إعداد: إبراهيم هلال
بينما كان أهالي قرية عابدين، بريف درعا الغربي، يحاولون الفرار من القصف الإسرائيلي مساء يوم 28 حزيران/يونيو، كانت معركة أخرى تدور بعيداً عن أصوات المدافع. فعلى منصات التواصل الاجتماعي، بدأت عشرات الصفحات والحسابات تتداول وسم #سوريا_المحتلة بكثافة، في تغطية الهجوم الإسرائيلي على جنوب سوريا.
لكن تتبع هذا الوسم كشف أن استخدامه لم يكن مرتبطاً بالهجوم وحده، بل كان جزءاً من نشاط بدأ قبل ذلك بأشهر، تقوده صفحات اعتادت توظيفه عند كل حدث أمني أو سياسي للهجوم على الإدارة السورية الجديدة.
الأكثر لفتاً للانتباه أن هذا الوسم لم يقتصر على صفحات معارضة للحكومة السورية، بل جمع أيضاً صفحات وحسابات تنتمي إلى توجهات مختلفة، بينها صفحات تنشر محتوى له علاقة بإيران، والدروز ومصر، وجدت جميعها في وسم #سوريا_المحتلة مساحة مشتركة لتوجيه رسائل متقاربة، رغم اختلاف خلفياتها.


كان من بين أكثر الصفحات استخداماً للوسم صفحتا "المجهر" و"عدسة سوريا"، اللتان رافقتا معظم منشوراتهما المتعلقة بالشأن السوري بوسم #سوريا_المحتلة، ولم يقتصر استخدامهما له على تغطية الهجوم الإسرائيلي على جنوب سوريا، بل استخدمته أيضاً في منشورات تناولت الشأن الداخلي السوري.
ففي يوم الهجوم نفسه، نشرت الصفحتان منشورات متطابقة وصفت فيها عناصر الأمن العام بـ"فصائل الجولاني"، وهو الوصف الذي يتكرر في خطاب الصفحات المعارضة للإدارة السورية الحالية، وجاء مرفقاً بوسم #سوريا_المحتلة.

أظهر تتبع مسار الوسم أن ظهوره لم يرتبط بالهجوم الإسرائيلي على قرية عابدين، بل يعود إلى كانون الثاني/يناير الماضي، حين بدأت صفحتا "المجهر" و"عدسة سوريا" استخدامه في منشورات تهاجم الإدارة السورية الجديدة، وتصف عناصر الأمن العام بـ"عصابات الجولاني".
وخلال الأشهر التالية، لم يعد الوسم مرتبطاً بحدث بعينه، بل تحول إلى أداة تتكرر مع كل تطور أمني أو سياسي في سوريا. ومع كل تظاهرة، أو حادث أمني، أو توغل إسرائيلي في الجنوب، كانت صفحات وحسابات مختلفة تعيد استخدامه، إلى جانب وسمي #سوريا_ليست_بخير و#سوريا_ليست_آمنة، في منشورات تهاجم الإدارة السورية الجديدة

#سوريا_المحتلة.. من وسم محدود إلى حملة رقمية واسعة
رغم أن استخدام وسم #سوريا_المحتلة بدأ على صفحتي "المجهر" و"عدسة سوريا" على منصة فيسبوك، فإنه لم يبق محصوراً فيهما. فعلى مدار نحو ستة أشهر، انتقل الوسم إلى عشرات الصفحات والحسابات التي تستخدمه في سياقات متشابهة، حتى أصبح من أكثر الوسوم حضوراً في المنشورات التي تهاجم الإدارة السورية الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وخلال شهر واحد فقط، ظهر الوسم في 296 منشوراً، محققاً ما يُقدر بـ1.7 مليون وصول، ونحو 21 ألف تفاعل، وفق بيانات التحليل.

ولم يكن انتشار الوسم ثابتاً طوال الفترة محل الرصد، بل ارتبط حضوره بتطورات المشهد السوري. فكلما شهدت البلاد حدثاً أمنياً أو سياسياً، عاد الوسم إلى الواجهة وارتفع معدل تداوله.
وسجل الوسم أولى ذروات انتشاره خلال الشهر الماضي، وتحديداً في 16 حزيران/يونيو، بالتزامن مع تظاهرات شهدها حي المزة في دمشق، تخللتها اشتباكات، إلى جانب منشورات هاجمت الإدارة السورية الجديدة والرئيس أحمد الشرع، ووصفته بـ"الإرهابي".

أما أعلى مستويات انتشار الوسم، فسُجلت في 13 تموز/يوليو، عقب الاشتباكات التي شهدتها محافظة السويداء، إذ ارتفع معدل استخدامه بصورة لافتة، بالتزامن مع موجة واسعة من المنشورات التي تناولت الأحداث هناك.
ولم يقتصر استخدام الوسم على تغطية التطورات الميدانية، بل استُخدم أيضاً في منشورات هاجمت الإدارة السورية الجديدة، وروجت لروايات تتهمها بالمسؤولية عن الأحداث، إلى جانب محتوى ركز على التوغل الإسرائيلي في جنوب سوريا.

وأظهرت تحليلات المحتوى أن 82% من المنشورات التي استخدمت وسم #سوريا_المحتلة حملت مشاعر سلبية، في حين اقتصرت نسبة محدودة على محتوى محايد أو إيجابي، بما يعكس غلبة الخطاب الناقد أو المعارض للإدارة السورية الجديدة في المنشورات المرتبطة بالوسم.


وأظهرت تحليلات المحتوى أن غالبية المنشورات ارتبطت بخطاب يغلب عليه الغضب تجاه الإدارة السورية الجديدة، كما كشفت سحابة الرموز الأكثر استخداماً عن حضور لافت لرمز الدائرة الحمراء، الذي يُستخدم عادةً للدلالة على التحذير أو التنبيه. ويشير تكرار هذا الرمز، إلى جانب طبيعة الخطاب المصاحب للوسم، إلى توظيف عناصر بصرية تعزز الرسائل السلبية المصاحبة للمحتوى.


وانعكست هذه النتائج على سحابة الوسوم الأكثر استخداماً، إذ برز وسمَا #المجهر و#عدسة_سوريا بوصفهما الصفحتين الأكثر استخداماً لوسم #سوريا_المحتلة، إلى جانب وسوم ارتبطت بالأحداث الأمنية في سوريا، مثل #دمشق و#الجولاني و#منبر_السويداء.

وعكست سحابة الوسوم الأكثر استخداماً في المنشورات، فبرزت كلمة "ما يسمى"، التي حضرت في المنشورات لتشير لعدم شرعية الإدارة السورية الحالية، بجانب كلمة "مصادر محلية" الكلمة التي استخدمتها الحسابات كمرجع لأي خبر غير موثق، بجانب حضور كلمات مثل "الصهيوني" و"حكومة الجولاني" و"الأمن العام" التي تخص الحوادث الأمنية في سوريا بجانب التعبير عن معارضة الإدارة الحالية.

صفحات من توجهات مختلفة قادت الترويج لوسم #سوريا_المحتلة
أظهر تحليل الحسابات الأكثر نشاطاً في نشر الوسم أن الترويج له قادته مجموعة من الصفحات التي تنتمي إلى توجهات مختلفة، شملت صفحات معارضة للإدارة السورية الجديدة، وأخرى مؤيدة لإيران، وحسابات ذات طابع صهيوني، إلى جانب صفحات مصرية وأخرى درزية. وعلى الرغم من اختلاف خلفياتها، فقد اشتركت جميعها في استخدام وسم #سوريا_المحتلة ومهاجمة الإدارة السورية الجديدة.

تصدرت صفحة "المجهر" قائمة الحسابات الأكثر نشراً للوسم، بعدما نشرت 154 منشوراً، تضمنت جميعها وسم #سوريا_المحتلة. وتُعد الصفحة حديثة النشأة، إذ أُنشئت في تموز/يوليو 2025. كما أظهرت خاصية الشفافية أنها تُدار بواسطة أربعة أشخاص، اثنان منهم في سوريا، بينما أخفى الآخران موقعيهما الجغرافيين.

وجاءت صفحة "عدسة سوريا" في المرتبة التالية بعدما نشرت 88 منشوراً. ورغم التشابه الكبير بين كثير من منشوراتها ومنشورات صفحة "المجهر"، فإن جانباً من محتواها أظهر تأييداً واضحاً لإيران. وتُعد الصفحة حديثة النشأة أيضاً، إذ أُنشئت قبل صفحة "المجهر" بثلاثة أيام فقط. كما أظهرت خاصية الشفافية أنها تُدار بواسطة سبعة أشخاص، ستة منهم في سوريا، بينما أخفى السابع موقعه الجغرافي.

كما برزت صفحة "منبر السويداء" على فيسبوك، بعدما نشرت 19 منشوراً استخدمت الوسم. وتُعد الصفحة حديثة نسبياً، إذ أُنشئت في حزيران/يونيو 2021. وأظهرت خاصية الشفافية أن اسمها عند إنشائها كان "شقق للبيع أو الإيجار – السويداء"، ثم تغير إلى "أراضٍ للبيع أو شقق للبيع والإيجار بالسويداء"، قبل أن يستقر على اسمها الحالي. كما تُدار الصفحة بواسطة ثلاثة أشخاص، اثنان منهم في الولايات المتحدة، والثالث في الإمارات.

كما استخدم وسم #سوريا_المحتلة حساب على إنستغرام يحمل اسم gvir.ben. ولا يضع الحساب صورة شخصية أو اسماً حقيقياً، بينما يركز محتواه على مهاجمة الإدارة السورية الجديدة مستخدماً أيضاً وسم #الجولاني_الإرهابي. وأظهرت بيانات الحساب أنه ينشط من لبنان.

كما شارك في نشر الوسم حساب يُدعى Haidar Mashhadia، ويظهر من محتواه تأييده للنظام السوري السابق ولإيران، إلى جانب مهاجمة الإدارة السورية الجديدة ووصفها بـ"الإرهاب". وأظهرت خاصية الشفافية للحساب أنه ينشط من العراق.

كما شاركت في نشر الوسم صفحة مصرية تُدعى "رسائل صندوق تحيا مصر". ووفقاً لوصفها، فهي مخصصة لتلقي الرسائل الموجهة إلى صندوق تحيا مصر، إلا أنها نشرت محتوى هاجم الإدارة السورية الجديدة ووصفها بـ"الإرهاب"، مستخدمة مجموعة من الوسوم، من بينها: #سوريا_المحتلة، و#ترحيل_السوريين_من_مصر، و#ترحيل_أتباع_الجولاني، و#ترحيل_خونة_الأوطان، و#الأمن_القومي_المصري.

لم يكن وسم #سوريا_المحتلة مجرد وصف استخدمه بعض المستخدمين على منصات التواصل، بل أظهرت البيانات أنه تحول إلى محور خطاب رقمي تبنته صفحات وحسابات من خلفيات مختلفة، تقاطعت في مهاجمة الإدارة السورية الجديدة وإعادة إنتاج الوصف ذاته. ويبين مسار انتشار الوسم، وطبيعة المحتوى المصاحب له، والحسابات الأكثر نشاطاً في ترويجه، كيف يمكن لعدد محدود من الصفحات أن يدفع بسردية بعينها إلى واجهة النقاش العام عبر التكرار وإعادة التداول، حتى تبدو وكأنها تعبر عن رأي واسع الانتشار.
إعداد: إبراهيم هلال