مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

#الصحناوي_عدو_لبنان.. صورة واحدة ووسم صغير وسردية تتوسع عبر المنصات

#الصحناوي_عدو_لبنان.. صورة واحدة ووسم صغير وسردية تتوسع عبر المنصات

لم يحتج وسم "#الصحناوي_عدو_لبنان" إلى آلاف المنشورات كي يلفت الانتباه. ففي العينة الموسعة التي رُصدت على منصة X، لم يتجاوز عدد التغريدات المرتبطة بالوسم 38 تغريدة، نشرتها 27 حساباً بين مساء 28 تموز/يوليو وصباح 30 تموز/يوليو 2026. ومع ذلك، حققت هذه الدفعة نحو 29.6 ألف مشاهدة، و1,927 إعجاباً، و172 إعادة نشر، و71 رداً.

هذه الأرقام لا تصف حملة رقمية واسعة، لكنها تكشف شيئًا آخر: نشاطاً قصيراً ومركزاً، ظهر في دفعات زمنية متقاربة، ودفعه عدد محدود من الحسابات في بدايته، قبل أن تلتقطه حسابات ناشطة ومنصات إعلامية وتمنحه مساحة أوسع للانتشار والمعنى السياسي. 


بدأت القصة بصورة جمعت المصرفي اللبناني أنطون الصحناوي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال عشاء في واشنطن. وأثارت الصورة ردود فعل وانتقادات في لبنان، خصوصاً في ظل الحساسية السياسية والقانونية تجاه أي تواصل مع إسرائيل. وذكرت وكالة رويترز أن مجموعة من المحامين اللبنانيين قدمت شكوى طالبت بالتحقيق مع الصحناوي على خلفية اتهامه بالتواصل مع "العدو الإسرائيلي"، بينما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن قاضياً لبنانياً أصدر أمراً قد يؤدي إلى توقيفه إذا عاد إلى لبنان، على خلفية اتهامات بالتعاون مع إسرائيل وخرق القوانين التي تحظر التواصل مع إسرائيليين. 

لكن قصة "#الصحناوي_عدو_لبنان" لا تتعلق بالصورة وحدها. فبتتبع النشاط الرقمي المرتبط بالوسم، تظهر دفعات قصيرة قادتها حسابات محدودة، وتكرارات لعبارات ووسوم بعينها، قبل أن تنتقل القصة إلى منصات أخرى، حيث اتسعت من اتهام بالتواصل مع إسرائيل إلى سرديات أوسع تتعلق بالمصارف والنفوذ السياسي والإعلامي. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لوسم صغير، لم يتجاوز عشرات التغريدات على X، أن يتحول إلى جزء من قصة سياسية أكبر؟ 

الانفجار الأول: يوم واحد حمل معظم الحملة

زمنيًا، تبدو الحملة على X خاطفة أكثر من كونها موجة ممتدة. فمن أصل 38 تغريدة في العينة، نُشرت 27 تغريدة يوم 28 تموز/يوليو وحده، أي نحو 71% من إجمالي العينة. وحققت هذه التغريدات في ذلك اليوم 22,628 مشاهدة، و1,382 إعجاباً، و148 إعادة نشر، و63 رداً. وفي اليوم التالي، تراجع النشاط إلى 9 تغريدات فقط، قبل أن ينخفض إلى تغريدتين صباح 30 تموز/يوليو.


هذا التوزيع الزمني يرسم مساراً واضحاً: دفعة مكثفة في يوم واحد، تلتها موجة تراجع سريعة. ولا يبدو النشاط هنا كنقاش عام يتوسع تدريجياً، بقدر ما يعكس دفعة قصيرة ركزت على وسم واحد خلال فترة زمنية محدودة. 

ويصبح هذا النمط أكثر وضوحاً عند تفكيك الساعات الأولى. بين الخامسة والسادسة مساءً بتوقيت غرينتش يوم 28 تموز/ يوليو، ظهرت 8 تغريدات من 4 حسابات، حققت وحدها 9,220 مشاهدة، و703 إعجابات، و71 إعادة نشر. وبعد نحو ثلاث ساعات، عند الثامنة مساءً، ظهرت كتلة ثانية أكبر عددياً، ضمت 15 تغريدة من 10 حسابات، لكنها حققت انتشاراً أقل، بلغ 5,940 مشاهدة و333 إعجاباً. 

ويكشف الفرق بين الكتلتين أن كثافة النشر لم تكن وحدها العامل المحدد للانتشار. فالدفعة الأولى، رغم أنها أصغر عدداً، حققت وصولاً وتفاعلاً أكبر، بينما بدت الدفعة الثانية أقرب إلى توسيع حضور الوسم عبر عدد أكبر من المنشورات والحسابات، بما فيها منشورات لا تحمل سوى الوسم نفسه. 

 

حسابات قليلة عند نقطة البداية

داخل عينة X، يبرز الحساب @SalameNour_ange بوصفه أحد أبرز المحركات المبكرة للوسم. نشر الحساب خمس تغريدات خلال نحو سبع دقائق فقط، بين 17:25 و17:32 بتوقيت غرينتش يوم 28 تموز/يوليو. وحققت التغريدات الخمس مجتمعة 7,710 مشاهدات، و489 إعجاباً، و60 إعادة نشر، و27 رداً. وبذلك مثّل حساب واحد نحو 13% من إجمالي التغريدات في العينة، لكنه حصد أكثر من ربع المشاهدات والإعجابات تقريباً، وأكثر من ثلث إعادة النشر.

ولا تبدو مشاركة الحساب عابرة؛ إذ كرر النشر عدة مرات خلال نافذة زمنية ضيقة، ودمج في رسائله صورة الصحناوي مع نتنياهو بسرديات أخرى تتعلق بالمصارف وأموال المودعين والنفوذ السياسي. وبذلك اتسع الخطاب من مجرد الاعتراض على صورة الصحناوي مع نتنياهو إلى تقديمه ضمن سردية أوسع تربط بين التواصل مع إسرائيل والطبقة المالية والسياسية في لبنان. 



في المقابل، نشر حساب آخر هو @AboKarar1349، خمس تغريدات أيضاً، لكنه حقق 651 مشاهدة فقط و 4 إعجابات، من دون أي إعادة نشر. ويكشف هذا التباين أن كثافة النشر لم تكن كافية وحدها لصناعة الانتشار؛ فقد اختلف تأثير الحسابات المشاركة بصورة كبيرة بحسب قدرتها على الوصول إلى الجمهور والتفاعل معه. 

أما أعلى تغريدة منفردة في العينة، فجاءت من حساب @souheildiab، وحققت 6,845 مشاهدة، و316 إعجاباً، و34 إعادة نشر، بنص قانوني وسياسي وضع الصورة في إطار "فعل الخيانة" ودعا إلى تحرك القضاء. 

تكشف هذه الأرقام عن بنية أولية محدودة للانتشار: حسابات دفعت الرسائل في الساعات الأولى، وأخرى أعادت تكرارها بكثافة أكبر لكن بتأثير أقل، فيما أسهمت حسابات ذات وصول أعلى في توسيع نطاق الخطاب. 

الوسم وحده: تعبئة بلا حجة

أحد أوضح مؤشرات على طبيعة النشاط في العينة هو تكرار منشورات لم تتضمن أي نص تفسيري تقريباً، واكتفت بالوسم وحده. فقد ظهرت سبع تغريدات بهذه الصيغة أو بصيغة قريبة جداً: "#الصحناوي_عدو_لبنان" أو "#الصحناوي عدو لبنان"، وكررت ست منها الصيغة نفسها حرفياً. وحققت التغريدات السبع مجتمعة 879 مشاهدة و125 إعجاباً. 

ولا تضيف هذه المنشورات، في حد ذاتها، معلومات أو حججاً جديدة إلى النقاش؛ وظيفتها الأساسية هي إبقاء الوسم حاضراً في التداول. وعندما يتكرر نشر الوسم نفسه من حسابات مختلفة خلال نافذة زمنية قصيرة، يصبح تكرار الوسم نفسه جزءاً من النشاط الذي يستحق الفحص، حتى لو ظل حجم هذا النشاط محدوداً. 

ويظهر مؤشر آخر في تكرار العبارة الحرفية: "لكل بشير حبيب وهذا واجب وطني وإنساني وأخلاقي"، التي ظهرت في حسابين مختلفين. ورغم أن التكرار هنا محدود، فإنه يكشف استخدام صيغ جاهزة قابلة لإعادة النشر والتدوير، كما يضيف إلى الخطاب بعداً لبنانياً داخلياً يستدعي رمزية سياسية وحربية، بدل الاكتفاء برفض عام للتواصل مع إسرائيل. 

من التطبيع إلى المصارف: كيف اتسعت السردية؟

لو بقيت القصة عند صورة الصحناوي مع نتنياهو، لكانت السردية أبسط: اتهام بالتطبيع أو بالتواصل مع إسرائيل. لكن المنشورات المرصودة وسّعت نطاق الخطاب سريعاً. ففي عينة X، كما في الرصد الأوسع عبر Brand Mentions، ارتبط اسم الصحناوي بثلاث سرديات متداخلة: الخيانة الوطنية، وملف المصارف، والنفوذ الإعلامي والسياسي. 

كانت السردية الأولى مباشرة، وظهرت في عبارات مثل "عدو لبنان"، و"التعامل مع العدو"، و"الخيانة"، و"العمالة"، و"محاكمة". وتستند هذه اللغة إلى سياق قانوني وسياسي لبناني حساس تجاه التواصل مع إسرائيل، كما ارتبطت بالصورة التي جمعت الصحناوي بنتنياهو، ما وفر مادة جاهزة لإعادة تأطير الواقعة بوصفها قضية تتجاوز مجرد لقاء شخصي. 


أما السردية الثانية، فأضاف تبُعداً اجتماعياً واقتصادياً إلى الخطاب. فقد ربطت المنشورات بين الصحناوي بصفته مصرفياً، وSGBL، ورياض سلامة، وملف أموال المودعين. وهنا لم يعد الغضب مرتبطاً بالصورة وحدها، بل امتد إلى صورة الصحناوي بوصفه جزءاً من المنظومة المالية التي يحمّلها كثير من اللبنانيين مسؤولية خسارة مدخراتهم.  لذلك ظهرت عبارات مثل "حرامي المصارف"، و"سارق أموال المودعين"، و"عشاء على حسابنا". وربطت هذه العبارات بين ملف التواصل مع إسرائيل والاحتقان الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، ما وسّع نطاق السردية إلى ما هو أبعد من واقعة العشاء. 

أما السردية الثالثة، فاتجهت إلى النفوذ السياسي والإعلامي. فالصحناوي لم يظهر في المنشورات بوصفه مصرفياً فقط، بل كشخصية تُقدَّم باعتبارها فاعلاً في المجالين الإعلامي والسياسي. وفي رصد Brand Mentions، ظهرت مواد سبقت انتشار الصورة تتناول نفوذه الإعلامي وعلاقته بمورغان أورتاغوس والنقاش المتعلق بإسرائيل. وهذا يشير إلى أن الصورة لم تبدأ القصة من الصفر، بل جاءت في سياق كانت فيه شخصية الصحناوي حاضرة أصلاً في نقاشات سياسية وإعلامية أخرى. 

وهكذا اتسعت السردية تدريجياً: من صورة تجمع صحناوي بنتنياهو، إلى اتهامات بالتطبيع والتعامل مع إسرائيل، ثم إلى ملفات المصارف وأموال المودعين والنفوذ السياسي والإعلامي. هذا التداخل منح القصة أكثر من مدخل للتداول، وجعل الوسم جزءاً من نقاش أوسع يتجاوز الصورة التي أشعلته في البداية. 

 

المنصات الأخرى صنعت الجمهور الأكبر


يكشف الرصد الأوسع عبر Brand Mentions أن مركز الثقل لم يكن على منصة X وحدها. فمن أصل 89 مادة رصدها التحليل، توزعت المواد بين فيسبوك، والمواقع الإلكترونية، وBluesky، وإنستغرام، ويوتيوب، والمنصات الإخبارية، وX. وتصدر فيسبوك القائمة بـ29 مادة، تلاه النشر عبر المواقع بـ19 مادة، ثم Bluesky بـ12 مادة، بينما سجل كل من إنستغرام والمصادر الإخبارية 9 مواد، ويوتيوب 8 مواد. أما X، فلم يظهر في هذا الرصد إلا بثلاث مواد، رغم أن ملف التغريدات المنفصل وفر عينة أوسع وأكثر تفصيلًا لنشاط الوسم على المنصة. 



لكن أهمية هذه المنصات لا تتحدد بعدد المواد وحده، بل بحجم الجمهور الذي وصلت إليه بعض المنشورات والبرامج. ففي رصد Brand Mentions، حقق منشور Rachel Karam على فيسبوك، في 28 يوليو/تموز، حول "صورة ثانية" من العشاء، وصولًا تقديريًا بلغ 232,700، وتجاوز التفاعل معه 2,300 تفاعل.

وعلى يوتيوب، حقق فيديو "الجديد" بعنوان "هادي حبيش: الدولة جلست مع إسرائيل.. ولم أستغرب صورة أنطون الصحناوي" وصولاً تقديرياً بلغ 200,531. كما حقق فيديو OTV الذي تناول الادعاءات المتعلقة بالصحناوي وصولاً تقديرياً بلغ 142,198.

تغيّر هذه الأرقام زاوية قراءة القصة. فالوسم على X كان نقطة انطلاق صغيرة ومركزة، لكنه لم يكن المصدر الوحيد للانتشار. فبمجرد انتقال القصة إلى صفحات فيسبوك وحسابات إعلامية وبرامج سياسية، أصبحت أمام جمهور أوسع، وأعيد تقديمها ضمن أطر وسرديات مختلفة. وهكذا تحركت القصة عبر أكثر من طبقة رقمية: وسم تعبوي على X، وصفحات ذات وصول أكبر على فيسبوك، وتغطيات وبرامج على يوتيوب، ومواقع إخبارية وسياسية أعادت إدخالها إلى النقاش العام. 



ما الذي تقوله البيانات؟

تقول البيانات إن وسم "#الصحناوي_عدو_لبنان" كان محدود الحجم، لكنه اتسم بنشاط مركز خلال فترة زمنية قصيرة. فمن أصل 38 تغريدة في عينة X، نُشرت 27 تغريدة في يوم واحد، وظهرت دفعات مكثفة خلال الساعات الأولى، كان لبعض الحسابات تأثير أكبر في الوصول والتفاعل من حسابات أخرى. كما ظهرت منشورات اكتفت بتكرار الوسم، إلى جانب صيغ نصية متطابقة أو متقاربة بين حسابات مختلفة. 

وفي الوقت نفسه، لم تتوقف القصة عند حدود الوسم على X. فقد أظهر رصد Brand Mentions انتشارها عبر فيسبوك، والمواقع الإلكترونية، وBluesky، وإنستغرام، ويوتيوب، ومصادر إخبارية، حيث أعيد تقديمها ضمن سرديات أوسع ربطت بين صورة الصحناوي مع نتنياهو وملفات التواصل مع إسرائيل والمصارف والنفوذ السياسي والإعلامي.

وتكشف الحالة، بذلك، أن أهمية الوسم لا ترتبط بحجمه وحده، بل بالمسار الذي اتخذته القصة بعد ظهوره. فقد بدأت من صورة أثارت ردود فعل وانتقادات، ثم ظهرت حولها دفعة رقمية قصيرة ومركزة على X، قبل أن تنتقل إلى منصات أخرى وتصل إلى جماهير أكبر من خلال منشورات وبرامج وتغطيات مختلفة.

الصورة كانت نقطة البداية، والوسم جمع الخطاب حولها، ثم ساهم انتقال القصة بين المنصات في توسيع نطاقها. وهذه هي النقطة الأبرز التي تكشفها البيانات: وسم صغير يمكن أن يصبح جزءاً من قضية سياسية أوسع، ليس بسبب حجم المنشورات المرتبطة به وحده، وإنما بسبب الطريقة التي تتحرك بها القصة بين الحسابات والمنصات والسرديات المختلفة.



 إعداد: شريف مراد