إعداد: شريف مراد
عند الساعة السابعة وست وأربعين دقيقة من مساء 28 تموز/يوليو، نشر حساب عراقي على فيسبوك يحمل اسم "Yamnsor Amt" خبراً عاجلاً عن تحليق طيران حربي في أجواء البصرة، بالتزامن مع سماع انفجارات قرب أحد مقرات الحشد الشعبي في منطقة الدير.

بعد أقل من ربع ساعة، نقل موقع «نخيل نيوز» الصيغة التي ستصبح لاحقاً أساس رواية الحشد، معلناً أن مقرات الهيئة تعرضت لـ«هجمات إرهابية غادرة شنتها القوات الأمريكية والسعودية».
في المقابل، بدأت رواية أخرى تتشكل، لا تصف ما جرى بوصفه اعتداءً، بل رداً. فعند 8:39 دقيقة، كتب محمد هويدي على فيسبوك أن «الرد السعودي» جاء بعد هجمات بطائرات مسيرة شنتها فصائل الحشد على منشآت نفطية داخل المملكة.

وبحلول 9:23 دقيقة، انتقل الحدث من الأخبار العاجلة إلى التعبئة المفتوحة. نشر الحساب السعودي مسلم الجعيدي على تيك توك مشاهد عسكرية مرفقة بعبارة: «المملكة العربية السعودية إذا ضربت أوجعت»، واصفاً الحشد بأنه «ميليشيا إيرانية».
خلال أقل من ساعتين، لم يعد الجدل على المنصات يدور حول وقوع الضربات، بل حول معناها: هل كانت اعتداءً على العراق ومؤسسة رسمية فيه، أم رداً مشروعاً على جماعة مسلحة تعمل لحساب إيران؟
يحلل التقرير 7,982 مادة رصدتها أداة Brand Mentions بين 3 تموز/يوليو و2 آب/أغسطس، ثم يعزل المواد التي تبنت بوضوح واحدة من روايتين: التعبئة السعودية المؤيدة للضربات، وخطاب الحشد الذي وصفها بـ«العدوان».
ويُقصد بـ«أول ظهور» في هذا التقرير أقدم مادة التقطتها أداة الرصد، وليس بالضرورة أول منشور نُشر على الإنترنت.
امتدت فترة الرصد لتشمل الأسابيع السابقة للضربات، بهدف تتبع ما إذا كانت الوسوم المستخدمة ظهرت مع الحدث أم كانت موجودة قبله وأُعيد توظيفها.
لم يُنشأ وسم #السعوديه_خط_احمر عقب الضربات، ولم يكن مرتبطاً في الأصل بالحشد الشعبي أو بالعراق.

قبل اندلاع الأزمة، استُخدم الوسم في محتوى وطني يمجد القيادة السعودية والقوات المسلحة، أو يدعو إلى حماية المملكة من خصومها و«الشائعات» و«المرجفين». ورصدت البيانات 42 مادة استخدمت الوسم قبل الضربات، مقابل 280 مادة بعد وقوعها.
كانت البنية التعبوية موجودة بالفعل، لكن الحدث أعاد توجيهها نحو خصم جديد.

في الساعات الأولى للتصعيد، تحرك الوسم على تيك توك وإنستغرام بصيغة دفاعية تمزج بين الدعاء بحفظ البلاد والجنود، والتأكيد أن المملكة لا تُهدد، واستدعاء صور القوات الجوية والدفاع الجوي وولي العهد محمد بن سلمان.
لكن هذا الخطاب لم يبق دفاعياً طويلاً.
ففي مقطع نشره مسلم الجعيدي على تيك توك، تحولت الضربات إلى دليل على أن السعودية «إذا ضربت أوجعت». وحقق الفيديو نحو 53 ألف تفاعل، مع وصول تقديري تجاوز 2.6 مليون.

وبعد منتصف الليل، نشر حساب "Bn Wayel" فيديو يستدعي شخصية الحجاج بن يوسف وعبارته الشهيرة: «إن للشيطان طيفاً وإن للسلطان سيفاً»، جامعاً بين وسوم السعودية والعراق والحشد، ومستحضراً صورة الحاكم الذي يعاقب خصومه.
حقق الفيديو نحو 156 ألف تفاعل، مع وصول تقديري بلغ 15.6 مليون، ليصبح أكثر منشورات التعبئة السعودية انتشاراً في العينة.
لم يشرح الفيديو أسباب أسباب الضربات أو أهدافها العسكرية، بل أعاد تأطيرها بوصفها عقوبة تنفذها دولة قوية بحق من يتحدى حدودها.

واستخدم حساب ظهر في البيانات باسم "Private" مقطعاً ساخراً مرفقاً بعبارة «دقوا عبادة حسين دق»، محققاً أكثر من 81 ألف تفاعل. وهكذا دخلت السخرية والموسيقى والإهانة إلى الخطاب التعبوي، إلى جانب بالرسائل السياسية.

وفي اتجاه موازٍ، انتقل البيان الرسمي نفسه إلى هذا الفضاء؛ إذ نشر مبارك آل مشاري تصريح المتحدث باسم وزارة الدفاع بشأن تنفيذ «ضربات نوعية محددة» ضد ميليشيات موالية لإيران، ليتجاور الخطاب الرسمي مع الأغاني والقصائد ومقاطع المقاتلات داخل الوسم نفسه.

جاء نحو 59% من مواد التعبئة السعودية من تيك توك، لكنها استحوذت على 97% من إجمالي التفاعلات، بينما صنعت عشرة منشورات فقط قرابة 70% من هذا التفاعل.
لم تنتشر الرواية السعودية عبر نص موحد أعادت الحسابات نسخه، بل عبر عدد محدود من الفيديوهات واسعة الانتشار، جمعتها الرموز والوسوم والإحساس ذاته: الاعتزاز بالقوة، والاحتفال بالرد، وتقديم الحشد بوصفه أداة إيرانية منفصلة عن العراق.
لكن عدد المواد التي استخدمت الوسم لا يعكس بالضرورة حجم التعبئة السياسية الفعلية.
بين 9:02 و 9:53 دقيقة من صباح 29 تموز/يوليو، ظهرت 24 مادة على إنستغرام لا تتناول السعودية أو العراق أو الضربات أصلاً.
روّجت هذه المنشورات لعقارات، وخدمات نقل اثاث ومكافحة حشرات، وصيانة مصاعد، وإعلانات رقمية، لكنها أُرفقت بحزم متشابهة من الوسوم، تضمنت #السعوديه_خط_احمر و#العراق و#المنشات_النفطيه، وفي بعض الحالات #الحشد_منظمه_ارهابيه.

نُشرت المواد بفواصل تراوحت غالباً بين دقيقة وأربع دقائق، وأحالت إلى مواقع تجارية لا علاقة لها بالأزمة. وظهرت بعض المنشورات من حسابات مثل "T-emeralds" و"Emerald Edition"، بينما لم توفر أداة الرصد بيانات واضحة عن ناشري مواد أخرى. ولم تحقق هذه المجموعة تفاعلاً أو وصولاً يُذكر.
مثلت هذه المنشورات نحو 8.5% من عينة التعبئة السعودية، كما شكلت قرابة ثلثي المواد المنشورة خلال ساعة التاسعة صباحاً. لذلك، لم يكن الارتفاع العددي في تلك الساعة دليلاً على تعبئة جماهيرية بالضرورة، بل تضمن نشاطاً أقرب إلى السبام أو النشر الآلي الذي يستغل الوسوم الرائجة لجذب الزيارات.
لا تثبت هذه البيانات وجود عملية تأثير سياسية سعودية زائفة؛ فالمحتوى كان تجارياً وغير مؤثر، ويبدو أنه استغل الترند بدلاً من صناعته. لكنها تكشف في المقابل أحد حدود الاعتماد على العدد وحده؛ إذ كان من الممكن أن يؤدي احتساب جميع المنشورات بالتساوي إلى تضخيم حجم الموجة، وخلط التعبئة السياسية الفعلية بمحتوى غير أصيل تسلل إلى الوسم.

إذا كان النشاط غير الأصيل في جانب من الموجة السعودية جاء من منشورات تجارية استغلت الوسم، فإن مسار خطاب الحشد اتخذ شكلاً مختلفاً، اعتمد على إعادة توزيع الرسالة الرسمية نفسها.
عند الساعة 10:27 دقيقة مساءً، نشرت صفحة هيئة الحشد الشعبي على فيسبوك بياناً أعلنت فيه أن عدداً من مقراتها «الرسمية» تعرض لـ«هجمات إرهابية غادرة شنتها القوات الأمريكية والسعودية»، وأسفرت عن سقوط شهداء وجرحى.
وكانت كلمة «الرسمية» محوراً أساسياً في بناء الرواية؛ إذ لم يقدم البيان الحشد بوصفه فصيلاً مسلحاً داخل العراق، بل مؤسسة عراقية تعرضت لهجوم خارجي.

وخلال 15 دقيقة من نشر البيان، ظهرت خمس نسخ متطابقة أو شبه متطابقة، من بينها منشور الصفحة الرسمية، قبل أن يرتفع العدد إلى تسع نسخ خلال ساعة واحدة. ثم رصد التحليل عنقوداً ضم 17 منشوراً على فيسبوك أعاد نشر البيان كاملاً أو احتفظ بأجزائه الأساسية.

وشاركت في إعادة النشر صفحات، من بينها لجنة الثقافة والإعلام في ذي قار، و"مساندة أبطال قواتنا العراقية"، إلى جانب صفحات محلية وحسابات موالية للحشد. وتكررت بينها المفردات نفسها: «مقرات رسمية»، و«هجمات إرهابية غادرة»، و«شهداء وجرحى».
ولا يكفي تشابه النصوص وحده لإثبات إدارة هذه الحسابات من جهة واحدة، لكنه يكشف وجود مركز واضح لإنتاج الرسالة، وآلية سريعة لتوزيعها؛ يبدأ ببيان رسمي، ثم تنتقل صياغته إلى صفحات مؤيدة تعيد نشره دون تعديلات تُذكر.
بعد ذلك، اتسعت الرواية من استهداف الحشد إلى استهداف العراق نفسه.

فنشرت حسابات، من بينها حساب محمد ترف، قائمة بالمواقع التي قيل إنها تعرضت للضربات، وافتتحتها بعبارة: «العدوان السعودي الأمريكي الذي استهدف جمهورية العراق».
ورصد التقرير ظهور إطار «العدوان السعودي الأمريكي»، أو الصيغة المعكوسة له، في 124 مادة.
بهذه الصياغة، لم تعد المواجهة بين السعودية وفصيل تتهمه بالعمل لمصلحة إيران، بل بين دولتين أجنبيتين والعراق. وهكذا اندمج مصير الحشد في خطاب السيادة الوطنية، وأعيد تأطير استهداف مقراته باعتباره اعتداءً على الجمهورية العراقية.
عند الساعة 3:01 صباحاً، نشرت صفحة الحشد تحديثًا أعلنت فيه مقتل ما لا يقل عن 20 من عناصره وإصابة 32 آخرين. وخلال 27 دقيقة، أعادت سبعة حسابات نشر النص نفسه، قبل أن يرتفع العدد إلى 11 نسخة خلال أقل من ثلاث ساعات.
وظهرت هذه الحصيلة أو صيغ قريبة منها في 87 مادة، لتبدأ مرحلة جديدة من الخطاب.
تراجعت الخرائط وقوائم المواقع المستهدفة، وتقدمت بدلاً منها صور سيارات الإسعاف، والجثامين، ومراسم التشييع، وزيارات الجرحى.
ومن أوائل الأمثلة على ذلك، فيديو نشره حساب عين الصقر على تيك توك يوثق تحرك سيارات إسعاف طبابة الحشد نحو سهل نينوى، وسط معلومات عن وقوع «شهداء وجرحى». وحقق الفيديو نحو 9.6 آلاف تفاعل، ممثلًا الانتقال من نص البيان إلى المشهد الإنساني المباشر.

وبعد يومين، نشر الإعلامي أحمد آل بندر فيديو يظهر لهادي العامري وعدداً من قيادات الحشد خلال تقديم العزاء وزيارة المصابين، محققاً نحو 146 ألف تفاعل. فيما نشر إحسان الشمري مشاهد مشابهة حصدت نحو 55 ألف تفاعل.
ولم تعد وظيفة هذه المواد إثبات وقوع الضربة، بل تحويل الضحايا إلى ذاكرة جماعية، وإظهار أن الحشد ما زال متماسكاً، وأن قيادته حاضرة بين مقاتليه وعائلاتهم.
جاء نحو 62% من مواد خطاب الحشد من فيسبوك، لكن 15 فيديو فقط على تيك توك صنعت 76% من التفاعلات.
نشر فيسبوك الرسالة، بينما منحها تيك توك زخمها العاطفي.
دخلت 107 مواد من أصل 364 مادة مصنفة ضمن خطاب الحشد في عناقيد تضمنت نصوصاً متطابقة نشرها حسابان أو أكثر، أي قرابة 29% من العينة.
ويمثل ذلك مؤشراً أقوى على وجود توزيع منسق للرسائل مقارنة بالتعبئة السعودية، التي لم يظهر فيها نص مركزي أعيد نسخه بالحجم نفسه.
وتشير البيانات بذلك، إلى وجود شبكة سريعة ومنظمة لإعادة توزيع الرسائل الرسمية للحشد، لكنها لا تكفي لإثبات وجود عملية CIB مكتملة الأركان.
أما في الجانب السعودي، فكان أوضح أشكال النشاط غير الأصيل هو السبام التجاري الذي استغل الوسم، بينما اعتمدت التعبئة السياسية الأساسية بدرجة أكبر على حسابات تيك توك ومؤثرين نشروا محتوى متنوعاً في شكله، لكنه متقارب في رسالته ومشاعره.

اعتمد خطاب الحشد على وحدة النص. بدأ ببيان رسمي، ثم تلاه تحديث لحصيلة الضحايا، قبل أن تعيد شبكة من الصفحات نشر الرسائل نفسها، ويحولها المؤثرون ووسائل الإعلام لاحقاً إلى مشاهد تشييع وعزاء ووعيد.
في المقابل، اعتمدت التعبئة السعودية على وحدة الشعور. فلم يكن هناك نص مركزي واحد، بل وسم وأغانٍ وقصائد، ومشاهد عسكرية، وصور للقيادة، ولغة متكررة تحتفي بالقوة والعقاب.

كان خطاب الحشد أكثر انضباطاً في بناء رسائله وتوزيعها، بينما أظهرت التعبئة السعودية قدرة أكبر على إنتاج محتوى واسع الانتشار. انشغل الأول بتحديد ما حدث ومن هو الضحية، بينما ركز الثاني على الكيفية التي ينبغي أن يُنظر بها إلى الحدث.
وقفت الحكومة العراقية بين الروايتين. فقد أدانت انتهاك السيادة، ونفت علمها المسبق بالضربات، لكنها لم تتبنَّ خطاب الحشد بالكامل، إذ واصلت التأكيد على احتكار الدولة للسلاح ومنع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على دول الجوار.
أما التغطية الإخبارية، فوسعت دائرة تداول الحدث بنقل تصريحات الأطراف المختلفة، لكنها لم تكن المحرك الرئيس للتعبئة. فقد جاءت القوة الفعلية من انتقال بيانات الحشد إلى شبكة واسعة من صفحات فيسبوك، ومن تحول الرواية السعودية إلى مقاطع قصيرة انتشرت عبر تيك توك.
حققت التعبئة السعودية تفاعلات أعلى، مدفوعة بعدد محدود من الفيديوهات واسعة الانتشار، بينما أظهر خطاب الحشد قدرة أكبر على فرض قاموس موحد، بدأ من بيان رسمي، ثم انتقل إلى عشرات النسخ، قبل أن يتحول إلى صور التشييع والعزاء.
لم تكن المعركة الرقمية مجرد امتداد للضربات الجوية، بل كانت أيضاً معركة على تعريفها. سعت الرواية السعودية إلى فصل الحشد عن العراق وتقديمه باعتباره أداة إيرانية، بينما حاول خطاب الحشد ربط مصيره بسيادة الدولة ودماء العراقيين.
وبين «الميليشيا الإرهابية» و«المقرات الرسمية»، ظل السؤال الذي حكم النقاش على المنصات: من الذي ضُرب فعلًا؟
إعداد: شريف مراد