إعداد: إبراهيم هلال
في 30 يوليو أعلن مجلس الوزراء المصري أن التحقيقات الأولية في الحريق الذي اندلع مساء 29 تموز/ يوليو 2026، بسفينتين في ميناء دمياط، تشير إلى أنه نجم عن طائرة مسيرة، دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم .

وكانت وكالة (رويترز) قد نقلت عن شركة الأمن البحري البريطانية (أمبري) أن طائرة مسيرة استهدفت ناقلة غاز مملوكة للولايات المتحدة داخل الميناء، فيما أفادت مصادر تجارية بأن الهجوم أصاب سفينة التخزين العائمة "Energos Winter"، قبل أن يمتد الحريق إلى سفينة أخرى هي "Gaslog Sale". كما أشارت مجموعة فانجارد البريطانية لإدارة المخاطر البحرية إلى أن السفينة أصيبت بمقذوف مجهول أدى إلى اندلاع الحريق، الذي أُخمد لاحقاً.

لكن، بعد ساعات من بيان الحكومة المصرية، انتقل النقاش على منصات التواصل في اتجاه مختلف.

فبدلاً من التركيز على ملابسات الهجوم أو الجهة المسؤولة عنه، بدأت حسابات على مواقع التواصل تتهم السوريين المقيمين في مصر بالوقوف وراء الواقعة، مستخدمة أوصافاً مثل "الخونة" و"بائعي الأوطان"، ومروجة لروايات تزعم أن "دمياط مليئة بالسوريين"، قبل أن تتطور هذه المنشورات لاحقاً إلى دعوات صريحة لاستهدافهم.

وفي اليوم التالي، الأول من أغسطس، تصاعد الخطاب إلى المطالبة بحملات أمنية تستهدف السوريين في دمياط، شملت الدعوة إلى تفتيش مساكنهم ومحالهم ومصانعهم. ومع اندلاع حريق في أحد مصانع الأثاث بالمحافظة، استغل حساب @mohamed_srag1 الواقعة لإعادة الترويج لوسم #ترحيل_السوريين_من_مصر. ويُعد الحساب من الحسابات التي سبق أن رصدها مجتمع التحقق العربي في حملات استهدفت اللاجئين والمعارضين ومنظمات المجتمع المدني في مصر، رغم عدم وجود أي دليل يربط بين الحادثين.

ماذا حدث في ميناء دمياط؟
استهدف الهجوم سفينة Energos Winter، وهي وحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه، وهي عملية يُعاد خلالها تحويل الغاز من حالته السائلة إلى الحالة الغازية قبل ضخه في الشبكة القومية للغاز.
وتُعد هذه السفينة جزءاً من البنية التحتية لقطاع الطاقة في مصر، إذ تستخدم لاستقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال وإعادة ضخه في الشبكة المحلية، وهو ما منح الحادث أهمية خاصة.
وبينما استمرت التحقيقات لتحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، اتجه جزء من النقاش على منصات التواصل في مسار مختلف، مع ظهور اتهامات استهدفت السوريين المقيمين في مصر، رغم عدم إعلان أي نتائج رسمية تربطهم بالواقعة.
كيف تضاعف انتشار الحملة؟
أظهرت بيانات الرصد أن الحملة أنتجت، خلال أسبوع واحد، ما لا يقل عن 116 منشوراً (باستثناء منشورات منصة "إكس")، حققت مجتمعة نحو 3.9 مليون مشاهدة، وأكثر من 366.3 ألف تفاعل.
ورغم محدودية عدد المنشورات، فإن حجم المشاهدات والتفاعل كان أكبر بكثير، وهو ما يجعل نمط الانتشار نفسه محل فحص، وليس عدد المنشورات وحده.
وسجلت الحملة أعلى معدلات النشر في 31 تموز/يوليو، بينما بلغت المشاهدات ذروتها في 1 آب/أغسطس، أي بعد يوم كامل من ذروة النشر.
ويشير هذا الفارق الزمني إلى أن الانتشار لم يتحقق مع الموجة الأولى من المنشورات، بل ازداد بعد أن أعادت حسابات سبق رصد نشاطها في حملات مشابهة نشر الاتهامات والمحتوى التحريضي ضد السوريين في دمياط، وهو ما تزامن مع انتقال الحملة إلى جمهور أوسع خلال اليوم التالي.

وجاءت هذه الذروة بالتزامن مع تكرار الروايات التي اتهمت السوريين بالمسؤولية عن استهداف السفينة، إلى جانب منشورات زعمت، من دون تقديم أي دليل، أنهم يخفون طائرات مسيّرة داخل مصانعهم في دمياط.

ولم يقتصر أثر الحملة على إعادة تداول هذه الادعاءات، بل انعكس أيضاً في طبيعة الخطاب المصاحب لها.
فقد أظهر تحليل المشاعر أن أكثر من نصف المنشورات حملت مشاعر سلبية، بينما لم تتجاوز نسبة المنشورات التي حملت مشاعر إيجابية 2%. أما بقية المنشورات، فلم تتمكن الأداة من تصنيفها بوضوح.

وكان الغضب هو الشعور الأكثر حضوراً بين المنشورات المصنفة، إذ اعتمدت الحملة على تكرار الاتهامات والعبارات التحريضية، بما عزز خطاباً يربط السوريين بالهجوم، رغم غياب أي دليل يدعم هذه المزاعم.



حسابات تستخدم هويات غير حقيقية ورسائل متطابقة
لم تعتمد الحملة على كثافة النشر وحدها، بل شاركت فيها أيضاً حسابات وصفحات أظهرت مؤشرات تستحق الفحص، سواء من حيث طبيعة نشاطها أو بياناتها التعريفية.
بدأت موجة التحريض من حساب Mohamed Srag على منصة (اكس)، الذي استغل حادثة حريق مصنع الأثاث في دمياط، وربطها برواية تزعم تورط السوريين في الهجوم على السفينة، قبل أن يروج لوسم #ترحيل_السوريين_من_مصر.
وأظهر فحص الحساب أنه لا يستخدم صورة شخصية حقيقية، إذ يضع صورة الممثل المصري سعيد عبد الغني، كما بينت بيانات الشفافية أنه غيّر اسمه 19 مرة، كان آخرها في عام 2023.

وروج الحساب نفسه لسردية مفادها أن السوريين أحرقوا مصانعهم لإخفاء أدلة تتعلق بالهجوم، وهي رواية أعادت حسابات أخرى نشرها بصيغ متقاربة، من دون الاستناد إلى أي دليل.
وبرز على منصة "إكس" أيضًا حساب @maggyalitahon، الذي كرر الاتهامات نفسها ضد اللاجئين السوريين. وأظهر فحص الحساب أنه لا يستخدم صورة حقيقية، فيما كشفت بيانات الشفافية أنه غيّر اسمه سبع مرات، كان آخرها في عام 2024، رغم إنشائه عام 2018.

وامتد النمط نفسه إلى منصة "فيسبوك"، حيث أعادت حسابات وصفحات نشر الرواية ذاتها، التي اتهمت السوريين بالمسؤولية عن الهجوم، ثم زعمت أنهم أحرقوا مصانعهم لإخفاء الأدلة.
وكان من أبرزها حساب "مصر للمصريين"، الذي أُنشئ عام 2024، وتركز غالبية منشوراته على مهاجمة اللاجئين والترويج لخطاب يمجد الهوية الفرعونية لمصر.

كما كررت صفحة "صحوة مصرية" السردية نفسها، وأظهر فحص منشوراتها أنها تركز على الدعاية السياسية والتحريض ضد اللاجئين، بينما كشفت بيانات الشفافية أنها تُدار بواسطة 7 أشخاص من الإمارات، وليس من مصر.

وتشير هذه الأمثلة إلى أن الحملة لم تعتمد على منشورات فردية متفرقة، بل شاركت فيها حسابات وصفحات كررت الرسائل نفسها، وأسهمت في توسيع انتشار الخطاب المحرض ضد السوريين. ولا تثبت هذه المؤشرات، بمفردها، وجود إدارة مركزية للحملة، لكنها تكشف نمطاً متكرراً من إعادة نشر المحتوى يستحق الفحص.
وفي هذه الحالة، لم تقدم الحملة دليلاً يربط السوريين بالهجوم على السفينة، لكنها نجحت في نقل النقاش من البحث عن المسؤول عن الحادث إلى توجيه الاتهام والتحريض ضد فئة كاملة من اللاجئين، قبل انتهاء التحقيقات أو إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة.
إعداد: إبراهيم هلال