إعداد: شريف مراد
لم تكن الحملة التي استهدفت نجيب ساويرس تحت وسمَي #نجيب_ساويرس_التافه و#نجيب_ساويرس_ميكي_ماوس مجرد موجة عابرة من الشتائم ضد رجل أعمال مثير للجدل. فبيانات الرصد تكشف مساراً أكثر تعقيداً: هجوم شخصي في البداية، ثم استدعاء أرشيف قديم قابل لإعادة الشحن سياسياً ودينياً، قبل أن يدخل الوسمان في موجة من التدوير والحشو، وصلت في بعض الحالات إلى منشورات لا علاقة مباشرة لها بالهجوم على ساويرس.

وبذلك، لم يعد الوسمان مجرد تعبير عن موقف من ساويرس، بل تحولا إلى أدوات لإعادة إنتاج صورة سلبية عنه، عبر الإهانة والسخرية واستدعاء مواقف وأحداث قديمة، ثم إبقاء هذه الصورة حاضرة في التداول الرقمي.
وبحسب بيانات Brand Mentions، حقق رصد الوسمين أرقاماً واسعة من الوصول والتفاعل، بينها نحو 37.3 مليون تفاعل، و793.6 مليون وصول، و35.8 مليون مشاهدة في العينة المتاحة. لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة منهجية حذرة؛ فالأداة تعطي صورة عن حجم الضجيج المرتبط بالوسمين، بينما يعاني تصدير المنشورات التفصيلية، خصوصاً من منصة X، من نقص واضح بسبب مشكلات السحب التي واجهتها الأداة مؤخراً.
لذلك، لا يمكن التعامل مع قائمة المنشورات التي أمكن سحبها باعتبارها كامل الحملة، وإنما باعتبارها عينة تساعد على فهم الخطاب المتداول وأنماط استخدام الوسمين.
لكن السؤال الأهم هنا ليس فقط: كم بلغ حجم الضجيج حول الوسمين؟ بل: ممَّ تكوّن هذا الضجيج أصلًا؟ وهل تعكس الأرقام الضخمة حجم الهجوم على ساويرس، أم أن جزءًا منها نتج عن إعادة تدوير الوسوم وحشرها في محتوى لا يرتبط مباشرة بالحملة؟
وهنا يبدأ تفكيك الحملة، من الوسمين نفسيهما، إلى طبيعة الخطاب الذي حملته المنشورات، ثم الحسابات والمواد التي ساهمت في تضخيم حضورهما على المنصات.

اختيار الوسمين لم يكن عشوائياً. فوسم #نجيب_ساويرس_التافه يستهدف المكانة الشخصية قبل مناقشة الموقف السياسي. فهو لا يناقش ما قاله ساويرس ولا يرد على حجته، بل يختصره في صفة إهانة، ويحوّل رجل الأعمال، بما يمثله من ثروة ونفوذ وحضور عام، إلى موضوع للسخرية والتقليل من شأنه. بهذا المعنى، لا يبدو الوسم مصمماً للإقناع بقدر ما يستهدف إضعاف الصورة الرمزية للشخص المستهدف.

أما وسم #نجيب_ساويرس_ميكي_ماوس، فيستدعي واقعة أقدم ارتبطت باسم ساويرس، ويعيد إدخالها إلى النقاش الحالي بوصفها مادة للسخرية والهجوم. وهنا تنتقل الحملة من مهاجمة موقف آني إلى إعادة تدوير واقعة من أرشيف الشخصية العامة، بما يمنح الهجوم شحنة إضافية تتجاوز الخلاف القائم لحظة ظهور الوسمين.
بهذا المعنى، لم يُبنَ الهجوم على ساويرس على موقف واحد، بل على إعادة تركيب صورة سلبية متعددة العناصر: رجل أعمال ثري، ومسيحي، وليبرالي، وشخصية عامة تنتقد أحيانًا بعض ملامح المشهد الاقتصادي والسياسي أو تسخر من الإعلام المؤيد للدولة. وفي منشورات أخرى، جرى ربطه بجماعة الإخوان المسلمين أو وصفه بأنه يردد خطابها.
ويبدو وصف ساويرس بأنه «إخواني» متناقضاً مع مواقفه السياسية المعلنة بعد عام 2011، ما يكشف كيف تحولت التهمة في سياق الحملة من توصيف سياسي محدد إلى أداة عامة للتخوين. وفي هذا النوع من الخطاب، لا يبدو استخدام وصف «إخواني» مرتبطاً دائماً بتوصيف أيديولوجي دقيق، بل يتحول أحياناً إلى أداة للهجوم على شخصيات يُنظر إليها باعتبارها خرجت عن خطاب الاصطفاف السائد.


عند تفكيك البيانات، تظهر داخل الحملة طبقات مختلفة من النشاط، ومن المهم عدم التعامل معها باعتبارها نمطاً واحداً. الطبقة الأولى هي النواة الهجومية المباشرة: حسابات تنشر ضد ساويرس صراحة، وتستخدم أحد الوسمين أو كليهما، وتربط الهجوم بلغة التخوين والسخرية، أو تستدعي أزمة «ميكي ماوس». وفي الجداول التفصيلية ظهرت حسابات مثل @anani97617 و@omarbibo971027 و@mhmdelnagar9 و@CimaAliBabaa و@Samestory307 و@Dark_Star054 و@ra2iNews و@coh_abeer51 ضمن مواد الحملة أو ذيلها. وقدّم بعضها خطاباً هجومياً مباشراً، بينما بدا بعضها الآخر أقرب إلى تدوير الوسوم في قوائم أو منشورات منخفضة التفاعل.
أما الطبقة الثانية، فهي الضوضاء التي تظهر داخل نتائج الرصد: محتوى قديم أو محايد عن ساويرس، خصوصاً على تيك توك، التقطته الأداة لأنه يتضمن اسمه أو ظهر ضمن نتائج البحث بالكلمة المفتاحية، وليس بالضرورة لأنه جزء من الحملة الهجومية. وهذه الطبقة مهمة منهجياً؛ لأنها تحول دون اعتبار كل رقم يظهر في الرصد دليلاً مباشراً على حجم الهجوم. وفي الوقت نفسه، لا يلغي وجودها الحملة، بل يوضح أن قياس حملات الوسوم يتطلب الفصل بين حجم الضجيج الذي ترصده الأداة وحجم الخطاب السياسي الصريح المرتبط بها.
وتكشف هذه الطبقات أن الرقم الإجمالي الذي تعرضه أدوات الرصد لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة المواد التي يتضمنها. فوجود محتوى محايد أو غير مرتبط مباشرة بالهجوم داخل النتائج قد يرفع حجم الرصد، لكنه لا يعني بالضرورة ارتفاع حجم الخطاب المعادي لساويرس بالقدر نفسه. ومن هنا تصبح قراءة العينة وتفكيك مكوناتها ضرورية لفهم ما الذي شكل الحملة فعلاً.


ما يميز هذه الحملة أنها لم تكن بحاجة إلى سردية سياسية معقدة أو خطاب متماسك حتى تحافظ على حضور الوسمين. يكفي وسمان مشحونان، ثم تبدأ ماكينة التكرار. في القلب تظهر الرسالة الأساسية: ساويرس «تافه»، وساويرس هو صاحب «ميكي ماوس». وعلى أطرافها تظهر قوائم كلمات، ومنشورات عن موضوعات أخرى، وأخبار لا علاقة لها بالقضية، وروابط وصور ومواد تجارية تحشر الوسم داخلها. هذه الفوضى لا تعني بالضرورة أن الحملة فقدت هدفها؛ بل تكشف إحدى آليات انتشار الوسوم، إذ يتحول الوسم من أداة للهجوم إلى عنصر قابل لإعادة الاستخدام داخل محتوى متنوع، بما يخلق انطباعاً باستمرار حضوره وتوسعه.

وبين 9 و11 آب/ أغسطس، ظهرت منشورات منخفضة التفاعل تحشر الوسمين في سياقات بعيدة تماماً عن القضية، بينها خبر عن بشار الأسد، ورابط لكتاب، وقوائم كلمات، ومواد لا تحمل موقفاً واضحاً من ساويرس. ولا تثبت هذه المنشورات وحدها أن ناشريها كانوا جزءاً واعياً من حملة منظمة، لكنها تكشف كيف يمكن للوسم، بعد ذروة انتشاره، أن يتحول من أداة هجوم إلى جسم ترندي قابل للنسخ والتدوير. وفي هذه المرحلة، لا يعود الهدف بالضرورة هو بناء حجة جديدة ضد ساويرس، بقدر ما يصبح إبقاء اسمه مقترناً بالإهانة حاضراً في التداول.

القصة هنا لا تتعلق بنجيب ساويرس وحده. فهو ليس معارضاً جذرياً للنظام، ولا يمثل تهديداً سياسياً مباشراً بالمعنى التقليدي. لكنه شخصية عامة تملك مساحة للكلام وموارد ونفوذاً رمزياً، وقد يتحدث أحياناً بنبرة لا تتطابق تماماً مع خطاب الإعلام الموالي. لذلك يصبح الهجوم عليه كاشفاً لحدود الكلام داخل المجال العام المصري: حتى الشخصيات التي تنتمي إلى البيئة الاجتماعية والاقتصادية القائمة يمكن أن تتعرض لحملة هجوم إذا خرجت عن نبرة الاصطفاف السائدة.

هذا النوع من الحملات لا يستهدف بالضرورة تغيير موقف ساويرس وحده، بل يمكن أن يؤدي أيضاً وظيفة أوسع تتمثل في إرسال رسالة إلى شخصيات عامة أخرى: لا أحد محصن تماماً من الهجوم، ولا أحد يملك حصانة كاملة من ماكينة التشويه. وحين يُستدعى أرشيف «ميكي ماوس» بعد نحو خمسة عشر عاماً، فإن ذلك يوضح كيف يمكن للذاكرة الرقمية أن تتحول إلى مستودع اتهامات جاهزة لإعادة الاستخدام، كلما احتاجت حملة ما إلى شحنة أخلاقية أو دينية أو طائفية.
لذلك، تبدو حملة الوسمين مثالاً على طريقة عمل حملات الهجوم الرقمي في مصر: ليست كل الحسابات مركزية، وليست كل المنشورات سياسية، وليست كل الأرقام دليلاً صلباً على هجوم مباشر. لكن النمط العام واضح: إهانة في المركز، وتخوين في الخلفية، وأرشيف قديم يُعاد إلى التداول، ثم ضجيج ممتد عبر وسوم تُحشر في سياقات مختلفة. وهكذا يتحول الخلاف مع شخصية عامة من نقاش حول موقف أو تصريح إلى مشهد هجوم مفتوح، لا يكتفي بالرد على الرأي، بل يحاول إعادة تعريف صاحبه أمام الجمهور.
تكشف حملة الوسمين ضد نجيب ساويرس أن الضجيج الرقمي لا يُقاس فقط بحجم الأرقام التي تظهرها أدوات الرصد، ولا بعدد المنشورات التي تحمل الوسم. فخلف الأرقام الكبيرة، ظهرت طبقات مختلفة من النشاط؛ من الهجوم المباشر والتخوين، إلى إعادة تدوير محتوى قديم، ثم حشر الوسوم في منشورات بعيدة عن القضية، بما ساهم في إبقاء اسم ساويرس مرتبطًا بالوسمين وتوسيع حضورهما في التداول.
وفي الوقت نفسه، لا تسمح البيانات المتاحة بالقول إن جميع الحسابات التي استخدمت الوسمين كانت جزءاً من عملية منسقة واحدة، كما لا يمكن اعتبار كل مادة ظهرت في نتائج الرصد دليلاً مباشراً على الحملة. لكن تحليل المحتوى يكشف نمطاً واضحاً: وسمان يحملان إهانة مباشرة، وأرشيف قديم يعاد استخدامه، وحسابات تعيد تدوير الرسائل، وضوضاء رقمية تساعد على تحويل الهجوم إلى موضوع ترندي.
وهنا تكمن أهمية الحالة؛ فالحملة لم تكن بحاجة إلى خطاب متماسك أو حجج جديدة حتى تحقق حضوراً واسعاً. كان يكفي أن تتكرر الإهانة، وأن يُستدعى ما يكفي من الاتهامات القديمة، وأن ينتقل الوسم من منشور إلى آخر، حتى يتحول الخلاف حول شخصية عامة إلى موجة رقمية تتجاوز مناقشة مواقفه إلى محاولة التأثير في صورته أمام الجمهور.
إعداد: شريف مراد