إعداد: شريف مراد
في صباح 19 تموز/يوليو، نشرت صفحة «زقورة نيوز» عبارة بدت، للوهلة الأولى، كتعليق سياسي عابر: «كل ما ستفعله حكومة الزيدي هو امتداد لنتائج عمل حكومة السوداني». لم يحظ المنشور بتفاعل استثنائي؛ بضعة إعجابات وتعليقات ومشاركة واحدة. لكن المنشور سيبدو مختلفاً عندما يوضع إلى جانب مئات المواد التي حملت وسم #العراق_اولا خلال الأسابيع التالية؛ إذ يكشف بداية سردية أخذت تعيد تقديم إرث رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني داخل المشهد السياسي الجديد.
بعد أقل من ثلاث ساعات، عادت الصفحة نفسها للحديث عن زيارة رئيس الحكومة علي الزيدي إلى واشنطن، وربطت بين «محاربة الفساد» و«حصر السلاح» وبين مسار الإصلاح الذي تقدمه للحكومة الجديدة. وبعد أيام، بدأت صفحات أخرى قريبة من خطاب ائتلاف «الإعمار والتنمية» تكرر الفكرة نفسها بصيغ مختلفة: ما بدأه السوداني لا ينبغي أن يتوقف بخروجه من الحكومة، والزيدي لا يبدأ مشروعاً جديداً، بقدر ما يستكمل مساراً قائماً.

لكن هل كان وسم «العراق أولاً» يعبر فعلاً عن هذه السردية وحدها؟
تكشف عينة محدثة تضم 1455 مادة منشورة بين 19 تموز/يوليو و17 آب/أغسطس 2026، أن الوسم سرعان ما أصبح أوسع من الحملة السياسية التي ارتبط بها في بدايته. فبين المنشورات التي حملته، ظهرت مواد رياضية ودينية وأخبار يومية لا علاقة مباشرة لها بالسياسة، إلى جانب نواة سياسية أكثر تركيزاً ربطت بين إرث السوداني وائتلافه وبين أجندة الزيدي في ملفات مثل حصر السلاح والسيادة.
ومع اتساع استخدام الوسم، بدأت أطراف أخرى في منحه معاني مختلفة. فحسابات ذات خطاب قومي وصَدري ومناهض لإيران استخدمت «العراق أولاً» للانتقال من الحديث عن الإعمار والدولة إلى خطاب أكثر حدة، يضع أولوية العراق في مواجهة النفوذ الإيراني.
هكذا، لم يعد «العراق أولاً» مجرد شعار يُستخدم لتقديم مشروع سياسي بعينه، بل تحول إلى مساحة تتنافس فيها روايات مختلفة على تعريف ما تعنيه أولوية العراق: من شعار للإعمار والدولة، إلى شعار لاستكمال مشروع السوداني مع الزيدي، وصولاً إلى خطاب يضع «العراق أولاً» في مواجهة «ذيول إيران».

وسم ضخم.. لكن حملته السياسية أصغر مما تبدو

قد يبدو وسم «العراق أولاً» ضخماً إذا نظرنا إلى عدد المنشورات التي حملته فقط. لكن الأرقام تصبح أكثر دلالة عندما نفكك ما وراءها.
من بين 1455 مادة في العينة، استحوذ فيسبوك على قرابة ثلاثة أرباع المنشورات، بينما جاءت مساهمة تيك توك أقل بكثير من حيث العدد، رغم قدرته على صناعة قفزات كبيرة في المشاهدات.
وبعد استبعاد المنشورات الرياضية والدينية والاستخدامات العامة للوسم، ظهرت نواة سياسية عالية الثقة تضم نحو 311 مادة فقط، أي قرابة خُمس كل ما نُشر تحت الوسم.
بمعنى آخر، ليس كل من كتب «العراق أولاً» كا يشارك في حملة سياسية واحدة.
صفحة ديوان الوقف الشيعي، مثلاً، استخدمت الوسم بكثافة ضمن منشورات دينية وإدارية. كما كرره المعلق الرياضي علي عنب كررته في عشرات المنشورات الرياضية. هذه المواد ترفع حجم الوسم وتزيد من حضوره على المنصات، لكنها لا تقول شيئاً تقريباً عن المشروع السياسي الذي ارتبط به.
لكن داخل النواة السياسية تتغير الصورة تماماً.
أكثر من 85% من المواد السياسية المركزة جاءت من أربعة ناشرين فقط: «زقورة نيوز»، و«صوت الإعمار»، و«صوتي حقي»، ومحمد حارث المطلبي.

كانت «زقورة نيوز» الأضخم بفارق واضح، إذ نشرت أكثر من نصف المواد السياسية عالية الثقة. لكن حضورها لم يقتصر على رسالة سياسية واحدة؛ فقد تنوع محتواها بين أخبار السوداني والزيدي، وملفات حصر السلاح والفساد والعلاقات الخارجية.


أما «صوت الإعمار» و«صوتي حقي»، فكانتا أكثر تخصصاً بكثير؛ إذ دارت الغالبية الساحقة من منشوراتهما السياسية حول السوداني، أو «الإعمار والتنمية»، أو إنجازات حكومته السابقة. ولا تثبت صفحات كهذه وحدها وجود إدارة مركزية للحملة، لكنها تكشف البيئة الإعلامية التي حافظت على حضور السوداني في المشهد بعد انتقال السلطة.
ومن داخل الائتلاف نفسه، يظهر محمد حارث المطلبي، عضو المكتب السياسي لائتلاف «الإعمار والتنمية»، بوصفه أحد أوضح من صاغوا الرابط بين مرحلتي السوداني والزيدي.

في 9 آب/أغسطس قال المطلبي صراحة إن «الزيدي يكمل منهج التنمية الذي بدأه السوداني»، وتحدث عن علاقة تقوم على «الدعم والإسناد والتشاور»، قبل أن يضع مكافحة الفساد وحصر السلاح ضمن الملفات المشتركة.
هنا لم يعد الأمر استنتاجاً من تشابه المنشورات. أحد الفاعلين داخل الائتلاف نفسه كان يشرح السردية مباشرة.
من «إنجازات السوداني» إلى «سلاح الدولة»
في الأيام الأولى من العينة، كان السوداني هو مركز الثقل.

مشاريع الكهرباء، الخدمات، المدارس، الاستثمارات، والعلاقات الخارجية التي أبقت العراق بعيدًا عن الصراعات، كلها ظهرت مرارًا في منشورات «صوت الإعمار» و«صوتي حقي» وزقورة.
لكن مع نهاية تموز/ يوليو بدأ مركز الخطاب يتحرك. في 27 تموز/ يوليو نشرت "زقورة" مادة عن «استحقاق 30 أيلول»، ووصفت حملة الزيدي لمكافحة الفساد وحصر السلاح باعتبارها اختباراً سياسياً. وفي اليوم نفسه، قدم المطلبي حجة مختلفة قليلًا؛ فبحسب منشوره، لن تستثمر الشركات الأجنبية في بلد يوجد فيه سلاح موازٍ لسلاح الدولة.

في اليوم التالي، عاد إلى الفكرة نفسها بصورة أوضح: الاستقرار وحصر السلاح يفتحان الباب أمام استثمارات كبرى وفرص عمل.
وهكذا بدأ ملف أمني يتحول في خطاب الحملة إلى مسألة اقتصادية:
حصر السلاح يعني استقراراً، والاستقرار يعني استثماراً، والاستثمار يعني استمرار مشروع التنمية.
ثم جاءت أحداث نهاية يوليو لتضيف طبقة جديدة.
بعد التصعيد العسكري والضربات الأميركية-السعودية على جماعات مسلحة داخل العراق، نشرت "زقورة" في 29 تموز/يوليو عنوانًا يقول: «بعد القصف الأميركي السعودي.. مجلس الأمن الوطني يقر خطة لحماية السيادة وحصر السلاح بيد الدولة».
الملف الذي قُدم قبل ذلك باعتباره إصلاحًا حكوميًا وشرطًا للاستثمار أصبح الآن قضية سيادة.
وهذا التحول يظهر أيضًا في البيانات. ففي النصف الأول من الفترة كان معدل المنشورات المتعلقة بالسوداني و«الإعمار والتنمية» أعلى بكثير، ثم تراجع بوضوح خلال أغسطس، بينما ارتفع معدل المواد المتعلقة بحصر السلاح.
السوداني لم يختف. الذي تغير هو الوظيفة التي يؤديها داخل الخطاب.
فبدل التركيز فقط على ما أنجزه في الماضي، بدأت مواد جديدة تنسب إليه أصل المشروع الذي ينفذه الزيدي حاليًا.
في 3 آب/ أغسطس، نشرت "زقورة" مادة عن «مشروع السوداني بحصر السلاح» باعتباره «لبنة لدولة القوة الواحدة». وبعدها بثلاثة أيام ظهر عنوان آخر: «السوداني: حصر السلاح بيد الدولة لا رجعة عنه.. وتنويع الاقتصاد أولوية المرحلة».
وفي 17 آب/ أغسطس كان المطلبي أكثر وضوحًا: «ملف حصر السلاح بدأ في حكومة السوداني».
تكتمل هنا الدائرة السردية:
السوداني بدأ مشروع الدولة والتنمية؛ الزيدي يستكمله؛ وحصر السلاح ليس تغييراً في الاتجاه، بل أحد شروط نجاح المشروع القديم في مرحلته الجديدة.
تدوير المحتوى.. مؤشرات تفتح أسئلة أكثر مما تجيب
هناك أيضاً إشارات إلى حركة المحتوى بين بعض هذه الصفحات، وتوقيتات متقاربة لإعادة نشر المادة نفسها.


في 23 تموز/ يوليو نشرت «صوت الإعمار» خبراً عن استقبال السوداني للأمين العام لحزب الأمة العراقية، وبعد 41 دقيقة ظهر النص نفسه حرفياً على «صوتي حقي».
وفي 30 يوليو، نشرت «زقورة» تصريحًا يقول إن حكومة السوداني كانت واضحة في سياساتها وشعارها «العراق أولًا»، وإنها نجحت في النأي بالعراق عن الصراعات. وبعد 36 دقيقة، ظهر النص على حساب «صوت الإعمار» في تيك توك، ثم بعد سبع دقائق على صفحته في فيسبوك.
مثل هذه الحالات تكشف تدويرًا سريعًا للمادة داخل البيئة نفسها، لكنها لا تكفي لإثبات أن الحسابات تدار من جهة واحدة أو أن هناك «غرفة عمليات» مركزية.
وقد تكون المواد مأخوذة من بيانات أو تصريحات موزعة على أكثر من جهة. كما لم تكشف العينة عددًا كافيًا من حالات النسخ المتزامن يسمح بالقفز إلى استنتاج بوجود سلوك منسق غير أصيل.
الأدق هو القول إننا أمام منظومة إعلامية وسياسية متقاربة في مصادرها ورسائلها، تتبادل أو تعيد تدوير بعض المواد، مع تركيز لافت للنشر في عدد محدود جدًا من الصفحات.
كما لا توجد، حتى الآن، أدلة تسمح بالقول إن «زقورة نيوز» مملوكة أو ممولة من «الإعمار والتنمية»، أو أن «صوت الإعمار» و«صوتي حقي» تديرهما الجهة نفسها.
لكن هذه الروابط تظل أسئلة تستحق مزيداً من التحقيق، خصوصاً أن «زقورة» وحدها كانت مسؤولة عن نحو 43% من إجمالي المواد التي ظهرت في العينة، بما فيها المنشورات غير السياسية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ما نراه مجرد تشابه وتزامن في التغطية داخل بيئة سياسية متقاربة، أم أن هناك نمطاً أعمق من التنسيق وإدارة المحتوى لم تكشفه البيانات بعد؟
حين أخذ آخرون الشعار إلى «ذيول إيران»
ابتداءً من أغسطس، بدأت طبقة أخرى تظهر داخل الوسم. لم تكن كبيرة من حيث عدد المنشورات، لكنها كانت أكثر حدة، وأحيانًا أكثر قدرة على جذب التفاعل.

في 3 أغسطس، ظهر منشور عن شاب عراقي يرفع العلم الإيراني، وحصد أكثر من 900 تفاعل على فيسبوك. وبعد يومين نشر حساب يحمل خطاباً صدرياً مادة تقول إن إيران لم تتحرك لإنقاذ شيعة العراق، وتنتهي بعبارة «العراق أولاً وأخيراً».

وفي 8 أغسطس، جاءت واحدة من أكثر الحالات تطرفاً: منشور لليث شكور دعا إلى إزالة الصور والأعلام والمنشورات الإيرانية، ومنع الإيرانيين و«ذيولهم» من الظهور الإعلامي، مستخدمًا تعبير «القادسية الإعلامية الثالثة». وتجاوز المنشور ألف تفاعل، وهو رقم أعلى بكثير من غالبية المواد السياسية الصادرة عن الصفحات الأقرب إلى «الإعمار والتنمية».
ثم ظهر على تيك توك خطاب أكثر مباشرة تحت وسوم مثل «ذيول إيران» و«ما بينه واحد ذيل». وحقق أحد هذه الفيديوهات نحو 19.5 ألف مشاهدة وأكثر من 2200 إعجاب، قبل أن يعيد حساب آخر نشر النص والوسوم نفسها تقريبًا في اليوم التالي.
لكن المفارقة أن أكثر الخطابات عداءً لإيران لم تأت من زقورة أو صوت الإعمار أو صوتي حقي أو المطلبي.
وهذا فارق أساسي.
لا تدعم البيانات فرضية أن «الإعمار والتنمية» أطلق حملة لمهاجمة إيران. ما يظهر بدلاً من ذلك أن خطاب الائتلاف حول الدولة والسيادة وحصر السلاح خلق مساحة يمكن لجمهور سياسي آخر أن يدفعها خطوة إضافية: إذا كان «العراق أولاً»، فلتكن الأولوية أيضاً على حساب النفوذ الإيراني والولاءات الخارجية.
الشعار، بهذا المعنى، بدأ يتجاوز أصحابه. فالعبارة التي استخدمت أولاً لتقديم مشروع السوداني والإعمار والتنمية، أصبحت تُستخدم في الوقت نفسه لتسويق استمرار المشروع تحت الزيدي، وتبرير احتكار الدولة للسلاح، والهجوم على إيران ووكلائها من جانب حسابات لا تظهر علاقة واضحة بينها وبين الحملة الأصلية.
وربما تكمن أهمية #العراق_اولا هنا تحديداً؛ ليس لأنه يكشف حملة رقمية ضخمة وموحدة، بل لأنه يوضح كيف يمكن لشعار سياسي بسيط أن يتحول إلى مظلة تتنافس تحتها مشاريع مختلفة لتعريف معنى «مصلحة العراق» نفسها: بالنسبة إلى ائتلاف السوداني، هي استمرار مسار الإعمار والتنمية؛ وبالنسبة إلى حكومة الزيدي، هي دولة تحتكر القوة وتحمي السيادة؛ وبالنسبة إلى تيار أكثر قومية ومناهضة لإيران، تعني كسر الولاءات الخارجية ومواجهة «الذيول».
وبين هذه الطبقات، يبقى السؤال الذي لا تستطيع البيانات وحدها الإجابة عنه: أين ينتهي الترويج السياسي المنظم، وأين يبدأ التبني العضوي للشعار؟
لكن ما يمكن إثباته هو أن «العراق أولًا» لم يعد مجرد وسم أو شعار انتخابي. لقد أصبح لغة سياسية مشتركة، تتصارع أطراف مختلفة على تحديد من يملكها، وما الذي يعنيه أن يكون العراق «أولًا».
إعداد: شريف مراد