مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

حساب واحد صنع ثلثي التفاعل.. كيف تحولت «اتفاقية مكة» إلى موجة تعبئة على المنصات؟

حساب واحد صنع ثلثي التفاعل.. كيف تحولت «اتفاقية مكة» إلى موجة تعبئة على المنصات؟

في الساعات الأولى من صباح 9 آب/أغسطس، نشر حساب سعودي على تيك توك يحمل اسم «استكنان تبوك» مقطعاً قصيراً بعنوان: «اتفاق مكة أثار انزعاج وغضب دولتين في المنطقة». لم يسمّ المقطع الدولتين، ولم يحتج إلى شرح طويل للاتفاق أو بنوده، لكن سرعان ما أصبح أكثر المواد انتشاراً في عينة رصد وسم #اتفاقيه_مكه_للدفاع_المشترك، محققاً نحو 299 ألف تفاعل وأكثر من 294 ألف مشاهدة مسجلة.


ولم يكن ذلك نجاحاً عابراً للحساب. فعلى مدار ثلاثة أيام، نشر «استكنان تبوك» 15 مادة عن الاتفاقية، جمعت وحدها أكثر من 808 آلاف تفاعل، أي نحو 69% من إجمالي التفاعل في المواد المرتبطة بالحملة بعد تنظيف نتائج الرصد. وبينما ظهر الوسم في مئات المنشورات وعلى عدة منصات، تكشف البيانات أن الجزء الأكبر من التفاعل تركز بصورة استثنائية في تيك توك، وفي عدد محدود من الحسابات التي دفعت منشوراتها إلى عشرات ومئات الآلاف من التفاعلات. 

بدأت القصة في 7 آب /أغسطس كخبر عن توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك». ينص البيان المشترك على تعزيز الردع الجماعي، وعلى اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً. لكن خلال ساعات قليلة، بدأت المنصات تضيف إلى النص الرسمي طبقات أخرى من المعنى: مكة والحرم و«الأمة الإسلامية»، ثم محمد بن سلمان بوصفه «زعيم الشرق الأوسط»، ثم السعودية وتركيا وباكستان باعتبارها مزيجاً من القوة الاقتصادية والعسكرية والنووية، قبل أن تبدأ قوالب متشابهة في الدوران بين حسابات مختلفة.

يظهر تحليل 284 مادة جمعتها أداة "Brand Mentions" بين 7 و9 آب/أغسطس، إلى جانب عينة من أبرز المنشورات على منصة X جمعها Grok، أن ما نشأ حول الاتفاقية كان أقرب إلى تعبئة رقمية شديدة المركزية: خليط من التغطية الإخبارية والاحتفاء القومي والرمزية الإسلامية وإعادة تدوير المحتوى بين حسابات متعددة. ولا تثبت البيانات المتاحة وجود شبكة حسابات تعمل بتنسيق مركزي، لكنها تكشف بوضوح كيف تحولت اتفاقية دفاعية، في المجال الرقمي، إلى قصة أوسع عن القوة والقيادة والخصوم.

 

«أي اعتداء على واحدة».. الجملة التي اختصرت الاتفاق

بدأت المواد الأولى التي التقطها الرصد صباح 7 آب/ أغسطس بصورة تقليدية: أخبار عن وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، واللقاءات المرتقبة، وتوقيع الاتفاقية. وفي نحو السابعة صباحاً ظهرت صياغات تتحدث عن «الروابط التاريخية الراسخة» و«أواصر التضامن الإسلامي» و«المصالح الاستراتيجية المشتركة».

لكن العبارة الأكثر قابلية للانتشار لم تكن واحدة من تلك التعبيرات الدبلوماسية. سرعان ما بدأت الحسابات في إبراز البند الأبسط والأقوى في الاتفاق: «أي هجوم مسلح على أي دولة يعد هجوماً على الدول الثلاث جميعها».

كانت هذه هي نقطة التحول الأولى. فبدلاً اتفاق يحتوي على هياكل للتعاون والتنسيق والردع، أصبح لدى المنصات شعار يمكن فهمه في ثوانٍ: من يهاجم السعودية أو تركيا أو باكستان سيواجه الدول الثلاث.

 

وهو تبسيط قريب من جوهر بند الدفاع المشترك نفسه؛ بل إن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وصفه لاحقاً بأنه مماثل «تقنياً» للمادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، مع اختلاف ضخم بطبيعة الحال بين مؤسسات الناتو وتحالف الدول الثلاث الناشئ.

لكن الخطاب لم يتوقف عند تبسيط الاتفاق. بعد دقائق من ظهور هذا الإطار بدأت مكة تدخل في القصة نفسها.

ظهر منشور يصف الاتفاق بأنه خرج «من رحاب مكة المكرمة رمز وقبلة المسلمين»، ثم مواد تتحدث عن «جوار الحرم المكي الشريف». وبعد ذلك أصبح المشاركون «ثلاثًا من أقوى الدول الإسلامية»، وتحولت الاتفاقية في منشورات أخرى إلى مصدر «قوة ووحدة وتضامن، وفخر وأمان لكل المسلمين».

لم تعد مكة، بهذا المعنى، مجرد المدينة التي استضافت التوقيع. أصبحت جزءاً من الرسالة.

ووجد هذا الإطار امتدادًا أقوى على منصة X. ففي عينة لأبرز المنشورات، حقق حساب فهد العنقري نحو 1.125 مليون مشاهدة لمنشور يدعو بالبركة لـ«اتفاقية مكة»، بينما جمع منشور لحساب «كولومبوس» عن أداء القادة صلاة الجمعة في المسجد الحرام نحو 530 ألف مشاهدة.

جاء الاحتفاء الرسمي نفسه ليعزز هذه الصورة البصرية. فقد أضيئت معالم وأبراج في مدن سعودية بأعلام الدول الثلاث احتفالاً بالاتفاق، وهي مشاهد نشرتها أيضاً وكالة الأنباء السعودية. وعلى المنصات، تحولت الأعلام الثلاثة إلى عنصر ثابت تقريباً في المحتوى: أبراج مضاءة، صور للقادة، الصلاة في الحرم، ثم أغانٍ تركية وباكستانية تحتفي بالاتفاق.

وهكذا، خلال ساعات، انتقلت القصة من «ثلاث دول وقعت اتفاقاً دفاعياً» إلى «ثلاث قوى إسلامية اجتمعت في مكة».

 

من «مكة» إلى «زعيم الشرق الأوسط»

مع توسع الاحتفاء، بدأ مركز الثقل يتحرك مرة أخرى. فبدلاً من ظهور محمد بن سلمان بوصفه واحداً من ثلاثة قادة وقعوا الاتفاق، راحت حسابات سعودية تعيد تقديم الحدث باعتباره دليلاً على قيادته وصعود مكانة المملكة.

ظهرت عبارات مثل «نباهي بك العالم»، و«قائد السلام»، و«الله يطول عمرك يا أبوسلمان»، فيما برز بصورة متكررة وصف «زعيم الشرق الأوسط».

واحدة من أوضح الحالات جاءت من حساب jaberamer2023 على تيك توك، الذي نشر في 8 آب/ أغسطس مقطعاً بدأ بعبارة: «وقع زعيم الشرق الأوسط سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.. الاتفاق التاريخي بين الـ3 دول الأقوى بالشرق الأوسط».

ثم فسر الحساب معنى الاتفاق بطريقته: مستعرضاً عناصر القوة التي رأى أنها تجمع الدول الثلاث «قوة نووية»، و«أقوى الاقتصادات»، و«جيوش من الأقوى عالمياً»، و«ثقل سياسي ونفوذ دبلوماسي»، و«نفوذ تجاري ولوجستي». وحقق المنشور نحو 67 ألف تفاعل وقرابة 65 ألف مشاهدة مسجلة.

وعلى منصة X، ظهر النمط نفسه لدى عبدالعزيز أحمد بغلف، إذ حقق منشور يبدأ بعبارة «لله درك ما أعظمك سيدي» نحو 672 ألف مشاهدة.

لم يعد الاتفاق، هنا، مجرد حاصل جمع ثلاث دول. ففي جزء من المحتوى، صار برهاناً على قيادة سعودية قادرة على جمع قوتين عسكريتين كبيرتين حول الرياض.

وبذلك لم تكتفِ المنشورات بتقديم الدول الثلاث باعتبارها أطرافاً في اتفاق دفاعي واحد، بل بدأت في توزيع عناصر القوة بينها: السعودية بوصفها قوة سياسية واقتصادية، وتركيا بوصفها قوة عسكرية وصناعية، وباكستان بما تمتلكه من قوة بشرية وقدرات نووية. وبهذا التصوير، اكتسبت الاتفاقية في الخطاب الرقمي معنى يتجاوز بنودها الدفاعية إلى إبراز ما يمكن أن تضيفه كل دولة إلى القوة المشتركة.



وفي الوقت نفسه، بدأت صورة أخرى تترسخ: لكل واحدة من الدول الثلاث وظيفة داخل التحالف الجديد.

السعودية هي القوة السياسية والاقتصادية، تركيا القوة العسكرية والصناعية، وباكستان القوة البشرية والنووية.

ظهرت تعبيرات مثل «أقوى ثلاث دول إسلامية» و«أكبر تحالف إسلامي»، بينما قدّم حساب jaber amer 2023 هذه المعادلة ببساطة أكبر: اقتصاد ونفوذ سعودي، صناعة وجيش تركي، وقنبلة نووية باكستانية.

وهنا ظهرت مفارقة لافتة بين ما كانت تصنعه المنصات وما حاول المسؤولون تثبيته رسمياً. ففي اليوم نفسه الذي كانت فيه حسابات تتحدث عن «تحالف إسلامي» والقوة النووية الباكستانية، نقلت وسائل إعلام عن وكيل وزارة الخارجية السعودية تأكيده أن الاتفاقية لا تمثل توجهاً لإنشاء «محور عسكري أو تكتل طائفي مذهبي»، وأنها ليست مرتبطة بمساع نووية أو سباق تسلح.

ولم يضع المسؤولون دولة بعينها في موقع العدو أيضاً. ففي اليوم التالي، قال فيدان صراحة إن الاتفاق ليس موجهاً ضد إيران أو أي دولة أخرى، وإن الدول الثلاث لا تحدد خصماً مشتركاً ما لم تتعرض إحداها للهجوم.

كان الخطاب الرقمي، مع ذلك، أكثر حرية في ملء المساحات التي تركها النص الرسمي: إذا اجتمعت السعودية وتركيا وباكستان، فمن الذي تخشاه هذه القوة؟ ومن يخشاها؟



أغنية واحدة وستة حسابات.. كيف دارت القوالب؟

ليس كل ما انتشر حول الاتفاقية اتخذ شكلاً سياسياً مباشراً.  بعض المحتوى الأكثر نجاحاً جاء في صورة احتفالية، اعتمد على الموسيقى والصور والعبارات القصيرة القابلة لإعادة الاستخدام.

في مساء 7 آب/ أغسطس، ظهر على تيك توك مقطع للمغني التركي مصطفى أكيف، مصحوباً بعبارة: «المغني التركي مصطفى أكيف يغني أغنية عن اتفاقية الدفاع المشترك في مكة المكرمة»، وانتهى التعليق بكلمة «فخاااامة» ورموز النار والانبهار.

خلال الساعات التالية ظهر النص نفسه، أو نسخة شبه مطابقة منه، على ستة حسابات مختلفة: mshal_9، ثم hodaayxpqz5، وksa_jeddah_، و6w2222، وm_b_123msh، وصولاً إلى aadr 47.

وجمعت النسخ الست معاً نحو 83 ألف تفاعل. وكانت النسخة الأكثر نجاحاً لدى حساب «جــــدة» ksa jeddah، بأكثر من 49 ألف تفاعل.

لم تكن الأغنية حالة وحيدة.

فأهمية هذه القوالب لا ترتبط بمجرد تكرار نص أو فيديو، وإنما بقدرتها على نقل الرسالة نفسها بين حسابات مختلفة وبأشكال متقاربة، بحيث لا تبقى الفكرة مرتبطة بالمنشور الأول أو بالحساب الذي نشرها، بل تصبح مادة جاهزة لإعادة التداول والوصول إلى جماهير أخرى. وفي هذه الحالة، ظهرت القوالب في محتوى احتفالي وسياسي، من الأغاني والأعلام إلى توصيف قدرات الدول الثلاث، بما ساعد على إعادة تقديم الاتفاقية بالرسائل نفسها من زوايا مختلفة. 

ظهرت صيغة أخرى تقول: «السعودية × تركيا × باكستان.. تعاون دفاعي، تكامل استراتيجي، ورسالة بأن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة»، لدى ثلاثة حسابات مختلفة. كما دارت بين المنصات قوالب عن أعلام الدول الثلاث، وأخرى تقسم قدراتها بين اقتصاد سعودي وصناعة تركية وقوة نووية باكستانية.

وبمقارنة النصوص بعد استبعاد الهاشتاغات والروابط والتغييرات الطفيفة، ظهرت 11 مجموعة تحتوي على نصوص شديدة التشابه نشرتها حسابات مختلفة، ضمت 29 مادة. و داخلها كانت هناك تسع مجموعات تحتوي على نسخ متطابقة تقريباً، شملت 23 مادة.

هذه الأرقام لا تثبت في حد ذاتها وجود عملية معلوماتية منسقة. فنسخ المحتوى الناجح ممارسة طبيعية على تيك توك، وقد ينتقل الفيديو نفسه من حساب إلى آخر أو من منصة إلى أخرى دون وجود غرفة عمليات أو إدارة مركزية.

لكنها تكشف شيئًا آخر يمكن إثباته: الحملة لم تنتشر فقط من خلال إنتاج مئات الرسائل المستقلة؛ إذ تحرك عدد من أكثر عناصرها قابلية للتداول في صورة قوالب جاهزة أعاد ناشرون مختلفون استخدامها.

ويتضح ذلك أكثر إذا نظرنا إلى المنصات التي حملت الموجة.

جمع Brand Mentions في البداية 284 نتيجة. وبعد استبعاد 91 مادة تجارية أو منشورات استخدمت الوسم في موضوعات غير مرتبطة به، بقيت 193 مادة مرتبطة بالاتفاقية أو قابلة للاحتساب في سياقها.

من بين هذه المواد كانت هناك 108 مواد على تيك توك. أي ما يزيد قليلًا على نصف المواد بعد التنظيف. ومع ذلك، حققت هذه المواد نحو 93% من إجمالي التفاعلات المسجلة.

وعلى سبيل المقارنة، ظهر Instagram في 39 نتيجة بعد التنظيف، لكنه لم يقترب من قوة الدفع التي حققها تيك توك.

والأوضح من تفوق منصة بعينها كان تركّز التفاعل داخل عدد صغير من ناشريها، وهو ما يقود إلى السؤال الأهم في قراءة هذه الموجة: هل كانت كثرة المواد تعني أن التأثير موزع على عدد كبير من الحسابات، أم أن جزءاً كبيراً من التفاعل كان يتركز لدى ناشرين محددين؟ 

حساب واحد صنع معظم الموجة

كان تركّز التفاعل أوضح ما يكون عند النظر إلى الحسابات الأكثر نشاطاً على تيك توك. فقد نشر حساب «استكنان تبوك» 15 مادة فقط، لكنها جمعت أكثر من 808 آلاف من إجمالي 1.17 مليون تفاعل في الجسم المنظف من البيانات.

أي أن حساباً واحداً كان مسؤولاً عن نحو 69% من إجمالي التفاعل المرصود، رغم أن عدد المواد التي نشرها لم يتجاوز 15 مادة.

وتزداد دلالة هذا التركّز عند النظر إلى المنشورات الأعلى تفاعلاً. فالمنشورات الثلاثة الأعلى تفاعلاً وحدها صنعت قرابة نصف التفاعل في العينة، بينما أنتجت أعلى عشرة منشورات نحو ثلاثة أرباعه.

هذه البنية تجعل حجم الموجة مضللاً إذا قيس فقط بعدد النتائج أو بتقديرات الوصول المحتمل التي تعرضها أدوات الرصد. فقد قدّر Brand Mentions وصول المواد المرصودة بعشرات الملايين، لكن هذه القيمة لا تمثل عدداً مباشراً للأشخاص الذين شاهدوا المحتوى، بل هي تقدير يعتمد على نماذج تختلف باختلاف المنصة. والأكثر دلالة هنا هو أن التفاعل المسجل نفسه ظل شديد التركّز.

لم نكن أمام مئات الحسابات التي حققت تأثيراً متقارباً، بل أمام عدد صغير من الحسابات فائقة الانتشار، وحولها طبقة أكبر من ناشرين أصغر يعيدون نشر الخبر أو الاحتفاء به أو تدوير بعض قوالبه.

وهذا يفسر مفارقة اليوم الثالث من الحملة.

انخفض عدد المواد التي رصدها Brand Mentions من 146 مادة في 7 آب/أغسطس إلى 90 في اليوم التالي، ثم إلى 48 فقط في 9 آب/أغسطس. وكان يفترض، ظاهرياً، أن تنحسر الموجة مع تراجع عدد المواد، لكن التفاعل ارتفع مجدداً في اليوم الثالث، لأن منشوراً واحداً تقريباً قلب المنحنى.

كان ذلك منشور «استكنان تبوك» الذي حمل عبارة: «اتفاق مكة أثار انزعاج وغضب دولتين في المنطقة».

حقق وحده نحو 299 ألف تفاعل.

وبذلك تغيرت وظيفة الرواية مرة أخرى. في البداية كان المطلوب شرح الاتفاق، ثم الاحتفاء بمكة والدول الثلاث، ثم تقديمه باعتباره إنجازاً لقيادة محمد بن سلمان وقوة إسلامية جديدة. وفي المرحلة الأخيرة ظهر عنصر آخر: قيمة الاتفاق تقاس أيضاً بمن يقال إنه يخشاه.

وفي الوقت نفسه، تحرك خطاب التوسع خارج الدول الثلاث. فقد قال فيدان في 8 آب/أغسطس إن مصر «شريك طبيعي»، وإنها قد تنضم في مرحلة لاحقة بعد تسوية مسائل فنية، كما تحدث عن رغبة أردوغان في ألا يبقى الإطار محدوداً بالدول الثلاث. وفي اليوم التالي، أكد وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن الباب مفتوح أمام دول أخرى، طالما التزمت بطبيعة الاتفاق الدفاعية ومبادئه.

واللافت أن حساب «استكنان تبوك» التقط تصريح مصر أيضاً وحوله إلى مقطع حصد أكثر من 46 ألف تفاعل، في نموذج يكشف الدور الذي لعبه الحساب طوال الموجة: التقاط تطور سياسي، واختزاله إلى رسالة سريعة، ثم إدخاله إلى جمهور تيك توك.

خلال ثلاثة أيام فقط، قطعت «اتفاقية مكة» على المنصات مسافة أكبر من نصها الرسمي. بدأت كبند للدفاع الجماعي، ثم اكتسبت رمزية مكة والحرم، وتحولت إلى صورة لـ«قوة الأمة»، وبعدها إلى دليل على زعامة محمد بن سلمان، وتحالف يجمع المال والصناعة العسكرية والقدرة النووية، قبل أن ينتهي بعض أكثر محتواها انتشاراً إلى الحديث عن الخصوم الذين أغضبهم الاتفاق.

لكن البيانات تكشف في الوقت نفسه حدود صورة «الموجة الجماهيرية» الواسعة. خلف مئات المنشورات والأعلام والوسوم والأغاني، كان الجزء الأكبر من التأثير متركزاً في منصة واحدة، وعدد محدود جداً من الحسابات، وعلى رأسها حساب صنع بمفرده نحو ثلثي التفاعل المرصود.

لم تكن قوة الحملة في كثرة من تكلموا بالضرورة، بقدر ما كانت في قدرة قلة من الناشرين على تحويل رواية سياسية إلى محتوى فيروسي، ثم ترك بقية المنصات تعيد إنتاجها.

تكشف حالة «اتفاقية مكة» أن انتشار الرواية السياسية على المنصات لا يرتبط دائماً بحجمها الأولي. ففي هذه الحالة، بدأت القصة من اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، قبل أن تتوسع في الخطاب الرقمي لتكتسب رمزية دينية وسياسية، ثم تتحول إلى سردية عن قوة الدول الثلاث وقيادة محمد بن سلمان، وصولاً إلى ربط أهمية الاتفاق بمن قيل إنه شعر بالقلق أو الغضب منه.

وفي الوقت نفسه، أظهر تحليل البيانات أن هذا الانتشار لم يكن موزعاً بالتساوي بين مئات الحسابات. فقد تركز الجزء الأكبر من التفاعل في تيك توك، وداخل عدد محدود من الحسابات، بينما ساهمت القوالب النصية والمحتوى المتشابه في إعادة تدوير الرسائل نفسها بين ناشرين مختلفين. ولا تكفي هذه المؤشرات وحدها لإثبات وجود تنسيق مركزي، لكنها تكشف بوضوح كيف يمكن لمجموعة صغيرة من الناشرين ذوي الانتشار العالي أن تمنح رواية معينة حضوراً يفوق بكثير حجم المشاركين فيها.

وهنا تكمن أهمية تتبع مثل هذه الموجات: فليس عدد من ينشرون الرواية هو المؤشر الوحيد على قوتها، بل أيضاً من يملك القدرة على دفعها، وكيف تُعاد صياغتها وتدويرها، ومن ثم تحويل حدث سياسي محدود إلى قصة أكبر بكثير على المنصات.



 إعداد: شريف مراد