مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

#درع_الجنوب.. كيف ضُخمت حملة المتحدث العسكري المصري على منصات التواصل؟

#درع_الجنوب.. كيف ضُخمت حملة المتحدث العسكري المصري على منصات التواصل؟

في منتصف يونيو/حزيران الماضي، أثارت غارات جوية نُسبت إلى سلاح الجو المصري على معدنين سودانيين يعملون في "منجم شمال الوادي" بولاية البحر الأحمر السودانية، بالقرب من الحدود المصرية، جدلاً واسعاً بعد سقوط قتلى وجرحى في صفوف المعدنين. 

وقالت منظمة "مناصرة ضحايا دارفور" في بيان صحافي، إن الطيران المصري قصف المنجم، الذي يبعد نحو 20 كيلومتراً عن الحدود المصرية، ما أسفر -بحسب المنظمة- عن مقتل خمسة معدنين سودانيين وإصابة عشرة آخرين، كما تحدثت عن توغل قوة برية مصرية داخل الأراضي السودانية مستخدمة نحو 20 مركبة عسكرية. 


بعد نحو شهر من الواقعة، نشر المتحدث العسكري المصري عبر منصة "إكس" تغريدة أعلن فيها إطلاق سلسلة وثائقية بعنوان "درع الجنوب"، تتناول العملية العسكرية. وسرعان ما بدأت عشرات الحسابات إعادة نشر التغريدة نفسها، أو نشر نصوص متطابقة مرفقة بالصورة ذاتها التي استخدمها المتحدث العسكري، مستخدمة وسم #درع_الجنوب، ليتحول خلال أيام إلى حملة رقمية واسعة ليتحول خلال أيام إلى حملة رقمية واسعة روجت للرواية التي قدمها المتحدث العسكري بشأن الواقعة. .



اعتمد هذا التحليل على تتبع المنشورات المرتبطة بوسم #درع_الجنوب، وتحليل أنماط النشر والتفاعل، وفحص بيانات الحسابات المشاركة باستخدام أدوات استخبارات المصادر المفتوحة، مع الاستناد إلى مؤشرات مثل تاريخ إنشاء الحسابات، وطبيعة المحتوى المنشور، وتغييرات أسماء الصفحات، وأنماط إعادة النشر. 

 

مئات المنشورات.. ملايين المشاهدات ومؤشرات على تضخيم الانتشار 

رغم أن عدد المنشورات التي رُصدت خلال الشهر الماضي بلغ، على الأقل، 303 منشورات، فإن حجم التفاعل الذي حققته تجاوز بكثير هذا العدد. فقد سجلت المنشورات نحو 37.4 مليون مشاهدة، إلى جانب 562.7 ألف تفاعل، وهي أرقام تعكس انتشاراً واسعاً مقارنة بحجم المحتوى المنشور، وتمثل أحد المؤشرات التي تستدعي فحص طبيعة هذا النشاط. 

ويُظهر الرسم البياني لتطور عدد المنشورات مقارنة بحجم المشاهدات على مدار الشهر الماضي، أن الحملة اعتمدت على نشر دفعات متتالية من المحتوى، في حين ظلت معدلات المشاهدة متفاوتة حتى بلغت ذروتها في 19 تموز/ يوليو.

وارتبطت هذه الذروة بنشر حساب المتحدث العسكري حلقات متتابعة من سلسلة "درع الجنوب"، التي قدمت رواية تفسر أسباب استهداف المعدنين السودانيين. وسرعان ما أعادت عشرات الحسابات المشاركة في الحملة نشر هذه المقاطع تحت عنوان "خطر الدهابة جنوب مصر"، وقدمت المعدنين السودانيين باعتبارهم تهديداً للأمن القومي المصري، وأن التدخل العسكري جاء لمواجهة هذا التهديد. 

ورغم أن المقاطع التي نشرها المتحدث العسكري عن واقعة قصف المعدنين السودانيين سعت إلى تقديم العملية العسكرية بوصفها إجراءً منضبطاً، وأظهرت العملية بوصفها خالية من مظاهر العنف تجاه المعدنين، كما تضمنت شهادة لأحد السودانيين دعا فيها بقية المعدنين إلى تسليم أنفسهم للسلطات المصرية، مؤكداً أنهم يُعاملون "بكل احترام"، بحسب ما ورد في المقاطع. 

إلا أن تحليل المشاعر أظهر صورة مختلفة في محتوى الحملة الرقمية، إذ غلبت على المنشورات مشاعر التشفي والاستمتاع بقصف المعدنين وملاحقتهم في الصحراء، إلى جانب مشاعر الغضب والعداء تجاههم. كما صورتهم العديد من الحسابات المشاركة في الحملة باعتبارهم "خطراً على الأمن القومي المصري"، وهو الخطاب الذي تكرر بصورة لافتة في عدد كبير من المنشورات.




وتكشف سحابة الوسوم الأكثر تداولاً عن ملامح الخطاب الذي هيمن على الحملة، إذ تصدر وسم #المتحدث_العسكري قائمة الوسوم الأكثر استخداماً، تلاه #قانون_يحمي_الجميع، ثم #الجيش_والشرطة_فرض_للسيادة. ويعكس تكرار هذه الوسوم تركيز المحتوى على إبراز العملية العسكرية باعتبارها إجراءً لحماية الأمن القومي وفرض السيادة، بما يتسق مع الرسائل التي روجت لها الحملة. 

لكن السؤال الذي تطرحه هذه المؤشرات هو: من الذي ساهم في تضخيم هذا الخطاب، وكيف انتشرت هذه الرسائل بهذا الزخم خلال فترة زمنية قصيرة؟ 

 

حسابات دمى وصفحات حديثة شاركت في تضخيم حملة #درع_الجنوب 

أظهرت التحليلات أن أبرز الحسابات المشاركة في نشر وسم #درع_الجنوب كانت حسابات دمى أو حسابات حديثة الإنشاء كرست معظم نشاطها لدعم الجيش المصري والترويج لمحتوى ذي طابع سياسي. ويستخدم التقرير مصطلح "حسابات الدمى" للإشارة إلى الحسابات التي تُظهر مؤشرات على أنها أنشئت أو استُخدمت أساسًا لتضخيم رسائل أو حملات بعينها، مثل التركيز على موضوع واحد، أو إعادة نشر المحتوى نفسه بصورة متكررة، أو النشاط المكثف خلال حملة محددة. وتصدر قائمة هذه الحسابات حساب على منصة "تيك توك" يحمل اسم "إبراهيم العروي".




وباستخدام إحدى أدوات استخبارات المصادر المفتوحة المتخصصة في تحليل حسابات "تيك توك"، تبين أن الحساب أُنشئ في 24 حزيران/يونيو 2025، أي قبل نحو عام، ونشر منذ إنشائه 275 منشوراً، تركز جميعها على تأييد الجيش المصري والنظام السياسي في مصر.


كما قاد البحث العكسي للصورة الشخصية للحساب إلى العثور على تعليق يحمل الاسم والصورة نفسيهما على أحد منشورات حساب المتحدث العسكري. وأظهر الفحص أيضاً وجود حساب بالاسم ذاته على منصة "فيسبوك"، أُنشئ عام 2019، وحدد موقعه في مدينة مرسى مطروح، بينما تركز غالبية منشوراته على دعم الجيش المصري والنظام السياسي. 


وعلى النمط نفسه، برزت صفحة "أصدقاء القوات المسلحة المصرية"، التي أُنشئت عام 2022، وأظهرت بيانات الشفافية أنها غيرت اسمها ثلاث مرات، وتُدار بواسطة سبعة أشخاص، ستة منهم في مصر، وآخر في السعودية. 



كما رصد التحليل صفحة أخرى على "فيسبوك" تحمل اسم "محب الأوكتاجون المصري"، وأظهرت بيانات الشفافية أنها غيرت اسمها سبع مرات، وكان من بين أسمائها السابقة "محبي العقيد حاتم صابر". 

والعقيد حاتم صابر ضابط مصري متقاعد وخبير في الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والحرب المعلوماتية، ويقدم نفسه في وسائل الإعلام بوصفه متخصصاً في مواجهة الشائعات على منصات التواصل الاجتماعي. 

ولم يقتصر التفاعل مع الحملة على الحسابات السياسية، إذ شاركت فيها أيضاً حسابات تجارية، من بينها حساب "emerald_edition"، المتخصص في بيع وتأجير الوحدات السكنية في الشيخ زايد والساحل الشمالي. ورغم أن جميع منشوراته تروج للعقارات، فقد ظهر وسم #درع_الجنوب ووسم #الجيش_والشرطة_فرض_للسيادة في 14 منشوراً نشرها الحساب خلال الشهر الماضي. 



ولم يقتصر التضخيم على الحسابات الفردية. وإلى جانب الحسابات والصفحات، شاركت أيضاً منصات إعلامية في إعادة نشر محتوى الحملة، كان أبرزها منصة Extra News، التي أعادت نشر المقاطع التي بثها المتحدث العسكري. وتُظهر بيانات الشفافية أن الصفحة تُدار بواسطة 42 شخصاً من مصر، كما حملت سابقًا اسم CBCExtra، ما يشير إلى ارتباطها السابق بشبكة CBC.



كما شاركت صفحة "مصر 2030" في الحملة، وأظهرت بيانات الشفافية أنها تُدار بواسطة سبعة أشخاص من مصر. وأُنشئت الصفحة عام 2014 باسم "Ya Rab6"، قبل أن تغير اسمها إلى "همسات"، ثم "جريدة الموجز"، وصولاً إلى اسمها الحالي. ويشير سجل تغييرات الاسم إلى تعدد الهويات التي اتخذتها الصفحة منذ إنشائها.




وتكشف هذه الأمثلة أن التفاعل مع حملة #درع_الجنوب لم يقتصر على إعادة نشر المحتوى من جانب مستخدمين أفراد، بل شاركت فيه حسابات دمى وصفحات حديثة الإنشاء، إلى جانب حسابات تجارية ومنصات إعلامية أعادت نشر الرسائل نفسها أو مضامين متقاربة. وتشير هذه المؤشرات، مجتمعة، إلى نمط من التضخيم الرقمي أسهم في توسيع انتشار الحملة التي انطلقت مع نشر المتحدث العسكري لسلسلة "درع الجنوب"، وترويج روايتها بشأن واقعة قصف المعدنين السودانيين. ولا تثبت هذه المؤشرات، بمفردها، وجود إدارة مركزية للحملة، لكنها تكشف نمطاً متكررًا من إعادة النشر المنسق أسهم في توسيع نطاق انتشار الرسائل التي روجت لها. 



 إعداد: إبراهيم هلال