مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

من أزمة سبتة إلى #المغرب_أضحوكة_العالم.. كيف تحول الخلاف المغربي الجزائري إلى خطاب كراهية رقمي؟

من أزمة سبتة إلى #المغرب_أضحوكة_العالم.. كيف تحول الخلاف المغربي الجزائري إلى خطاب كراهية رقمي؟

بين مساء الخميس 30 تمور/ يوليو وصباح 31 تموز/ يوليو، شهدت مدينة سبتة، الواقعة تحت السيادة الإسبانية والمتصلة برياً بالأراضي المغربية، أكبر موجة عبور جماعي في تاريخها، بعدما أعلنت السلطات الإسبانية وصول نحو 50 ألف مهاجر خلال أقل من 24 ساعة، قبل أن تعلن لاحقاً إعادة أكثر من 48,300 منهم إلى المغرب. 

وقدرت مصادر أخرى العدد بنحو 60 ألفاً، أي ما يعادل نحو 70% من سكان سبتة، فيما خلفت الموجة مأساة إنسانية للمهاجرين وأزمة سياسية وأمنية للحكومة الإسبانية. ووصف خوان خيسوس، رئيس حكومة سبتة، ما جرى بأنه «حالة طوارئ إنسانية»، بينما أفادت وكالة الأنباء الإسبانية باستدعاء الجيش لمساندة قوات إنفاذ القانون.

في المقابل، فسرت السلطات المغربية ما حدث، على لسان مسؤول مغربي، باتهام إسبانيا بتجاهل تحذيرات مغربية سابقة من تداعيات قرار قضائي يتعلق بترحيل المهاجرين، معتبراً أن القرار أسهم في موجة العبور الجماعي نحو سبتة. وكانت المحكمة العليا الإسبانية قد أصدرت مطلع تموز/يوليو حكماً يقضي بمنع إعادة المهاجرين الذين يُعترضون في البحر إلى المغرب دون استكمال إجراءات فردية لكل حالة، ما أدى إلى انتشار الخبر بين شباب مغاربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتعزيز الاعتقاد بأن فرص الوصول إلى إسبانيا أصبحت أكبر.

لكن هذه الرواية لا تفسر وحدها ما حدث. فقد شهدت سبتة محاولات عبور جماعي سابقة ارتبط بعضها أيضاً بحملات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. ففي 15 أيلول/سبتمبر 2024، تدفق مئات الأشخاص نحو حدود سبتة فيما عُرف بـ«ليلة الهروب الكبير»، عقب حملة على مواقع التواصل الاجتماعي دعت إلى الهجرة، إلا أن محاولات الوصول سباحة أو عبر اجتياز السياج الفاصل حول المدينة باءت بالفشل، بعدما اصطدمت بانتشار أمني كثيف.

وفي أيار/مايو 2021، عبر نحو 8 آلاف مهاجر سباحة إلى سبتة، على خلفية أزمة بين الحكومتين المغربية والإسبانية، بعدما استضافت الحكومة الإسبانية زعيم جبهة البوليساريو للعلاج. ووصفت إسبانيا حينها ما جرى بأنه «أزمة خطيرة على إسبانيا وأوروبا».

وبالتزامن مع الأزمة الإنسانية والسياسية الأخيرة، انتقلت أحداث سبتة إلى مساحة أخرى على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ظهر خطاب كراهية يتشفى في المهاجرين المغاربة ويسخر من الظروف الاقتصادية والسياسية التي دفعت عشرات الآلاف منهم إلى البحث عن فرص أفضل للحياة في إسبانيا. وقادت حسابات تنشط من الجزائر موجة عبر وسم #المغرب_أضحوكة_العالم، بينما ردت حسابات مغربية باتهام الجزائر بتدبير مؤامرة ضد المغرب، مستخدمة وسم #الجزائر_الفرنسية.

 

#المغرب_أضحوكة_العالم تضخيم بالملايين

مع بداية عبور المهاجرين المغاربة  سياج مدينة سبتة، ليلة 29 تموز/ يوليو، بدأ وسم #المغرب_أضحوكة_العالم في الانتشار بوتيرة متسارعة، حتى بلغ عدد المنشورات المستخدمة له ذروته. لكن هذا النشاط لم يكن مصحوباً في البداية بانتشار مماثل، قبل أن يتغير المشهد سريعاً مع تصاعد الأزمة وتداول مشاهد اجتياز السياج. 


وبحلول 31 تموز/يوليو، بلغت مشاهدات المنشورات ذروتها، بالتزامن مع انتشار واسع لمقاطع وصور المهاجرين أثناء محاولات العبور، رغم تراجع عدد المنشورات المستخدمة للوسم. ويشير هذا التباين بين حجم النشر وحجم الوصول إلى أن انتشار المحتوى لم يكن مرتبطاً بعدد المنشورات وحده، وإنما بقدرة بعض المنشورات على الوصول إلى جمهور أكبر.

ورغم عدم توفر أرقام دقيقة لعدد منشورات الوسم على منصة «إكس»، أظهرت التحليلات أن المنشورات حققت أكثر من 35 ألف تفاعل خلال أقل من أسبوعين، فيما بلغ إجمالي الوصول التقديري نحو 3.2 مليون مرة.


وعلى مستوى مضمون المنشورات، سيطرت المشاعر السلبية على الجزء الأكبر من المحتوى، وظهرت لغة تشفٍّ وسخرية من المغرب، من بينها وصفه بـ«الزريبة»، إلى جانب خطاب كراهية استهدف المغاربة، ولا سيما المهاجرين الذين حاولوا الوصول إلى سبتة بحثاً عن فرص أفضل للحياة.


ورغم أن كثيراً من الحسابات المشاركة في الحملة لا تتيح بيانات دقيقة عن مواقعها الجغرافية، أظهرت التحليلات أن أبرز الحسابات نشاطاً كانت مرتبطة بالجزائر، إلى جانب حسابات تنشط من فرنسا وهولندا، حيث توجد جاليات جزائرية كبيرة. ويعطي هذا التوزيع مؤشراً على الطابع العابر للحدود لهذا الخطاب الرقمي، قبل الانتقال إلى فحص الحسابات الأكثر نشاطاً وطبيعة المحتوى الذي نشرته.



حسابات جزائرية تقود حملة كراهية ضد المغاربة

أظهر البحث أن الحملة قادتها حسابات جزائرية، إلا أن عدداً من الحسابات الأكثر نشاطاً بدا حديث النشأة أو اتسم بخصائص الحسابات غير الشخصية. ومن أبرزها حساب @MouloudiaDZ3، الذي تصدر الحسابات المشاركة في نشر وسم #المغرب_أضحوكة_العالم، واستخدم خطاباً يتضمن السخرية والتشفي من المغاربة، من بينها نشر مقطع مصور يشبّه المغاربة بالقرود. ويعرّف الحساب نفسه بأنه «حساب للدفاع عن الجزائر ونشر تراثها دون مجاملة».


الحساب أُنشئ عام 2022، ولا يضع صورة شخصية حقيقية، كما لا يستخدم اسماً حقيقياً في معرّف الحساب. وأظهرت بيانات الحساب أن نشاطه مرتبط بالولايات المتحدة، رغم تقديمه نفسه بوصفه حساباً للدفاع عن الجزائر. وتشير هذه الخصائص، إلى جانب طبيعة المحتوى المنشور، إلى حساب غير شخصي يركز نشاطه على الدعاية السياسية ومهاجمة المغرب.



وبينما ركز حساب @MouloudiaDZ3 على نشر وسم #المغرب_أضحوكة_العالم، استخدم حساب آخر، @Okba58، وسماً أكثر حدة هو #المغرب_بلد_الدعارة، موظفاً إياه في مهاجمة المغاربة وتعميم أوصاف مرتبطة بالانحراف والأعمال المنافية للآداب على الشعب المغربي.



وحساب @Okba58 حديث النشأة أيضاً، أُنشئ عام 2022، ولا يضع صورة شخصية حقيقية، وينشط من الجزائر.



وعلى النمط نفسه، شارك حساب @AmelA7381522387 في الحملة، وأعاد نشر مقطع من فيلم World War Z، كان إيلون ماسك قد شاركه على حسابه، وشبّه فيه المهاجرين المغاربة بالموتى الأحياء الذين هاجموا المدن في الفيلم.



وبفحص الحساب، تبين أنه حساب جزائري غير شخصي أيضاً، حديث النشأة، ولا يضع صورة حقيقية، كما يستخدم أرقاماً عشوائية في اسم المستخدم. ويكشف هذا النمط أن خطاب الكراهية لم يظهر فقط في محتوى المنشورات، بل تكرر أيضاً عبر حسابات تحمل خصائص متشابهة في طريقة تقديم نفسها ونشاطها.



حسابات مغربية بادلت خطاب الكراهية بكراهية

على الجانب الآخر، ردت حسابات مغربية على الحملة باستخدام وسمَي #الجزائر_الفرنسية و#بني_كرغل، لتنتقل المواجهة الرقمية من السخرية من المغاربة إلى خطاب كراهية مضاد استهدف الجزائريين. وتضمنت المنشورات مشاعر الغضب والكراهية نفسها، إلى جانب تشبيهات مهينة مرتبطة بالقرود والرذيلة والانحراف الأخلاقي.



ثم تطور الخطاب على الجانب المغربي من الرد على الحملة إلى تبني رواية تتحدث عن مؤامرة جزائرية تستهدف المغرب. ولم تقتصر هذه الاتهامات على الحسابات غير الشخصية، بل ظهرت أيضاً في وسائل إعلام مغربية؛ إذ عنونت جريدة «الأحداث المغربية» صفحتها الأولى بعبارة: «أحداث سبتة المحتلة.. مؤامرة الدولة الجزائرية»، قبل أن تعيد حسابات على منصات التواصل تداول الاتهام نفسه دون تقديم أدلة عليه، بينما ذهبت حسابات أخرى إلى الدعوة إلى رد الهجوم الرقمي «الصاع صاعين».




وامتدت نظرية المؤامرة التي تبنتها بعض الحسابات إلى تصوير دول عدة باعتبارها أطرافاً معادية للمغرب وتشن حرباً شاملة على الرباط. وفي مقدمة هذه الدول الجزائر، التي اتهمها مروجو هذه الرواية بدفع المغاربة إلى اقتحام سبتة.



وهكذا، لم يقتصر التفاعل الرقمي مع أزمة سبتة على حملة كراهية استهدفت المغاربة من حسابات جزائرية، بل تحول سريعاً إلى مواجهة رقمية متبادلة، أعادت فيها حسابات من الجانبين إنتاج خطاب قائم على التعميم والإهانة والاتهامات المتبادلة. ويكشف هذا المسار كيف يمكن لأزمة إنسانية وسياسية أن تتحول، على المنصات، إلى ساحة جديدة للصراع بين بلدين متجاورين.

 

في النهاية، تكشف أزمة سبتة أن ما بدأ كأزمة إنسانية وسياسية سرعان ما وجد طريقه إلى المنصات بوصفه مادة لصراع رقمي متبادل. فمن جهة، استخدمت حسابات جزائرية وسوماً ومحتوى ساخراً ومهيناً ضد المغاربة، ومن جهة أخرى ردت حسابات مغربية بخطاب مشابه، مضيفة إليه اتهامات بالمؤامرة وتدبير الأزمة.

وبينما اختلفت الروايات التي تبنتها الحسابات من الجانبين، تشابهت آليات الخطاب: التعميم، والسخرية، ونزع الإنسانية عن الطرف الآخر، وتحويل أزمة معقدة إلى مواجهة بين شعبين.

وهكذا، لم تعد أزمة سبتة على المنصات مجرد نقاش حول الهجرة أو مسؤولية الحكومات عن الأزمة، بل تحولت إلى مساحة لإعادة إنتاج خطاب الكراهية المتبادل، ساهمت فيه حسابات غير شخصية وحسابات أخرى ذات طابع إعلامي، لتتسع الفجوة بين النقاش حول أسباب الأزمة وبين الطريقة التي جرى بها تصوير أطرافها على منصات التواصل.

 

 إعداد: إبراهيم هلال