مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

سلة خبز فارغة... نينوى تخسر محاصيلها الاستراتيجية بفعل المناخ والسياسات الحكومية في 6 سنوات

سلة خبز فارغة... نينوى تخسر محاصيلها الاستراتيجية بفعل المناخ والسياسات الحكومية في 6 سنوات

هذا التحقيق أُنجز بدعم من منصّة "عابر" ضمن مشروع صحافة البيانات في العراق "إنفو العراق".

 

بعد سنوات من الجفاف، دفعت الأزمات المتراكمة مئات المزارعين في نينوى إلى ترك الزراعة وتحويل أراضيهم إلى الاستخدام السكني. تكشف البيانات الرسمية بين عامي 2019 و2025 عن تراجع حاد في إنتاج الحنطة، وانهيار شبه كامل لمحصول الشعير، تحول تشهده "سلة خبز العراق"، دفع فاتورة استيراد الحكومة العراقية لتلك المحاصيل للتضخم 8 أضعاف في نحو نصف عقد.

أهم معطيات القصة:

  • تراجع إنتاج الحنطة في نينوى نحو 78% بين 2020 و2025، بينما تراجع إنتاج محصول الشعير إلى صفر في نفس الفترة 
  • في موسم 2025، تعرض نحو 75% من المساحات المزروعة بالحنطة للضرر بسبب الجفاف والظروف المناخية
  • دفعت الخسائر المتكررة عدداً من المزارعين إلى تحويل الأراضي الزراعية إلى الاستخدام السكني أو بيعها
  • في نفس الفترة، قفز حجم استيراد الحكومة العراقية من دقيق القمح خلال عامي 2024 و2025، في إشارة إلى الأثر المباشر لتدهور الرقعة الزراعية على خزينة الدولة.

 

في ناحية النمرود التابعة لقضاء الحمدانية جنوب شرق مدينة الموصل، يقف المزارع ( شاكر حامد) متأملاً أرضه في منطقته، واحدة من المساحات المزروعة التي اشتهرت بإنتاج محاصيل شتوية كالشعير. لايصدق، بحسب قوله،  أنها باتت مهددة بالزوال التدريجي، بعد أن تحول جزء كبير منها إلى مبانٍ سكنية.

مازال شاكر متمسكاً بالإبقاء على لون أرضه الأخضر، لكن صديقه مهند وعائلته اتخذوا مساراً آخر تحت وطأة الحاجة المادية، حينما حوّل والده استخدام أرضه في منطقة القوسيات الخصيبة من زراعي إلى سكني، لبيع جزءاً منها، ويصبح الجزء الآخر مقراً لمحله لبيع الألبان، بينما استفاد مهند من أموال بيع الأرض ليشتري تاكسي للعمل عليه، للمساعدة في إعالة الأسرة.

التهديد الذي يخافه شاكر، وتحقق على أرض مهند وعائلته، بدأ بحاجة المزارعين لمبانٍ سكنية قريبة من أراضيهم، بحسب خبراء، في ظاهرة متكررة في العديد من الدول. لكنه تطور في العراق بعد تحرير محافظات كنينوى من سيطرة تنظيم داعش عام 2017، تحت وطأة الحاجة المادية للمزارعين وضعف منظومة دعمهم، في ظل موجات جفاف متكررة أضرت بالمحاصيل.

تزامن الأمر مع صدور قرار مجلس الوزراء رقم (320 لسنة 2022)، والذي استهدف تقنين أوضاع الأراضي الزراعية التي تم البناء عليها بالفعل، ولكنه فتح الباب لتحويل استخدام الأراضي الزراعية بشكل قانوني إلى أراضٍ سكنية، فوجد فيه العديد من المزارعين في ذلك القرار طوق نجاة.




صورة ضوئية للقرار 320 لسنة 2022

بالنسبة إلى بعض المزارعين، أصبح القرار بمثابة فرصة للخروج من خسائر الزراعة المتكررة.

 

تزامن هذا القرار مع موجات الجفاف أتى بنتيجة سريعة ومدوية، خسارة المحافظة لـ 78% من إنتاجها من القمح، و100% من إنتاجها للشعير. وبالتزامن مع هذه الخسائر، رصدنا عبر تحليل بيانات الاستيراد الحكومية، زيادة مطّردة في الكميات المستوردة من دقيق القمح، كأحد المنتجات محصول القمح المهمّة.

 

كل ذلك في ست سنوات فقط.

يتضح التأثير تغييرات الرقعة الزراعية في محافظة نينوى على فاتورة استيراد الحكومة العراقي لمنتجات محاصيل استراتيجية للقمح، من خلال دراسة أ.د. عبد الكاظم علي جابر الحلو والباحث الباحث محمد محمود محمد في كلية الآداب جامعة الكوفة لإنتاج العراق من القمح من العام 1980 وحتى العام 2018. توضح الدراسة أن إنتاج المحافظة من القمح يمثّل نحو ربع الإنتاج العراقي من المحصول.

يربط هذا التحقيق كل هذه الشواهد عبر تحليل بيانات حكومية خلال المدة (2019–2025) للنشاط الزراعي في نينوى، واستيراد المنتجات في العراق، إضافة إلى صور الأقمار الصناعية لمناطق معروفة بنشاطها الزراعي، وشهادات مزارعين وخبراء، ليخرج بقصة التحول الكبير للدور التاريخي لنينوى كـ"سلة خبز العراق"، وتأثير هذا التحول على فاتورة استيراد الحكومة العراقية، خاصة تلك المرتبطة بمنتجات محاصيل استراتيجية مثل الحنطة والشعير.

 

محاولات النجاة

بالنسبة إلى شاكر، لم تعد المشكلة في إنتاج المحصول فقط، وإنما في القدرة على الاستمرار إلى الموسم التالي 

يلخص شاكر الحال بقوله: "السنة الماضية، بعت في الاسواق ب 300 ألف دينار عراقي، أي ما يقارب ب229 دولار أمريكي"، ما أضعف قدرته على تمويل احتياجات موسم زراعي جديد من أدوات ومواد. هذا الوضع الذي دفع الكثير من جيرانه إلى التدافع إلى تحويل أراضيهم من الاستخدام الزراعي للسكني، حتى قبل صدور القرار المقنن لهذه الأوضاع.

  انتاج الحنطة والشعير

 

لم يبع شاكر أرضه، لا لرفضه الفكرة، ولكن بسبب انخفاض الأسعار المعروضة مقارنتها بقيمتها الحقيقية، لكنه أكد أن جيرانه اضطروا إلى ذلك بسبب الحاجة المالية: "كثيرون فعلوا ذلك. بعضهم باع أرضه بخمسة ملايين دينار فقط (3,818 دولار أمريكي)، رغم أن قيمتها الحقيقية قد تصل إلى اثني عشر أو خمسة عشر مليون دينار (9,164 أو 11,455 دولار أمريكي)".

 

أما عن مهند، فيروي تفاصيل تحول أرض والده من هوية ومصدر رزق إلى عبء مالي 

 

(إجمالي المساحة المزروعة من الحنطة والشعير (دونم

 

 المساحة المحصودة (دونم)

 

تعطل استقرار العائلة بسيطرة تنظيم داعش على المحافظة من عام 2014 وحتى 2017، وبعد تحرير المحافظة، حاولوا العودة إلى زراعة أرضهم لكن الجفاف وقف بينهم وبين الحياة التي كانوا يحلمون بالعودة إليها، الأمر الذي مناهم بخسائر متتالية، ومن ثم ببيع أرضهم.

تكشف بيانات هيئة الإحصاء ومعلومات النظم الجغرافية حول المحاصيل المؤقتة (الحنطة والشعير) في محافظة نينوى عن تزعزع مكانة المحافظة كواحدة من أهم مناطق إنتاج الحبوب في العراق، بسبب التغيرات المناخية التي أدت إلى تفاقم ظواهر متطرفة كالجفاف، وتفاقمت خسائر المزارعين مع ضعف الدعم المقدم من المحافظة، ما سرّع عزوفهم عن الزراعة وتخليهم عن أراضيهم.

 (المساحة المزروعة التي تضررت بسبب الجفاف (دونم 

 

تزامنت كل هذه العوامل مع دخول قرار مجلس الوزراء رقم (320)، الذي نظم تحويل بعض الأراضي الزراعية إلى الاستخدام السكني وفق ضوابط محددة حيز التنفيذ، ما سمح لعدد كبير من المزارعين الذين تعرضوا لخسارات متوالية من الزراعة، بتحويل الأراضي الزراعية إلى الاستخدام السكني، ما يزيد أسعار تلك الأراضي، ويسمح لهم بالهروب من الخسارة المادية عاماً بعد عام.

مثال على أراضي زراعية تحولت إلى أراضي سكنية مشغولة بمبانٍ في محافظة نينوى منطقة القوسيات 

 

تظهر صور الأقمار الصناعية أن قرار عائلة مهند، وجيران شاكر، يعكس نمواً مطرداً في تخلي المزارعين عن أراضيهم وتحويل استخدامها إلى الاستخدام السكني لتحقيق استفادة مادية، وهروباً من خسائر العمل في الزراعة، خاصة الزراعات الشتوية التي تعد محاصيلاً استراتيجيا كالقمح والشعير. يقول شاكر إنه لا يوجد أي دعم حكومي للفلاحين، وفي حال توفره، فعادة مايكون مبلغاً بسيطاً موجهاً لأصحاب المساحات الكبيرة، لا لصغار المزارعين.

أنس الطائي، مهندس ومستشار زراعي ورئيس مؤسسة مثابرون للخير للبيئة والتنمية، ينفق في رؤيته للأمر مع شاكر، يقول الطائي: "المشاكل التي يعاني منها المزارع هي أولاً أن الدولة لا تدعم المزارع بأي شيء، ولا يوجد دعم حكومي حقيقي للمزارعين في الزراعة والمحاصيل الموسمية. ومن أسباب ترك البعض للزراعة أن المستورد يدخل في أوقات ذروة الإنتاج المحلي، وبالتالي يتعرض المزارع إلى خسارة كبيرة ويضطر إلى ترك الزراعة."

يضيف: "وبالنسبة للأراضي القريبة على مدينة الموصل، من يملك عشرة دونمات زراعة ممكن يطلع منها 15 طن حنطة، لكن قيمة الأرض نفسها أصبحت أعلى بكثير من العائد الزراعي. إذا يبيع المتر بثلاثة مليون، سوف يكون لديه رقم بالمليارات، وبالتالي يستطيع يشتري عمارة بأي مكان ويستفاد من الإيجارات بدل يتعب نفسه بموضوع الزراعة."

وحتى المساحات الباقية التي مازالت تزرع بالحنطة والشعير، فإن أغلب إنتاجها يذهب ضحية موجات الجفاف، ففي موسم 2025 مثلاً، بلغت المساحات المزروعة بالحنطة نحو 1.9 مليون دونم (1,900 كيلو متر مربع) لكن 75% منها  تعرضت للضرر بسبب الجفاف والظروف المناخية، هذه الفجوة الكبيرة بين ما زُرع تعكس خسائر كبيرة طالت آلاف المزارعين الصغار، وهو ما يفسر تزايد العزوف عن الزراعة عاماً بعد آخر، الأمر الذي نراه في انحسار المساحات المزروعة على مستوى المحصول.

عن التغير المناخي، يقول الطائي: "بالنسبة لموضوع التغير المناخي، هو أثر، لكن التأثير الأقوى نرجع على نفس السبب: لا يوجد هناك دعم حكومي."

 

بين الحنطة والشعير

خلال فترة التحليل، مر محصول الحنطة  بثلاث مراحل رئيسية؛ بدأت بمرحلة التعافي بعد استقرار الأوضاع الأمنية، والتي بلغت ذروتها في موسم 2020 الذي بأعلى إنتاج في فترة التحليل، ثم دخل مرحلة انهيار وتراجع، شمل الإنتاج وكفاءة استغلال الأراضي الزراعية نفسها، وهذا يعني أن معظم الأموال التي أنفقها المزارعون على البذور والأسمدة والوقود وأجور الحراثة ذهبت دون عائد اقتصادي حقيقي.

واجه الشعير نمطاً مماثلاً، وإن كانت خسائره أكبر مقارنة بالقمح، فبعد ذروة إنتاج عام 2020، انهار إنتاج الشعير 1.36حتى وصل إلى الصفر في عام 2022. المساحات المزروعة به أيضاً تقلّصت بنسبة كبيرة، من أكثر من 3.6 ملايين دونم في عام 2020، إلى نحو 36 ألف دونماً فقط في عام 2025، أي بانخفاض يقارب 99%.

انخفاض كفاءة الأراضي المزروعة بالحنطة والشعير على مستوى محافظة نينوى في الفترة 2019-2020

 

يؤكد أحمد رياض، الحاصل على درجة الماجستير في الهندسة المدنية والمهتم بالجانب الزراعي في قضايا العمران، أن تراجع الزراعة في نينوى لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تراكم مشكلات بيئية وأخرى مرتبطة بسياسات المحافظة تجاه هذه المحاصيل.

يشير رياض إلى أن كثيراً من المزارعين لم يعودوا يجدون جدوى اقتصادية من الاستمرار في الزراعة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف استخدام تقنيات الري الحديثة، وغياب الصناعات التحويلية القادرة على استيعاب المحاصيل الزراعية ورفع قيمتها الاقتصادية.

مثال على أراضي زراعية تحولت إلى أراضي سكنية مشغولة بمبانٍ في محافظة نينوى (منطقة: القوسيات) 

 

لحق قرار مجلس رئاسة الوزراء رقم 320، صدور القرار 570 لعام 2025، الذي جعل من الباب الذي فتحه مجلس الوزراء للتقنين باباً دائماً، بعدها أعلنت بلدية الموصل إعادة فتح باب التقديم لتحويل جنس الأراضي من زراعية إلى سكنية، مؤكدة تسهيل إجراءات المواطنين واستكمال معاملاتهم بأسرع وقت، وداعية أصحاب الأراضي إلى مراجعة القطاعات البلدية المختصة لاستكمال إجراءات التحويل أو تحديث بياناتهم، بحسب منشور للوزارة على صفحتها الرسمية.





وتعكس صور الأقمار الصناعية التي تتبعنا من خلالها عدة مناطق في المحافظة، كانت مناطق زراعية بالأساس، هذا التحول بشكل واضح وفي فترات زمنية قصيرة، إذ تظهر المقارنات بين عامي 2021 و2025 توسعاً عمرانياً واضحاً في مناطق مثل القوسيات والرشيدية والحاوي، ويشير هذا التغير إلى أن جزءاً من الرقعة الزراعية لم يتوقف عن الإنتاج بسبب الجفاف فقط، بل تغيّر نشاطه إلى الاستخدامات السكنية.

 

مثال على أراضي زراعية تحولت إلى أراضي سكنية مشغولة بمبانٍ في محافظة نينوى (منطقة الرشيدية_موصل)

 

يقول مهند: "لم نترك الأرض لأننا لم نعد نحب الزراعة... تركناها لأن الزراعة لم تعد قادرة على أن تعيشنا"

 

طلب على السكن .. وحاجة لتعويض الخسارة

بالنسبة لعائلة مهند، لم تعد المشكلة في قدرة الأرض على العطاء، بل في أن العطاء نفسه بات لا يكفي لقمة عيشهم. يقول مهند: "لحسن الحظ، كانت أرضنا قريبة من مركز المدينة؛ وأمام تلك الخسارات المتوالية وجدنا في هذا القرار فرصة للخروج من عنق الزجاجة وسداد الديون".

يضيف مهند: "نعلم أن بيع الأرض يضر بالزراعة ويؤذي المحافظة، ولكن ليست كل الظروف بيدنا. قررنا بيع جزء منها لكي نستمر بالعيش ونحمي عائلتنا، فالاستمرار في الزراعة كان يعني تحمل خسارات أكبر لن نقوى على مواجهتها".

بحسب ما يوضحه مدير زراعة نينوى السابق  عبدالله سعيد حمو العنزي، والذي قابلناه في مديرية الزراعة بالمحافظة، فإن تغيير جنس الأراضي الزراعية إلى سكنية لم يكن سببه الجفاف فقط.

يقول العنزي: "تغيير جنس الأراضي الزراعية إلى سكنية لم يكن سببه الجفاف فقط، وإنما هناك أسباب أخرى، أبرزها أزمة السكن، التي امتدت إلى محافظة نينوى والأقضية والنواحي والقرى. وهذه المشكلة تعود إلى سنوات سابقة، خصوصاً منذ عامي 2001 و2003، في ظل عدم وجود توزيع شامل للأراضي وعدم وجود تخطيط عمراني واضح."

يدافع العنزي عن قرار مجلس الوزراء قائلاً: "قرار مجلس الوزراء رقم 320 لسنة 2022 طُبق في الموصل على الأراضي الزراعية التي تعود عائدتها إلى وزارة المالية، وسمح بتحويل جنسها إلى سكني وفق الضوابط المحددة. أما إحصائيات الأبنية والتجاوزات فتوجد لدى دوائر البلدية، باعتبارها الجهة المعنية بهذا الملف، وكل دائرة تتعامل مع التجاوزات ضمن حدود القضاء والوحدة الإدارية التابعة لها".

يقول العنزي إنه يوجد أعداد كبيرة من الأبنية المتجاوزة داخل حدود الموصل، وقد يصل العدد إلى نحو 160 ألف بناء متجاوز، على حد قوله. وأضاف أن تقسيم الأراضي الزراعية في بعض المناطق غير منظم، وقام بعض الفلاحين بتحويل أجزاء من أراضيهم إلى أبنية.

إلا أن مسؤولين وخبراء يشيرون إلى أن الأمر لا يخلو من وجود تلاعب في الخطط الزراعية التي على أساسها تستلم الحكومة العراقية محاصيل استراتيجية مثل القمح والشعير من المزارعين، فبينما اتهم النائب السابق أمبر المعموري الحكومة، خلال مقابلتنا معه وفي تصريحات سابقة، الحكومة بإدخال أراضٍ غير زراعية ضمن خطة الزراعة الخاصة بمحاصيل كالقمح، يقول الخبير أنس الطائي أن تضخم فاتورة الاستيراد يحمل علامات استفهام كبيرة.

 

فاتورة دولارية متضخمة

تضخّم مطرد في فاتورة استيراد دقيق القمح في تزامن مع نفس الفترة انهيار زراعة القمح في محافظة نينوى، كمصدر أساسي لنفس المحصول في العراق

تكشف بيانات الاستيراد الممتدة بين عامي 2020 و2024، وهي أحدث السنوات المتوفرة من مركز الإحصاء الرسمي بالعراق، و49.5% من الحصة السوقية لهذه الفاتورة كانت من نصيب القمح الروسي، واحدة من البلدان الأعلى تصديراً للقمح في العالم.

أما على مستوى حجم الفاتورة نفسها، فيكشف تحليل بيانات التجارة الخارجية أن فاتورة استيراد دقيق القمح ارتفعت بالتزامن مع تراجع الإنتاج المحلي في نينوى خلال عامي 2020 2024. فقد تضاعفت قيمة استيراد دقيق القمح خلال تلك الفترة نحو 8.16 مرة  

وبينما تتنوع منتجات الحنطة والشعير التي تستوردها الحكومة العراقية كل عام، اخترنا تتبع دقيق الحنطة كدراسة حالة، لأهميته الغذائية وارتفاع حجم استيراده وفاتورته مقارنة ببقية المنتجات.

يقول الطائي تعقيباً على تضخم فاتورة استيراد دقيق القمح: "أنا كمختص، استغرابي يطلع من أنه كيف يتم الاستيراد بهاي الطريقة وإحنا عدنا إنتاج. أما إذا نتحدث عن حجم الاستيراد، فأنا أتكلم عن أكثر من 20 مليون دولار خلال أربع سنوات، وما أعتقد المفروض الحكومة تشتري بهذا الكم من الأموال لأنه ما نحتاجه."

يشرح الطائي أن الحكومة العراقية غالباً ما تعتمد على أصناف معينة من القمح يمكن تحويلها إلى دقيق يستعمل في المخابز، بينما كانت تستورد أنواعاً معينة من أجل أن يستخدمها المزارعون في عملية البذار، إلا أنه لاحظ وجود تلاعب من خلال إغراق الأسواق العراقية بمحاصيل مستورة أقل في السعر، في أوقات تسويق المحاصيل المحلّية.

يقول الطائي: "الإشكال أن بعض الجهات تحاول تسويق الحنطة المستوردة بأوقات معينة، سواء في الشتاء أو حتى في أوقات موسمها، من أوكرانيا وإيران، وفترات من الهند وأستراليا".

أمًا النائب أمير المعموري، فقد ذهبت في تصريحاته وعمله البرلماني إلى أبعد من ذلك باتهامه المسؤولين بإدراج أراضٍ غير مزروعة ضمن خطة القمح: "أثبت ذلك وفق وثائق رسمية صدرت بعد ما خاطبناهم، هيئة الأراضي والمساحة. وأثبتت إن الجماعات التي تم إعدادها أغلبها إن هي غير صحيحة وغير واقعية. أساساً ليست مزروعة، لدينا الأراضي الوهمية دخلت في الخطة."

يضيف أن التصريحات الحكومية تتعارض حتى مع البيانات المفتوحة، الحكومية أيضاً، التي قمنا بتحليلها: "إذا تشاهدون التصريح الخاص بحيدر الكرعاوي، وهو مدير عام لشركة الحبوب والمخازن،التابعة لوزارة التجارة العراقي  راح تشاهدون العجب. يقول لدينا اكتفاء ذاتي، ولدينا حنطة حتى تصدر وتكفي سنة 2027. هذا كلامه بتصريح في 2024. وتصريحهم يعني يختلف عن ما توصلتم إليه موجود هذا الفيديو صورة وصوت وحتى في لقاءاته."

إلا أن العنزي يقول أن أولويات الحكومة في استلام القمح في هي الأراضي المسجلة ضمن الخطة الزراعية: "خلال السنوات الأربع الأخيرة أصبحت الخطة الزراعية تركز على المناطق التي تستخدم المرشات والري، وتبلغ المساحة التي تحتوي على مرشات نحو مليون دونم أو أقل. وإذا قام الفلاح بالزراعة والحصاد وكان خارج الخطة الزراعية، فقد لا تتمكن الجهات المعنية من استلام محصوله، بسبب عدم تسجيله ضمن الخطة".

ويضيف:"كوزارة زراعة، لا توجد منظومة كافية للتصدير أو معامل تستوعب الإنتاج الزراعي، لذلك يجب أن يكون هناك توجه نحو زراعة المحاصيل التي تدخل في إنتاج الطحين والحبوب، إلى جانب دعم المعامل الأهلية العاملة في هذا المجال"، كما قال العنزي أن المديرية طالبت الوزارة بذلك سابقاً "قدمت دراسات ومقترحات، لكن لا يوجد توجه أو دعم كافٍ من الوزارة، وفي النهاية يكون الفلاح هو الخاسر."

حاولت عابر التحدث مع أحد المسؤولين الحاليين في مديرية نينوى للزراعة، وزارة الزراعة ومجلس الوزراء، لإعطائهم حق الرد على المعلومات التي قدمتها القصة، إلا أن كل المحاولات التي استمرت نحو 3 أسابيع لم يتم الاستجابة إليها 

علي هلال مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون الشباب بالإضافة إلى كونه المدير التنفيذي للمجلس الأعلى للشباب في العراق

 

سلة خبز فارغة

لا تعني هذه النتائج بالضرورة أن المناخ وحده تسبب في انهيار الزراعة في محافظة نينوى، ولا أن تحويل الأراضي وحده تسبب في ارتفاع الاستيراد، لكنها تكشف تحولاً متزامناً في ثلاثة اتجاهات: إنتاج محلي يتراجع، وأراضٍ زراعية تتعرض لضغوط اقتصادية وعمرانية، وفاتورة استيراد ترتفع.

فالمشكلة التي تواجه نينوى اليوم لا تتمثل فقط في أن الأرض لم تعد تنتج كما كانت؛ بل في أن استمرار زراعتها أصبح، بالنسبة إلى بعض أصحابها، أقل جدوى من التخلي عنها.

يتحدث العنزي عن أهمية تغيير الفلاح العراقي لوعيه والاتجاه إلى زراعة محاصيل أخرى كالذرة والطماطم، إلا أن اتهامات وشهادات الخبراء تشير إلى عوار في منظومة العمل مع محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير، محاصيل يعتمد عليها العراق في غذائه، كانت يوماً ما تكفي احتياجاته بنسبة كبيرة، وأصبح اليوم ذلك الاكتفاء محل خطر.

 

 

 إعداد: زهراء يوسف