مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

من 13 منشوراً إلى 77 مليون وصول.. القصة الكاملة لصناعة ظاهرة هايدي زيدان

من 13 منشوراً إلى 77 مليون وصول..  القصة الكاملة لصناعة ظاهرة هايدي زيدان

خلال أربعة أيام فقط، تحولت هايدي زيدان، وهي سيدة مصرية لم تكن معروفة على نطاق واسع، إلى اسم يتكرر في آلاف المنشورات ومئات التغطيات الإعلامية، بعدما أثارت فيديوهات نشرتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الجدل بسبب هجومها على الرئيس عبد الفتاح السيسي وعدد من مؤسسات الدولة. 

لكن السرعة التي انتشرت بها قصتها لم تكن هي الأمر الأكثر لفتاً للانتباه، بل الطريقة التي تغيرت بها القصة نفسها. فما بدأ بفيديوهات فردية، سرعان ما أصبح معركة بين روايات متنافسة؛ إذ رآها البعض تعبيراً عن غضب شعبي، بينما اعتبرها آخرون جزءاً من حملة تستهدف الدولة. وبعد إعلان القبض عليها، دخلت القصة مرحلة جديدة، وتبدلت الأسئلة من: ماذا قالت؟ إلى: من هي؟ ومن يقف وراءها؟ وما الذي تمثله؟ 

يحاول هذا التقرير الإجابة عن سؤال مختلف: كيف يمكن لشخص واحد أن يتحول، في أيام قليلة، إلى مساحة تُسقط عليها أطراف متعارضة رواياتها وتستخدمها لإقناع جمهورها؟ 

استناداً إلى تحليل 961 مادة نُشرت خلال أربعة أيام، يتتبع التقرير كيف انتقلت هايدي زيدان من صاحبة فيديوهات أثارت الجدل إلى ظاهرة رقمية، لم يعد الخلاف فيها يدور حول الشخص نفسه بقدر ما دار حول المعاني التي حاول كل طرف أن يمنحها له. 



من فيديوهات فردية إلى قضية أمنية

لم تبدأ قصة هايدي زيدان كقضية سياسية أو أمنية. ففي البداية، ظهرت عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي وهي تنشر مقاطع فيديو تهاجم فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي وعددًا من الشخصيات والمؤسسات داخل الدولة، مستخدمة لغة حادة وصادمة، سرعان ما أثارت تفاعلًا واسعًا. 

لكن تلك الفيديوهات لم تبقَ محصورة في نطاق متابعيها. ففي غضون ساعات، بدأت حسابات معارضة مؤثرة في إعادة نشرها وتقديمها بوصفها تعبيراً عن غضب قادم من داخل المجتمع، لا من أوساط المعارضة التقليدية. وفي المقابل، سارعت صفحات وحسابات موالية للسلطة إلى تقديمها باعتبارها جزءاً من حملة سياسية تستهدف الدولة. وبعد أيام، أعلنت وزارة الداخلية القبض عليها، على خلفية ما وصفته بـ«ترويج ادعاءات كاذبة تجاه مؤسسات وشخصيات داخل الدولة وخارجها». 

لكن تدخل أجهزة الدولة جاء بعدما كانت القصة قد تجاوزت بالفعل مرحلة الانطلاق، وأصبحت محوراً للنقاش على منصات التواصل ووسائل الإعلام. 



لم يكن وراء هذه القفزة آلاف الحسابات التي تنشر المحتوى بالتوازي، بل عدد محدود من المقاطع التي حققت انتشاراً استثنائياً. وكان تيك توك المحرك الأبرز لهذه الموجة؛ إذ نشر حساب "nohaahmed_official" أكثر المواد انتشاراً داخل العينة، محققاً نحو 133 ألف تفاعل، ووصولاً تقديرياً بلغ 13.3 مليوناً. وفي اليوم نفسه، حقق حساب "Gold Law1" أكثر من 106 آلاف تفاعل، بينما دفعت حسابات مثل "Mahmoud Abu Samra" و"genz002new" بالمحتوى إلى ملايين إضافية من الشاشات.

ورغم أن العينة لم تضم سوى 41 مادة منشورة على تيك توك، فإنها حققت أكثر من 804 آلاف تفاعل، ووصولاً تقديرياً تجاوز 60.4 مليوناً. وعلى يوتيوب، حققت 95 مادة أكثر من 573 ألف تفاعل، ما يشير إلى اختلاف الدور الذي لعبته كل منصة في انتشار القصة. 

تكشف هذه الأرقام أن تيك توك كان منصة الانطلاقة والانتشار الأوسع، بينما لعب يوتيوب دوراً أكبر في ترسيخ الروايات السياسية حول القصة. أما فيسبوك والمواقع الإخبارية، فكانا المساحة التي أُعيد فيها تداول الفيديوهات، وتفسيرها، وبناء المواقف منها.

 

المعارضة تصنع الرمز

لم تتعامل بعض المنصات والحسابات المعارضة مع فيديوهات هايدي زيدان بوصفها مجرد مقاطع أثارت الجدل، بل أعادت تقديمها داخل سردية سياسية أوسع. لم تعد زيدان، في هذا الخطاب، امرأة غاضبة تهاجم الرئيس، وإنما أصبحت رمزاً يُستشهد به للدلالة على أن الغضب من السلطة تجاوز المعارضين التقليديين، ووصل إلى فئات اجتماعية لا تُعرف بنشاطها السياسي. 


ظهر هذا التحول بوضوح على يوتيوب. فقد نشرت قناة «الصندوق الأسود» فيديو بعنوان «سيدة الساحل التي هزت عرش السيسي»، محققاً أكثر من 118 ألف تفاعل. ولا يعكس العنوان مجرد اختيار لغوي، بل يقدم زيدان بوصفها شخصية قادرة على هز صورة الرئيس، لا مجرد صاحبة فيديو أثار الجدل. 

كما تناول هيثم أبوخليل فيديوهاتها وعلاقتها بمرتضى منصور في أكثر من مادة، قبل أن يعود بعد القبض عليها بفيديو بعنوان: «القبض على هايدي زيدان والمصريون كلهم شغف لمعرفة علاقتها بالإخوان المسلمين من عدمه». وطرح أحمد صبري سؤالًا آخر: «ليه ظهرت هايدي زيدان دلوقت؟». 


لم تكتف هذه المواد بعرض ما قالته زيدان، بل وضعت ظهورها في سياق سياسي أوسع. وفي هذه السردية، بدت امرأة خرجت من خارج القوالب الحزبية والأيديولوجية المعتادة، تستخدم لغة هجومية مباشرة ضد الرئيس ومحيطه، وهو ما جعل بعض الحسابات المعارضة تستقبلها باعتبارها «صوتاً كسر حاجز الخوف»، أو دليلاً على أن الغضب من السلطة لم يعد حكراً على المعارضين المعروفين أو النشطاء في الخارج. 

غير أن قوة هذه الرواية لم تأتِ من دقة ما قالته زيدان أو من توثيق ادعاءاتها، بقدر ما جاءت من الأثر الذي أحدثه ظهورها. فقد بالغت بعض المواد في تحويلها إلى رمز، وتعاملت مع جرأة الخطاب وصدمة الأداء وكأنهما يمنحان الكلام قيمة سياسية في حد ذاته، من دون مسافة نقدية كافية. 

وهكذا انتقلت هايدي زيدان من شخص ينشر فيديوهات فردية إلى شخصية قابلة للتوظيف السياسي؛ رمز مؤقت استخدمته بعض المنصات لإسناد رواية تقول إن الغضب من السلطة بات يتسرب من دوائر اجتماعية لم تكن تُعد، تقليدياً، جزءاً من المعارضة. 


الموجة المضادة: من تفنيد الكلام إلى نزع الأهلية

لم تستغرق الموجة المضادة وقتاً طويلاً. فمع اتساع انتشار فيديوهات هايدي زيدان، بدأت صفحات وحسابات موالية للسلطة في تقديم رواية مختلفة تماماً. لم تُعامل زيدان باعتبارها مواطنة غاضبة أو حالة فردية، بل بوصفها جزءاً من مخطط سياسي، أو أداة في يد جماعة منظمة، أو شخصية مرتبطة بالإخوان والمعارضة في الخارج. 


ظهر هذا الخطاب في مواد متكررة داخل العينة، استخدمت مفردات مثل «الخيانة» و«العمالة» و«الدولارات»، وربطت ظهور زيدان بسياق سياسي أكبر. وبدأ أحد النصوص المتداولة بعبارة: «النقد المسؤول البنّاء يصنع الوعي»، قبل أن ينتقل إلى اتهامها بالخيانة والحصول على أموال. وقد تكرر النص نفسه خمس مرات عبر حسابات مختلفة على فيسبوك خلال 24 تموز/يوليو. كما تكرر نص آخر بعنوان «من هي المرضعة؟» في سبع مواد، قدّم زيدان بوصفها نموذجاً لخطاب معارض يعتمد الظهور الصادم واللغة الخارجة، قبل أن يربطها مباشرة بتنظيم الإخوان. 


ولم ينصب الاهتمام في هذا الخطاب على ما قالته زيدان، بل امتد إلى شكلها، وملابسها، والوشوم على جسدها، وطريقة حديثها وحضورها أمام الكاميرا. وهكذا، انتقل النقاش تدريجياً من مضمون الفيديوهات إلى صاحبة الفيديوهات نفسها، وأصبحت شخصيتها هي موضوع الجدل أكثر من الادعاءات التي طرحتها. 

وبرز الإعلامي نشأت الديهي كأحد أبرز وجوه هذه الموجة. فقد ظهر اسمه أو اسم برنامجه «بالورقة والقلم» في عشرات المواد داخل العينة، وحقق حساب البرنامج على تيك توك أكثر من 51 ألف تفاعل في مقطع نُشر يوم 25 تموز/يوليو، مع وصول تقديري تجاوز 2.5 مليون. كما حملت مقاطع منشورة على قناة البرنامج في يوتيوب عناوين مثل: «الديهي عن هايدي زيدان: دي مرضعة تنظيم الإخوان»، و«لموها يا جماعة.. رسالة نارية من نشأت الديهي لأسرة هايدي زيدان». 


ولم يقتصر هذا الخطاب على برنامج واحد. فقد دخلت قناة الشمس على خط الهجوم عبر تامر عبد المنعم، بعناوين ركزت على السخرية الشخصية والوصم الأخلاقي، كما ظهرت إشارات أقل عدداً إلى عمرو أديب في السياق نفسه. 

المشترك بين هذه المواد لم يكن الدفاع عن الدولة فقط، بل تحويل النقاش من مضمون الكلام إلى صلاحية المتكلمة نفسها: لغتها، وشكلها، وحالتها النفسية، وانتماؤها المفترض. ولم يعد السؤال المطروح هو: هل ما قالته هايدي زيدان صحيح أم لا؟ بل أصبح: من يقف وراءها؟ ومن يمولها؟ وهل تملك أصلًا الأهلية التي تجعل كلامها جديرًا بالنقاش؟ 

وبذلك، انتقلت المواجهة من تفنيد الادعاءات إلى إعادة تعريف صاحبة الادعاءات نفسها، وتجريدها من أهليتها الأخلاقية والسياسية، لتصبح شخصيتها، لا مضمون كلامها، محور الخطاب المضادة. 

 

القبض يعيد تعريف القصة

مساء 26 تموز/يوليو، أعلنت وزارة الداخلية القبض على هايدي زيدان. وبحسب بيان الوزارة  فإن "المقاطع تضمنت تجاوزات غير أخلاقية وترويج ادعاءات كاذبة تجاه مؤسسات وشخصيات داخل الدولة وخارجها".


لكن قراءة توقيت الموجة تكشف أن القبض لم يكن نقطة البداية، بل نقطة تحول في مسار القصة. فذروة الانتشار كانت قد تحققت بالفعل قبل ذلك بيومين، حين سجل يوم 24 تموز/ يوليو قفزة كبيرة في التفاعل، بعدما حققت 145 مادة نحو 681 ألف تفاعل. واستمر الجدل خلال 25 تموز/ يوليو، واتسعت السرديات المتنافسة حول زيدان، قبل أن يشهد يوم 26 تموز/ يوليو انفجاراً في عدد المواد المنشورة، لا في مستوى التفاعل. 


وخلال ذلك اليوم، نُشرت 635 مادة، أي ما يقارب ثلثي العينة بأكملها، لكنها حققت نحو 432.5 ألف تفاعل، وهو رقم أقل مما سُجل في 24 تموز/ يوليو، رغم أن عدد المواد كان أكبر بأكثر من أربعة أضعاف. وتكشف هذه المفارقة مرحلتين مختلفتين: في الأولى، صنعت فيديوهات قليلة واسعة الانتشار الزخم الأول للقصة، وفي الثانية، انتقلت الموجة إلى التغطيات الإخبارية، وإعادة النشر، والتعليق على التدخل الرسمي. 


ومع إعلان القبض عليها، تغيرت مفردات القصة. فلم يعد التركيز منصباً على ما قالته هايدي زيدان، بل على مصيرها، وقرار النيابة، وعرضها على مستشفى للطب النفسي، وما أثير بشأن صلتها بالإخوان. وتكرر خبر «القبض على هايدي زيدان بتهمة ترويج ادعاءات كاذبة تجاه مؤسسات الدولة» 14 مرة بصياغات شبه متطابقة على فيسبوك، كما تكرر خبر عرضها على مستشفى العباسية ثماني مرات خلال ساعات قليلة عبر فيسبوك وتيك توك. 

لم يخلق القبض الموجة الأولى، لكنه غيّر اتجاهها. فبعد أن كانت القصة تدور حول فيديوهات أثارت جدلاً واسعاً وتنافساً بين سرديات سياسية متعارضة، أصبحت قضية أمنية وقانونية، استُخدمت لتأكيد روايتين متقابلتين: «استهداف الدولة» من جهة، و«القمع» من جهة أخرى. 

 

الصحة النفسية .. ساحة جديدة للصراع


مع انتقال القضية إلى مسارها القانوني، دخلت الصحة النفسية إلى قلب النقاش. فلم يعد الجدل يدور حول الفيديوهات وحدها، بل امتد إلى الحالة النفسية لهايدي زيدان، لتصبح هي الأخرى جزءاً من السرديات المتنافسة. 

ووفقًا للتغطيات الصحفية، أفادت أسرتها بأنها تعاني اضطرابات نفسية أثرت على سلوكها، فيما قررت النيابة عرضها على إحدى مستشفيات الطب النفسي لبيان حالتها. لكن هذه المعطيات لا تمثل تشخيصاً طبياً نهائياً معلناً، ولا تبرر التعامل مع وصفها بأنها «مريضة نفسياً» باعتباره حقيقة ثابتة. والأدق أن حالتها النفسية أصبحت جزءاً من مسار التحقيق، ومن الرواية الرسمية التي تشكلت بعد القبض عليها. 

في المقابل، كان الخطاب المتداول على منصات التواصل قد سبق ذلك كله. فقد استخدمت بعض المواد أوصافاً مثل «المختلة» و«المجنونة» و«غير المتزنة» قبل صدور أي تقييم طبي معلن، لتتحول الصحة النفسية من مسألة تحتاج إلى تقييم مهني إلى أداة في الصراع الرقمي. 

ولا يعني ذلك التشكيك في ما أعلنته الأسرة أو في قرار النيابة، وإنما يفرض التمييز بين مسارين مختلفين: مسار قانوني وطبي ما زال خاضعاً للإجراءات والتقييم، ومسار آخر استخدمت فيه مفردات الصحة النفسية سياسياً وإعلامياً لتجريد المتحدثة من أهليتها، وإخراج ما قالته من دائرة النقاش العام. 

المنصات تقسم الأدوار

لم تؤدِّ منصات التواصل والإعلام الدور نفسه في صناعة ظاهرة هايدي زيدان، بل بدا أن كل منصة أسهمت في مرحلة مختلفة من القصة، وأدت وظيفة مختلفة في مسار انتشارها وإعادة تشكيلها. 

كان فيسبوك المنصة الأكبر من حيث حجم النشر، إذ استحوذ على 625 مادة، بما يعادل نحو 65% من إجمالي العينة. لكنه لم يكن صاحب التأثير الأكبر؛ إذ حققت مواده نحو 68 ألف تفاعل فقط، مقارنة بأكثر من 804 آلاف تفاعل على تيك توك، وأكثر من 573 ألفًا على يوتيوب. 

وتكشف هذه الأرقام أن تيك توك كان منصة الانطلاقة والانتشار الأوسع. فبرغم أن العينة لم تضم سوى 41 مادة منشورة عليه، فإنها دفعت المحتوى إلى أكثر من 60 مليون وصول تقديري، وأسهمت في وصول الفيديوهات إلى جمهور واسع خلال وقت قصير. أما يوتيوب، فكان المنصة التي اتسعت فيها السرديات السياسية، عبر حلقات قنوات المعارضة، وردود الإعلاميين، والبرامج الحوارية التي أعادت تفسير القصة وتقديمها لجمهورها. 


في المقابل، لم تصنع المواقع الإخبارية الذروة الأولى للموجة، لكنها دخلت بقوة بعد إعلان القبض على زيدان. وركزت تغطيات «القاهرة 24» و«المصري اليوم» و«مصراوي» و«الشروق» و«الدستور» وغيرها على بيان وزارة الداخلية وقرار عرضها على الطب النفسي. وعند هذه المرحلة، انتقلت القصة من محتوى متداول على منصات التواصل إلى خبر تتداوله المؤسسات الإعلامية ويقع عند تقاطع الحوادث والسياسة. 

أما منصة إكس، فلم تضم العينة منها سوى نحو عشر مواد، ولم تتوافر بشأنها بيانات كافية عن التفاعل أو الوصول، وهو ما لا يسمح بالحكم على حجم دورها في هذه الموجة. 

 

سرديتان.. وشخصية تتلاشى بينهما



قدمت السردية المعارضة هايدي زيدان باعتبارها دليلاً على تراجع حاجز الخوف، واستندت قوتها إلى المفاجأة التي أحدثها ظهور امرأة تبدو بعيدة عن الصورة التقليدية للمعارض السياسي، وتستخدم لغة هجومية مباشرة ضد الرئيس ومؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، تعاملت بعض المواد معها بوصفها شاهداً على أن الغضب من السلطة لم يعد مقصوراً على النخب السياسية أو المعارضين المعروفين. 

لكن هذا الخطاب بالغ، في بعض الأحيان، في تحويلها إلى رمز. فتعامل مع جرأة الأسلوب باعتبارها قيمة سياسية في حد ذاتها، ومع الانتشار الواسع باعتباره دليلاً على الشرعية، رغم أن انتشار المحتوى لا يثبت صحة ما يتضمنه من ادعاءات، ولا يغني عن التحقق منها. 


في المقابل، قدمتها الرواية الموالية باعتبارها جزءاً من حملة منظمة تستهدف الدولة. ولم تظهر في هذا الخطاب كمواطنة غاضبة أو حالة فردية، بل كشخصية مرتبطة بالإخوان، أو بجهات خارجية، أو بمخطط سياسي أوسع. واعتمدت هذه الصورة التي رُسمت لها على نمط تكرر في حالات سابقة، يقوم على ربط أي خطاب حاد ضد السلطة بتنظيم أو تمويل أو مؤامرة، دون أن يكون ذلك مصحوباً دائماً بأدلة تفصيلية داخل المواد المتداولة. 

وبين هاتين السرديتين، تراجعت هايدي زيدان كشخص، وتقدمت الصور التي رسمها كل طرف لها. فالمعارضة احتاجتها رمزاً، والموالاة احتاجتها دليل اتهام. وفي الحالتين، أصبح شكلها، ولغتها، وحالتها النفسية، وانتماؤها المفترض، حاضراً في النقاش أكثر من مضمون ما قالته في الفيديوهات. 

تكشف البيانات، في النهاية، أن ظاهرة هايدي زيدان لم تصنعها منصة واحدة، ولا رواية واحدة. فقد لعبت المنصات أدواراً متكاملة؛ إذ منحتها فيديوهات تيك توك دفعة الانتشار الأولى، وأعاد يوتيوب تقديمها داخل سرديات سياسية متنافسة، بينما وسّع فيسبوك نطاق تداولها، ورسخت المواقع الإخبارية حضورها بوصفها قضية أمنية وسياسية بعد التدخل الرسمي. 

لم تصنع هذه الشبكات هايدي زيدان بالضرورة، لكنها أسهمت في صناعة صورتها العامة. وخلال أقل من أربعة أيام، تحولت امرأة نشرت مقاطع فيديو مثيرة للجدل إلى قضية شغلت ملايين المستخدمين، لا لأن الجميع كان منشغلاً بالشخص نفسه، بل لأن كل طرف وجد في قصتها ما يعزز الرواية التي كان يرددها أصلاً.

 

 إعداد: شريف مراد