الإيرانية
المعارضة الإيرانية · رضا بهلوي · الفصائل الكردية · مجاهدي خلق · فصائل كردية إيرانية

وبذلك بلغ عدد المفردات والمصطلحات المدرجة ضمن القاموس التحليلي 35 مفردة أو مصطلحاً موزعة على سبع مجموعات. وأظهر التحليل أن المفردات التي ظهرت في العناوين قبل 28 شباط/فبراير انتمت أساساً إلى مجموعة "تغيير النظام"، بينما توزعت العناوين التي ظهرت يوم 28 شباط/فبراير بين مجموعتي "مقتل خامنئي" و"انتقال السلطة". أما داخل المتون، فقد ظهر نطاق أوسع من المفردات المرتبطة بمستقبل النظام الإيراني مقارنة بالعناوين.

ومن خلال تحليل العناوين التي تضمنت مفردات من هذه المجموعات، تبين أن عددها بلغ 78 عنواناً فقط، أي ما يقارب 5% من إجمالي عناوين المواد في العينة المبحوثة. وقد شهد هذا الحضور تصاعداً متذبذباً خلال الفترة الممتدة من 25 شباط/فبراير حتى 6 آذار/مارس.
فقد ارتفع العدد من ثلاثة عناوين فقط في 28 شباط/فبراير إلى 20 عنوانًا في 1 آذار/مارس، مع تزايد التغطية المتعلقة بمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وما تبعه من نقاشات حول تداعيات الحدث. ثم تراجع العدد إلى 14 عنواناً في 2 آذار/مارس، وخمسة عناوين في 3 آذار/مارس، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 17 عنواناً في 6 آذار/مارس.

ورغم هيمنة مفردات مجموعة "مقتل خامنئي" على العناوين منذ 1 آذار/مارس، فإن مفردات مجموعة "تغيير النظام" سجلت حضوراً متزايداً خلال الأيام التالية. ففي 2 آذار/مارس ظهرت في ستة عناوين مقابل أربعة عناوين فقط لمجموعة "مقتل خامنئي"، ثم واصلت ارتفاعها خلال يومي 5 و6 آذار/مارس، لتصبح المجموعة الأكثر حضوراً في العناوين خلال اليوم الأخير من فترة الدراسة بتسعة عناوين.

وعلى مستوى المنصات، كانت "روسيا اليوم عربي" الأكثر استخداماً للمفردات المرتبطة بهذه المجموعات في عناوينها، تلتها "بي بي سي عربي". أما المنصات الخليجية الثلاث؛ "العربية" و"الجزيرة" و"سكاي نيوز عربية"، فقد ظهر هذا النوع من المفردات في عناوينها بصورة أوضح بعد 1 آذار/مارس.

وبلغ عدد العناوين التي تضمنت مفردات من هذه المجموعات 33 عنوانًا في "روسيا اليوم عربي"، و16 عنواناً في "العربية"، و14 عنواناً في "بي بي سي عربي"، مقابل تسعة عناوين في "الجزيرة"، وستة عناوين في "سكاي نيوز عربية". إلا أن الصورة بدت مختلفة عند الانتقال من تحليل العناوين إلى تحليل المتون، وهو ما تتناوله الفقرة التالية.
الفجوة بين العناوين والمتون في تغطية المنصات
أظهرت نتائج تحليل العناوين أن المفردات المرتبطة بمجموعات التغيير السياسي ومستقبل النظام الإيراني ظلت محدودة الحضور نسبياً؛ إذ لم تتجاوز ثلاثة عناوين قبل 28 شباط/فبراير، وثلاثة أخرى في يوم الهجوم، قبل أن يرتفع العدد إلى 72 عنواناً خلال الفترة اللاحقة.
لكن الصورة بدت مختلفة عند الانتقال إلى المتون. فبينما ظل ظهور هذه المفردات محدوداً في العناوين، اتسع نطاق حضورها داخل النصوص الإخبارية، سواء في المواد المنشورة قبل 28 شباط/فبراير أو في يوم الهجوم أو خلال الأيام التالية له. كما لم يقتصر الحضور على مجموعة واحدة من المفردات، بل شمل مجموعات متعددة مرتبطة بالتغيير السياسي ومستقبل النظام الإيراني.

فخلال الأيام الثلاثة التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حضرت مفردات مجموعة "تغيير النظام" في 109 مادة إخبارية، أي ما يعادل نحو 63% من المواد المنشور خلال تلك الفترة.

وفي يوم 28 شباط/فبراير، استمرت هذه المجموعة في تسجيل حضور واسع داخل المتون؛ إذ ظهرت مفرداتها في 98 مادة، بما يعادل 81% من المواد المنشورة في ذلك اليوم. وفي الوقت نفسه، ظهرت مفردات مجموعة "مقتل خامنئي" في 93 مادة، أي نحو 77% من إجمالي المواد المنشورة.

أما خلال الفترة اللاحقة للهجوم، فقد واصل حضور مجموعتي "تغيير النظام" و"مقتل خامنئي" الارتفاع، بالتوازي مع ظهور مجموعات أخرى مرتبطة بانتقال السلطة ومستقبل إيران والمعارضة الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن مفردات مجموعة "تغيير النظام" حضرت في 53.35% من المواد المنشورة بعد 28 شباط/فبراير، مقابل نحو 47% لمجموعة "مقتل خامنئي". كما ظهرت مجموعتا "انهيار النظام" و"مستقبل إيران" بنسبة متساوية بلغت 2.26% لكل منهما، بينما سجلت مجموعتا "انتقال السلطة" و "ما بعد خامنئي" حضوراً متقارباً بلغ 1.55%.

وعلى مستوى المنصات، برزت مجموعة "تغيير النظام" قبل 28 شباط/فبراير بصورة أساسية في "روسيا اليوم عربي"، حيث ظهرت مفرداتها في 104 مواد. كما ظهرت في أربع مواد لدى "بي بي سي عربي"، وفي مادة واحدة لدى "الجزيرة".

وفي يوم الهجوم، حافظت "روسيا اليوم عربي" على المعدلات الأعلى؛ إذ تضمنت 94 مادة من موادها مفردات من مجموعة "تغيير النظام"، بما يعادل 77.6% من المواد المنشورة في ذلك اليوم. كما ظهرت مفردات هذه المجموعة في ثلاث مواد لدى "العربية" ومادة واحدة لدى "الجزيرة".
أما مجموعة "اغتيال خامنئي"، فقد سجلت حضوراً واسعاً في متون "روسيا اليوم عربي"، حيث ظهرت في 92 مادة، كما ظهرت في مادة واحدة لدى "بي بي سي عربي". غابت كلمات "اغتيال الخامنئي" عن باقي المنصات، واستبدلتها بكلمات مجموعات أخرى، فحضرت كلمات "تغيير النظام" في متن مادة واحدة بـ "الجزيرة" ومتن ثلاثة مواد بمنصة "العربية"، كما حضرت كلمات مجموعة "المعارضة الإيرانية" بمتن مادة واحدة بمنصة "العربية".

وخلال الفترة التي أعقبت 28 شباط/فبراير، اتسع حضور مختلف المجموعات عبر المنصات الخمس، إلا أن مجموعة "تغيير النظام" ظلت الأكثر حضوراً في المتون مقارنة ببقية المجموعات.
وأظهرت البيانات أن "روسيا اليوم عربي" واصلت تسجيل أعلى معدلات الحضور العددي لهذه المفردات، غير أن المنصات الأخرى، وخاصة "العربية" و"الجزيرة"، منحت أيضاً مساحة ملحوظة للمفردات المرتبطة بالتغيير السياسي. فقد حضرت مفردات مجموعة "تغيير النظام" في متون 24 مادة لدى "العربية"، و 15 مادة لدى "الجزيرة"، وثماني مواد لدى "سكاي نيوز عربية".
وتشير هذه النتائج إلى وجود تفاوت بين العناوين والمتون في درجة حضور مفردات التغيير السياسي ومستقبل النظام الإيراني. فبينما ظلت هذه الموضوعات محدودة نسبياً في العناوين، ظهرت بوتيرة أكبر داخل النصوص الإخبارية، وهو ما يستدعي الانتقال من قياس الحضور العددي إلى قياس الوزن النسبي لهذه المفردات داخل التغطية نفسها.
لا يكفي قياس حضور المفردات المرتبطة بالتغيير السياسي أو مستقبل النظام الإيراني لمعرفة وزنها داخل التغطية. فظهور تعبير مثل "تغيير النظام" أو "مستقبل إيران" مرة واحدة داخل مادة طويلة لا يوازي تكراره داخل مادة قصيرة أو استخدامه ضمن أكثر من مستوى تفسيري. لذلك انتقل التحليل من سؤال الحضور: هل ظهرت المفردات أم لا؟ إلى سؤال الكثافة اللغوية: ما مقدار حضورها قياساً إلى حجم النص؟
ولتحقيق ذلك، جرى احتساب عدد مرات ظهور مفردات كل مجموعة مقارنة بإجمالي عدد كلمات العنوان أو المتن، ثم تحويل النتائج إلى معدل ظهور لكل ألف كلمة.
ويُسهم هذا المؤشر في تقليل أثر الفروق الكبيرة في حجم النشر بين المنصات. فالمنصة التي تنشر عددًا أكبر من المواد قد تسجل حضوراً عددياً أعلى لمجرد كثافة الإنتاج، لا بسبب منحها هذه المفردات وزناً لغوياً أكبر. كما أن النصوص الطويلة قد تنتج تكرارات أكثر بحكم الحجم. لذلك يسمح قياس الكثافة بالإجابة عن سؤال مختلف: أين تحولت هذه المفردات من مجرد حضور إلى عنصر أكثر وزناً داخل اللغة المستخدمة؟

لكن قراءة النتائج تطلبت أيضاً التمييز بين مفردات ترتبط مباشرة بالحدث نفسه، وأخرى ترتبط بالسيناريوهات السياسية المترتبة عليه. فمفردات مثل "مقتل خامنئي" أو "اغتيال خامنئي" قد تعكس تناول الحدث المركزي في التغطية، دون أن تعني بالضرورة التركيز على مستقبل النظام أو احتمالات تغييره.
لذلك جرى بناء مؤشرين منفصلين: الأول يشمل جميع مفردات القاموس، بما فيها مجموعة "مقتل/اغتيال خامنئي"، بينما يستبعد المؤشر الثاني هذه المجموعة ويركز فقط على المفردات المرتبطة بالتغيير السياسي، مثل "تغيير النظام"، و"انتقال السلطة"، و "انهيار النظام"، و "ما بعد خامنئي"، و"مستقبل إيران"، و"المعارضة والبديل".
أظهر المؤشر الكامل، الذي يشمل مفردات مقتل/اغتيال خامنئي، تقدّم (روسيا اليوم عربي) بوضوح في كثافة مفردات القاموس داخل المتون، بواقع 1.221 ظهوراً لكل ألف كلمة، تلتها (بي بي سي عربي) بكثافة 0.863، ثم (سكاي نيوز عربية) بـ0.789، و(العربية) بـ0.785، و(الجزيرة) بـ0.697. للوهلة الأولى، توحي هذه النتيجة بأن "روسيا اليوم عريي" كانت الأعلى في مفردات الانهيار، لكنها قراءة غير كافية؛ لأن الجزء الأكبر من هذا التقدم يرتبط بمركزية حدث مقتل خامنئي نفسه داخل التغطية، لا بالضرورة ببناء سردية سياسية أوسع حول مستقبل النظام الإيراني.

تغيرت الخريطة عند عزل مفردات "مقتل/اغتيال خامنئي" والتركيز على المؤشر السياسي الصافي. في هذا القياس، جاءت (بي بي سي عربي) و(الجزيرة) في المقدمة شبه متعادلتين: 0.468 ظهوراً لكل ألف كلمة في (بي بي سي عربي) و0.465 في (الجزيرة). تلتها (سكاي نيوز عربية) بـ0.367، ثم (العربية) بـ0.346، بينما تراجعت (روسيا اليوم عربي) إلى 0.258 فقط.
بهذا المعنى، لم تكن المنصة الأعلى في ذكر الاغتيال هي نفسها الأعلى في بناء سردية سياسية حول ما بعده. إذ تكشف المقارنة بين المؤشرين أن (روسيا اليوم عربي) كانت أكثر كثافة في مفردات الصدمة المرتبطة بمقتل خامنئي، بينما منحت (بي بي سي عربي) و(الجزيرة) وزناً لغوياً أكبر لمفردات السيناريو السياسي: تغيير النظام، و مستقبل السلطة، و المعارضة، و الانهيار.

وتزداد الصورة وضوحاً عند تفكيك المؤشر السياسي إلى مجموعاته الفرعية. ففي (بي بي سي عربي)، تركز الوزن الأكبر في مجموعة “تغيير النظام” بكثافة 0.250 لكل ألف كلمة، مع حضور إضافي لمجموعتي “سقوط/انهيار النظام” و”المعارضة والبديل” بكثافة 0.073 لكل منهما. يشير ذلك إلى أن (بي بي سي عربي) لم تتعامل مع مقتل خامنئي كحدث منفصل فقط، بل فتحت داخل المتون مساحة لسؤال أوسع عن مستقبل النظام واحتمالات تغييره و البدائل السياسية الممكنة.
أما الجزيرة، فبدت أقرب إلى توازن بين الحدث وسؤال ما بعده. فقد سجلت كثافة متقاربة بين مجموعة “مقتل/اغتيال خامنئي” 0.232 لكل ألف كلمة، وهي الكثافة نفسها تقريباً لمجموعة “تغيير النظام”. كما ظهرت مفردات “مستقبل إيران/النظام” و”المعارضة والبديل” بكثافة 0.071 لكل منهما. بهذا، لا تبدو الجزيرة متمركزة حول الاغتيال وحده، بل حول التحول الذي قد يفتحه الاغتيال في بنية الحكم الإيراني.
وفي (العربية)، تركزت الكثافة أساساً في مجموعتين: “مقتل/اغتيال خامنئي” بكثافة 0.439، ثم “تغيير النظام” بـ0.220. أما بقية الطبقات، مثل مستقبل النظام أو المعارضة والبديل، فظلت أضعف حضوراً. لذلك تبدو السردية هنا أضيق: حدث اغتيال يتصل بسؤال تغيير النظام، لا خريطة متعددة الطبقات لما بعد خامنئي.
وفي (سكاي نيوز عربية)، حضرت مفردات “مقتل/اغتيال خامنئي” بكثافة 0.422، تلتها “تغيير النظام” بـ0.147، ثم “المعارضة والبديل” بـ0.092. يضع ذلك (سكاي نيوز) في موقع وسط: فهي لم تكتفِ بحدث الاغتيال، لكنها لم تمنح مفردات الانهيار السياسي الوزن نفسه الذي ظهر في (بي بي سي عربي) و(الجزيرة).
أما (روسيا اليوم عربي)، فظلت أكثر تمركزاً حول مفردات الاغتيال نفسها، التي بلغت كثافتها 0.963 لكل ألف كلمة، بينما بلغت كثافة “تغيير النظام” 0.151 فقط، وانخفضت بقية مجموعات الانهيار السياسي إلى مستويات أدنى. لذلك، ورغم تصدرها المؤشر الكامل، فإنها تبدو في المؤشر السياسي الصافي أقرب إلى تغطية صدمة مقتل خامنئي منها إلى بناء خطاب واسع حول مستقبل النظام.

تكشف هذه الفروق أن “سردية الانهيار” لم تكن كتلة واحدة. ففي بعض المنصات، ارتبطت بالحدث الصادم نفسه: مقتل خامنئي. وفي منصات أخرى، تمددت إلى سيناريوهات سياسية تتعلق بتغيير النظام، والفراغ أو الانتقال، ومستقبل إيران، والبدائل المعارضة. لذلك، فإن السؤال الأهم لا يصبح: من ذكر مفردات الانهيار أكثر؟ بل: أي منصة نقلت القارئ من الخبر إلى السيناريو؟
كما أظهرت المقارنة بين العناوين والمتون أن مفردات الانهيار السياسي ظلت أكثر ضيقاً في العناوين، بينما اتسعت داخل المتون. وهذا منطقي تحريرياً؛ فالعنوان يميل إلى التكثيف وربما إلى التحفظ، بينما يسمح المتن بإدخال تصريحات ومصادر وسيناريوهات متعددة حول “تغيير النظام” أو “مستقبل إيران” أو “المعارضة”. بهذا المعنى، لا تظهر سردية “ما بعد خامنئي” دائماً في واجهة الخبر، لكنها تتراكم داخل نصوصه.
قبل اعتماد النتائج النهائية، جرى تنظيف المتون من العناصر الجانبية المتكررة والروابط والمواد المقترحة داخل الصفحات، خصوصاً في (روسيا اليوم عربي)، لأن القراءة الخام كانت تضخم حضور مفردات “مقتل خامنئي” داخل عناصر غير خبرية. وبعد اختبار حساسية إضافي باستبعاد العناوين العامة غير التحريرية، ظل الاتجاه العام ثابتًا: (بي بي سي عربي) و (الجزيرة) بقيتا في مقدمة مؤشر الانهيار السياسي الصافي، بينما تراجعت (روسيا اليوم عربي) مقارنة بموقعها في المؤشر الكامل.
في المحصلة، تُظهر الكثافة اللغوية أن المنصات لم تمنح الموضوعات المرتبطة بمستقبل النظام الإيراني الوزن نفسه. فقد ركزت بعض التغطيات بدرجة أكبر على الحدث مباشرة المتمثل في مقتل خامنئي، بينما منحت منصات أخرى وزناً نسبياً أكبر للمفردات المرتبطة بالتغيير السياسي، مثل تغيير النظام، وانتقال السلطة، ومستقبل إيران، والبدائل المعارضة.
وبذلك لا تقتصر الكثافة اللغوية على قياس تكرار الكلمات، بل تساعد أيضاً في فهم طبيعة الزاوية التي اختارت كل منصة من خلالها تناول الحدث وتداعياته السياسية.
إعداد: إبراهيم هلال - شريف مراد