مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

اتهامات بتوريطهم من الخارج.. كيف تحولت قضية معتقلي"GenZ" إلى حملة رقمية لتبرئة أنس حبيب؟

اتهامات بتوريطهم من الخارج.. كيف تحولت قضية معتقلي"GenZ" إلى حملة رقمية لتبرئة أنس حبيب؟

بينما كانت عائلات عشرات الشباب تتابع أخبار ذويها بعد القبض عليهم في القضية المرتبطة بمجموعات أنشأها الناشط السياسي المقيم في الخارج أنس حبيب، اتجه جزء كبير من النقاش على منصات التواصل الاجتماعي إلى مسار مختلف تماماً. فبدلاً من التركيز على أوضاع المعتقلين، برزت حملة رقمية سعت إلى تبرئة أنس حبيب، وتقديمه بوصفه رمزاً للحراك، متجاهلة الاتهامات التي وجهها إليه عدد من المحامين والحقوقيين بشأن مسؤوليته عن تعريض الشباب للخطر.

ففي الأسبوع الأول من تموز/يوليو 2026، قررت نيابة أمن الدولة العليا حبس 55 شخصاً احتياطياً لمدة 15 يوماً، مع إصدار أوامر بضبط وإحضار 80 آخرين، على ذمة التحقيق في القضيتين رقم 4753 لسنة 2026، و4487 حصر تحقيقات أمن الدولة العليا.  وترتبط القضيتان بمجموعات نظمها أنس حبيب للدعوة إلى الاحتجاج على الأوضاع السياسية والاقتصادية، فيما تراوحت أعمار المقبوض عليهم بين 16 إلى 48 عاماً، بينهم تسع فتيات.


مع تزايد أعداد المقبوض عليهم على ذمة القضية، كتب المحامي المختص في قضايا المعتقلين السياسيين أحمد حلمي منشوراً أشار فيه إلى أن بعض الشباب أُلقي القبض عليهم بعد فترة قصيرة من انضمامهم إلى مجموعات " جين زد". وأعاد أنس حبيب نشر ما كتبه حلمي، وهو ما دفع الأخير إلى نشر توضيح مطول حذر فيه من أن تداول مثل هذه المعلومات قد يعرض الشباب والمحامين لمزيد من المخاطر، منتقداً ما اعتبره "استهتاراً بالأمنيات".

لم يقتصر النقاش على تبادل المنشورات بين أحمد حلمي وأنس حبيب،  بل سرعان ما انتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث برزت موجة من المنشورات سعت إلى إعادة تقديم أنس حبيب بصورة إيجابية، في وقت كان فيه الجدل يتصاعد حول مسؤوليته عن تعريض عدد من الشباب للاعتقال، وذهبت بعض الحسابات  إلى وصفه بـ "قائد الثورة"، فيما شبهته أخرى بـ "محمد البوعزيزي المصري"، وهي منشورات نُشرت عبر حسابات  وصفحات مرتبطة بحركة "ميدان"، التي يقودها رضا فهمي ومحمد إلهامي ويحيى موسى المتهم في قضية اغتيال النائب العام.

وسرعان ما اتسع نطاق هذه المنشورات، بعدما انضمت إليها صفحات وحسابات أخرى أعادت نشر المحتوى والتفاعل معه بصورة مكثفة، ما أسهم في رفع معدل انتشاره تحت وسم #أنس_حبيب. ومع تكرار الرسائل نفسها عبر حسابات متعددة، لم يعد الأمر مجرد تفاعل مع  سجال دار بين محام وناشط سياسي، بل تحول إلى حملة رقمية منسقة ركزت على تبرئة أنس حبيب وتقديمه بوصفه رمزاً للحراك، بينما تراجع حضور قضية عشرات المعتقلين في النقاش الدائر  حولها.

 

ولفهم أسباب تحوّل النقاش إلى الدفاع عن أنس حبيب، لا بد من العودة إلى بداية تأسيس مجموعات "GenZ"، التي شكّلت محور القضية منذ بدايتها.

 

كيف تحولت قضية GenZ إلى حملة دفاع عن أنس حبيب؟

تعود جذور القضية إلى أيلول/ سبتمبر 2025، عندما أسس الناشط السياسي المقيم في الخارج أنس حبيب حركة حملت اسم "GenZ002 Of Egypt" (جيل زد المصري)، وأطلق لها حسابات على منصات التواصل الاجتماعي. واستلهمت الحركة اسمها من جيل "زد"، الذي يضم المولودين بين عامي 1997 و2012، بعدما ارتبط هذا الجيل خلال عامي 2025 و2026 بتنظيم احتجاجات في المغرب وتونس، اعتمدت بصورة كبيرة على التنسيق عبر منصة "ديسكورد".

فور تأسيسها، أنشأت الحركة خادماً (Server) على منصة "ديسكورد"، وأدرجت رابطه في منشوراتها وتعريف حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، مع دعوة المتابعين للانضمام إليه. واستجاب عدد من المتابعين لهذه الدعوات، قبل أن تُظهر القضية لاحقاً أن عدداً من المنضمين إلى هذه المجموعات، إلى جانب آخرين انضموا إلى مجموعات على "تليجرام" تنشر محتوى احتجاجياً، كانوا ضمن من أُلقي القبض عليهم.

وبالتزامن مع اتساع نطاق القبض على الشباب في مصر، بدأ نشاط ملحوظ على منصات التواصل الاجتماعي تقوده صفحات وحسابات يُدار معظمها من تركيا. فمنذ الأسبوع الأخير من حزيران/ يونيو، تصاعد نشر محتوى يقدم أنس حبيب بوصفه رمزاً للحراك، في وقت كانت فيه أخبار القبض على المنضمين إلى مجموعاته تتزايد. 




وبلغ هذا النشاط ذروته في 17 تموز/ يوليو، بعدما نشر عدد من الحقوقيين والمحامين منشورات حملت أنس حبيب مسؤولية تعريض شباب في مصر للخطر، بسبب دعواته المتكررة إلى الاحتجاج رغم القبضة الأمنية والملاحقات. وفي المقابل، تصاعدت منشورات مضادة ركزت على إعادة تقديمه بصورة إيجابية، ونفي مسؤوليته عن اعتقال المنضمين إلى مجموعاته، وقادت هذه الموجة صفحات محسوبة على حركة "ميدان" أو مرتبطة بها. 


وخلال شهر واحد، رصدنا ما لا يقل عن 1700 منشور ضمن هذه الحملة، حققت مجتمعة نحو 169 مليون مشاهدة أو وصول، وأكثر من 2.8 مليون تفاعل. ويظهر هذا الحجم من النشاط في التكرار الكثيف لمنشورات صفحات مثل "حركة ميدان" و"صدى مصر" و"foxgenz002" على منصات التواصل الاجتماعي، إذ تعتمد هذه الصفحات على إغراق المنصات بعدد كبير من المنشورات، ثم تعزيز انتشارها عبر شبكة من الحسابات التي تعيد النشر والتفاعل والتعليق، بما يضمن بقاء المحتوى حاضرًا في واجهات المستخدمين. 


ورغم أن حركة "جين زد مصر"، التي يقودها أنس حبيب، قدمت نفسها سابقاً باعتبارها حركة شبابية مستقلة، فإن تحليل الوسوم والصفحات والحسابات المشاركة في حملة الدفاع عنه يكشف مؤشرات على وجود ترابط بينها وبين صفحات وحسابات تابعة لحركة "ميدان"، التي يقودها يحيى موسى، المتهم في قضية اغتيال النائب العام، إلى جانب رضا فهمي ومحمد إلهامي. فقد أظهرت عملية الرصد استخدام الطرفين الوسوم والشعارات نفسها، إلى جانب تشابه واضح في صياغة المنشورات، وتدعم ذلك مجموعة من المؤشرات التي نستعرضها في الأقسام التالية. 



وكما تُظهر سحابة الوسوم الأكثر استخداماً في الحملة، برزت وسوم مثل #حملة_300 و#GenZ00 و#ائتلاف_يوم_الكرامة، وهي وسوم سبق استخدامها أيضاً من قبل صفحات وحسابات مرتبطة بحركة "ميدان". ويُعد هذا التداخل في الوسوم أحد المؤشرات التي تدعم فرضية وجود ترابط بين الشبكتين. كما أن تكرار استخدام كلمة "حملة" في عدد من الوسوم، إلى جانب النمط المتشابه في النشر وإعادة النشر، يتسق مع السمات المعروفة للحملات الرقمية المنسقة، التي تعتمد على تكثيف تداول سردية محددة عبر شبكة من الحسابات بهدف توسيع انتشارها.


حسابات وصفحات وهمية تابعة لحركة (ميدان) تضخم حملة (تلميع) لأنس حبيب

 

اعتمدت الصفحات المشاركة في الحملة على نشر عدد كبير من المنشورات خلال فترات زمنية قصيرة، قبل أن تتولى شبكة من الحسابات إعادة التفاعل معها عبر التعليقات والمشاركات والإعجابات، بما يسهم في زيادة انتشارها وإبقائها حاضرة في واجهات مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي. 

أظهرت التحليلات أن صفحة "صدى مصر" على فيسبوك جاءت في صدارة الصفحات الأكثر نشرًا ضمن الحملة، بعدما نشرت 427 منشوراً خلال شهر واحد. ويتابع الصفحة نحو 1.3 مليون مستخدم، كما تمتلك حسابات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي. وتشير بيانات الشفافية إلى أنها أُنشئت في كانون الأول/ ديسمبر 2020، ويديرها تسعة أشخاص؛ ثلاثة من تركيا، وواحد من المملكة المتحدة، بينما أخفى خمسة مواقعهم. كما يظهر أنس حبيب في صورة غلاف الصفحة، فيما تنشر بصورة متكررة محتوى مرتبطًا بحركة "ميدان" وقياداتها.




وجاءت بعدها صفحة "sadamisr25" بنحو 397 منشوراً خلال الفترة نفسها، وهي النسخة التابعة لصفحة "صدى مصر" على منصة إنستجرام. وتشير بيانات الشفافية إلى أنها أُنشئت في يناير 2025، وتنشط من تركيا.


وشاركت في الحملة أيضاً صفحة تحمل اسم "rawai3 Khawatir" وهي صفحة ترفيهية استخدمت في تضخيم الوسوم المرتبطة بالحملة. وتشير بياناتها إلى أنها أنشئت في شباط/ فبراير 2016، بينما تنتحل صورة  المذيعة في قناة الجزيرة رولا إبراهيم. ورغم أن الصفحة تُظهر المملكة المتحدة بوصفها موقعاً للنشاط، فإن بيانات الشفافية تكشف أنها تُدار بواسطة ثلاثة أشخاص من المغرب. 



وخلال الشهر محل الدراسة، نشرت الصفحة 99 منشوراً استخدمت فيها وسوماً مثل: #هانت و#حملة_300 و#احنا_الشعب و#GenZ002، وهي وسوم ظهرت أيضاً في منشورات مرتبطة بحركتي "جين زد" و"ميدان". كما سبق للصفحة نشر محتوى متعلق بأنس حبيب في مناسبات سابقة. 



كما أظهرت المقارنة تشابهًا، وفي بعض الحالات تطابقاً، بين التصميمات المستخدمة في صفحة "askerkhawagat" وتلك المنشورة عبر صفحة "genz002.eg". ويظهر هذا التشابه أيضاً في استخدام الوسوم ذاتها والمشاركة في الحملة نفسها، وهو ما يمثل أحد مؤشرات الارتباط بين الصفحتين. 


شاركت صفحة "حركة ميدان" في الحملة عبر 28 منشوراً استخدمت فيها الوسوم نفسها التي ظهرت في الصفحات السابقة. وتشير بيانات الشفافية إلى أن الصفحة أُنشئت في أيار/ مايو 2023، ويديرها 14 شخصاً؛ ثمانية من تركيا، وواحد من قطر، بينما أخفى خمسة مواقعهم.


وتتسق هذه النتائج مع ما توصلنا إليه في تقرير سابق، تناول شبكة الحسابات التي ضخّمت محتوى التسريبات غير الأخلاقية المنشورة عبر حساب "الملك". وقد أظهر ذلك التقرير وجود تقاطعات بين حساب أنس حبيب وحسابات مرتبطة بحركة "ميدان" وقياداتها، من بينهم محمد إلهامي وعمر طلعت ورضا فهمي، ضمن شبكة تضخيم واحدة. 




تشير نتائج التحليل إلى أن الصفحات المرتبطة بحركة "ميدان" لعبت الدور الأبرز في تضخيم المحتوى الداعم لأنس حبيب، بالتزامن مع موجة القبض على شباب انضموا إلى المجموعات الرقمية التي أنشأها. كما تكشف البيانات عن مؤشرات متعددة على وجود ترابط بين الشبكات الرقمية المرتبطة بحركة "جين زد مصر" وتلك المرتبطة بحركة "ميدان"، سواء من خلال الوسوم المشتركة، أو تشابه التصميمات، أو أنماط النشر، أو تداخل الصفحات والحسابات المشاركة في الحملة. وتثير هذه المؤشرات تساؤلات بشأن استقلالية حركة "جين زد مصر"، ولا تثبت هذه المؤشرات وحدها وجود علاقة تنظيمية مباشرة بين الطرفين، لكنها تكشف شبكة من التشابهات في الوسوم والتصميمات وأنماط النشر والحسابات المشاركة، بما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين "جين زد مصر" و"حركة ميدان".



 إعداد: إبراهيم هلال