إعداد: إبراهيم هلال
تدهورت العلاقات بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي بصورة غير مسبوقة مع مطلع عام 2026، بعدما أعلن المجلس في الثاني من كانون الثاني/ يناير، ما وصفه بـ"الإعلان الدستوري" لدولة الجنوب العربي، في خطوة هدفت إلى تكريس انفصال جنوب اليمن عن شماله. وجاء الإعلان بعد سيطرة قوات المجلس على حضرموت والمهرة، قبل أن تشن قوات مدعومة من السعودية هجوماً مضاداً استعادت خلاله المحافظتين، أعقبته غارات جوية سعودية أخرجت قوات المجلس من أبين وشبوة، ما دفع رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، إلى مغادرة عدن متوجهاً إلى الإمارات في 7 كانون الثاني/ يناير.
واتهم السفير السعودي الزبيدي بأن قيادته للهجوم على حضرموت والمهرة كانت أخطر قراراته الأحادية، مؤكداً أنه رفض جميع جهود الرياض لاحتواء التصعيد.
وبالتزامن مع هذا التوتر السياسي والعسكري، بدأت منصات التواصل الاجتماعي تشهد نشاطاً متزايداً لوسوم تهاجم السعودية وتدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، قبل أن تتطور خلال الأشهر التالية إلى حملة رقمية دفعت بسرديات مناهضة للوجود السعودي في جنوب اليمن، ومؤيدة لمشروع الانفصال.
في هذا السياق، رصد "مجتمع التحقق العربي" عشرات الحسابات التي شاركت في نشر وتضخيم هذه الوسوم، إلى جانب مؤشرات على تنسيق في الرسائل وتكرار الخطاب الداعم لعيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي.
وسوم مناهضة للسعودية ظهرت مع تصاعد الأزمة
في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2026، وبعد يوم واحد من إعلان المجلس الانتقالي ما وصفه بـ"الإعلان الدستوري" لدولة الجنوب العربي، شنت القوات الجوية السعودية غارة على مدينة القطن في وادي حضرموت، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص بعدما استهدفت سيارة كانوا يستقلونها.
وفي أعقاب الغارة، نشر حساب يمني على منصتي "فيسبوك" و"إكس" يحمل اسم "ناصر الخليفي"، ويستخدم شعار المجلس الانتقالي الجنوبي صورةً شخصية، خبراً عن الغارة مرفقاً بوسم #محمد_بن_سلمان_مجرم_حرب، في أولى المؤشرات على انتقال الخلاف السياسي والعسكري إلى الفضاء الرقمي.

كانت العلاقات بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة عيدروس الزبيدي، قد دخلت مرحلة غير مسبوقة من التوتر مع نهاية عام 2025 وبداية عام 2026. ففي الثاني من كانون الثاني/ يناير، أعلن المجلس ما وصفه بـ"الإعلان الدستوري" لـ"دولة الجنوب العربي"، في خطوة هدفت إلى تكريس انفصال جنوب اليمن عن شماله، وذلك بعد إحكام سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة.
وردت السعودية بدعم قوات موالية لها لاستعادة المحافظتين، قبل أن تشن غارات جوية استهدفت مواقع تابعة للمجلس الانتقالي في أبين وشبوة، ما أدى إلى تراجع قواته، فيما غادر عيدروس الزبيدي عدن متوجهاً إلى الإمارات في 7 كانون الثاني/ يناير.
وعقب ذلك، اتهم السفير السعودي الزبيدي بأن قيادته للهجوم على حضرموت والمهرة كانت من أخطر قراراته الأحادية، مؤكداً أنه رفض جميع جهود الرياض الرامية إلى احتواء التصعيد.

تزامناً مع تصاعد التوتر بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي، ظهر في شباط/ فبراير 2026 وسم #الجنوب_يرفض_الوصاية_السعودية، وكان أول من نشره حساب يمني يحمل اسم "مفتاح خولان الصبيحي @shydhxd11016". ويُعد الحساب حديث النشأة، إذ أُنشئ عام 2025، ويستخدم صورة عيدروس الزبيدي غلافاً لحسابه، من دون صورة شخصية حقيقية، بينما يتكون اسم المستخدم من حروف وأرقام عشوائية، وهي من السمات التي ترتبط عادةً بالحسابات غير الأصيلة.
ورغم أن الحساب حدد موقعه في مدينة عدن، أظهرت خاصية الشفافية في منصة "إكس" أنه ينشط من منطقة "غرب آسيا"، وهي المنطقة التي تشير عادةً إلى الإمارات.
ولم يقتصر الأمر على هذا الوسم، ففي 16 مارس ظهر وسم جديد هو #الجنوب_رهن_إشاراتك_عيدروس، وكان أول من نشره حساب يحمل اسم "نافع بن كليب". وبفحص خاصية الشفافية للحساب، تبين أنه ينشط هو الآخر من منطقة "غرب آسيا"، رغم أنه يُعرّف نفسه على أنه ناشط من جنوب اليمن.

ومع اتساع استخدام هذه الوسوم، تشكلت حملة رقمية تبنت خطاباً مناهضاً للسعودية، وروجت لتأييد عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي، والدعوة إلى مشروع انفصال جنوب اليمن تحت مسمى "دولة الجنوب العربي".
مئات المنشورات دفعت بالوسوم المناهضة للسعودية
منذ كانون الثاني/ يناير 2026، تصاعد استخدام حسابات يمنية مؤيدة للمجلس الانتقالي الجنوبي لوسوم تهاجم السعودية، بالتزامن مع اتساع الخلاف بين الرياض وأبوظبي بشأن إدارة الملف اليمني. ففي الوقت الذي واصلت فيه الإمارات دعم المجلس الانتقالي الجنوبي ومشروع انفصال جنوب اليمن، دعمت السعودية مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، إلى جانب قوات "درع الوطن" التابعة له.

وفي موازاة ذلك، سعت السعودية إلى لعب دور الراعي الرئيسي للقضية الجنوبية، إذ دعت مختلف المكونات الجنوبية إلى مؤتمر للحوار الجنوبي-الجنوبي تستضيفه المملكة، بهدف التوصل إلى تصور مشترك بشأن مستقبل القضية الجنوبية. كما أعلن عدد من قيادات المجلس الانتقالي الموجودين في الرياض حل المجلس تمهيداً للمشاركة في المؤتمر.
غير أن هذا المسار قوبل برفض من أنصار عيدروس الزبيدي، الذين نظموا خلال حزيران/ يونيو 2026 فعاليات جماهيرية في عدن وحضرموت تحت شعار "رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال" السعودي، وهو ما انعكس بوضوح على النشاط الرقمي المصاحب لهذه الفعاليات.
وخلال الشهر الماضي، رصد التقرير نحو 1400 منشور استخدمت الوسوم المهاجمة للسعودية، وحققت هذه المنشورات أكثر من 218 ألف تفاعل، إلى جانب ما يُقدر بنحو 16 مليون مشاهدة.

ورغم أن الجزء الأكبر من المحتوى ارتبط بوسوم محددة، فإن حجم التفاعل الذي حققته المنشورات يعكس اتساع انتشار الخطاب المناهض للسعودية خلال فترة الرصد، بالتزامن مع تصاعد التوتر السياسي والميداني بين الطرفين.
وقد بلغت الحملة ذروة نشاطها في 18 حزيران/ يونيو، بالتزامن مع الفعاليات والمسيرات التي نظمها المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت وعدن. وخلال ذلك اليوم، دفعت حسابات يمنية بعدة وسوم، أبرزها:
#شعب_الجنوب_خلف_الرئيس_الزُبيدي
#الجنوب_رهن_اشارتك_عيدروس
#شعب_الجنوب_فوض_عيدروس
#عدن_المستقلة
واستخدمت هذه الوسوم للتعبير عن تأييد المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، ومهاجمة الوجود السعودي في جنوب اليمن، إلى جانب وصف قوات "درع الوطن" المدعومة من الرياض بأنها "قوات احتلال".

وأظهرت نتائج التحليل أن اليمن جاءت في صدارة الدول التي نشطت منها الحسابات المشاركة في الحملة، بفارق واضح عن بقية الدول، تلتها السعودية، ثم المملكة المتحدة، والإمارات، وكندا.
ويعكس هذا التوزيع أن النشاط الرئيسي للحملة انطلق من حسابات يمنية، مع مشاركة حسابات من دول أخرى ساهمت في إعادة نشر المحتوى وتوسيع نطاق انتشاره.
كما انعكس الاستخدام المكثف للوسوم على سحابة الوسوم الأكثر تداولاً، إذ برز وسم #شعب_الجنوب_فوض_عيدروس باعتباره الأكثر استخداماً خلال فترة الرصد.

وإلى جانبه، ظهرت وسوم أخرى لعبت دوراً محورياً في الحملة، من بينها:
#شعب_الجنوب_خلف_الرئيس_الزبيدي
#مليونية_رفض_الوصاية_ومناهضة_الاحتلال
#عدن_المستقلة
وجميعها وسوم استخدمت للتعبير عن تأييد المجلس الانتقالي الجنوبي، ومهاجمة الدور السعودي في جنوب اليمن.
كما أظهرت سحابة الكلمات الأكثر تداولاً تكرار مفردات وعبارات مثل: "المجلس الانتقالي"، و"الوصاية السعودية"، و"رفض الوصاية"، و"مليونية رفض"، وهي كلمات تعكس السردية الرئيسية التي تبنتها الحملة خلال فترة الرصد.

حسابات مؤيدة للمجلس الانتقالي قادت الحملة الرقمية
أظهرت نتائج التحليل أن عدداً من الحسابات المؤيدة للمجلس الانتقالي الجنوبي لعب دوراً محورياً في نشر الوسوم المناهضة للسعودية وتضخيمها، سواء عبر إطلاق الوسوم أو إعادة نشرها بكثافة على أكثر من منصة.
وجاء في مقدمة هذه الحسابات، حساب "نافع بن كليب"، الذي سبق ورصده التقرير باعتباره من أوائل الحسابات التي دفعت بأحد الوسوم الرئيسية للحملة. ويشير الحساب على منصة "فيسبوك" إلى أن صاحبه يعمل في "جبهة تحرير الجنوب"، كما يحدد موقعه في مدينة عدن.

وبفحص الحساب نفسه على منصة "إكس"، أظهرت خاصية الشفافية أنه ينشط من منطقة "غرب آسيا"، التي تشير عادةً إلى الإمارات. كما تركزت منشوراته على منصتي "فيسبوك" و"إكس" في مهاجمة السعودية، والترويج لعيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي، والدعوة إلى مشروع انفصال جنوب اليمن. وخلال شهر واحد فقط، نشر الحساب 193 منشوراً على منصة "فيسبوك".

ولم يقتصر النشاط على الحسابات الفردية، بل لعبت منصات إعلامية محسوبة على المجلس الانتقالي دوراً بارزاً في تضخيم الحملة.
فجاء حساب قناة "عدن المستقلة" (@aicaden_tv) على منصة "فيسبوك" في صدارة الحسابات الإعلامية الأكثر نشاطاً، بعدما نشر 89 منشوراً خلال شهر واحد، تضمنت جميعها الوسوم المؤيدة لعيدروس الزبيدي والمهاجمة للسعودية. كما أظهرت خاصية الشفافية أن الحساب يديره خمسة أشخاص من داخل اليمن.

وامتد النشاط إلى بقية منصات القناة، إذ نشر حسابها على "إنستغرام" 69 منشوراً، فيما نشر حسابها على "يوتيوب" 53 منشوراً خلال فترة الرصد، وهو ما يشير إلى اعتماد القناة على نشر الرسائل نفسها عبر منصات متعددة لتوسيع نطاق انتشارها.

كما شاركت في الحملة قناة أخرى على "يوتيوب" تحمل اسم "منصة صقور الجنوب الرقمية". وبفحص حساباتها على المنصات المختلفة، تبين أن صفحة المنصة على "فيسبوك" يديرها خمسة أشخاص، اثنان منهم من اليمن وثلاثة من مصر، بينما أظهرت خاصية الشفافية لحسابها على "إكس" أنه ينشط من منطقة شمال أفريقيا.

وشاركت أيضاً مجموعة من الحسابات اليمنية في دعم الوسوم، من بينها حساب "خالد حمود الشاوي"، الذي نشر 49 منشوراً على "إنستغرام" خلال شهر واحد، وحساب "جهاد عبد الكريم علي"، الذي يعرّف نفسه بأنه عضو في الفريق الإعلامي لاتحاد شباب الجنوب.

كما برز حساب "حمدي سعيد العمودي"، الذي أظهرت منشوراته تأييده لمشروع انفصال جنوب اليمن، بينما ورد في أحد منشوراته نص يقول: "تم إطلاق الهاشتاج التالي"، وهو ما يشير إلى مشاركته في الترويج للوسوم منذ بداياتها، وليس الاكتفاء بإعادة نشرها.

ومن بين الحسابات المشاركة أيضاً، حساب "محمد الريامي"، الذي اتهم السعودية بدعم جماعة الحوثي، ويعرّف نفسه بأنه منسق إقليمي في الأمم المتحدة، فيما أظهرت خاصية الشفافية أنه ينشط من إثيوبيا.

وتشير البيانات إلى أن الحسابات التي شاركت في الحملة، على اختلاف طبيعتها بين أفراد ومنصات إعلامية، تبنت خطاباً متقارباً في دعم المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، والترويج لمشروع انفصال جنوب اليمن تحت مسمى "دولة الجنوب العربي"، إلى جانب دفع الوسوم المناهضة للسعودية خلال فترة الرصد.
ولا تثبت هذه المؤشرات وحدها وجود جهة واحدة تدير جميع الحسابات، لكنها تكشف تقاطعاً في الرسائل، وتكراراً في الوسوم، وتزامناً في النشر بين عدد من الحسابات والمنصات، بما يدعم فرضية وجود نشاط رقمي منسق لتضخيم الخطاب المؤيد للمجلس الانتقالي الجنوبي والمناهض للسعودية.
إعداد: إبراهيم هلال