مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

من 17 أيار إلى "اتفاق الذل".. كيف تحول "الاتفاق مع إسرائيل" إلى موجة تعبئة رقمية موجهة ضد السلطة اللبنانية؟

من 17 أيار إلى "اتفاق الذل".. كيف تحول "الاتفاق مع إسرائيل" إلى موجة تعبئة رقمية موجهة ضد السلطة اللبنانية؟

أُعلن في واشنطن، في 26 حزيران/يونيو 2026، عن اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل، بوصفه تفاهماً أولياً يحدد المبادئ العامة لمسار تفاوضي بين الطرفين والقضايا التي يفترض بحثها لاحقاً، من دون أن يعني التوصل إلى تسوية نهائية. وجاء الإعلان في سياق حساس، مع استمرار التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بينما لم تتضح للرأي العام تفاصيل كاملة حول بنود الاتفاق أو الالتزامات التي قد تترتب عليه.

فتح ذلك المجال أمام قراءات سياسية متباينة، خصوصاً في ظل الذاكرة اللبنانية المرتبطة باتفاق 17 أيار 1983. فبينما يمكن النظر إلى الاتفاق بوصفه إطاراً لتنظيم التفاوض أو خفض التوتر، قدّمه معارضوه على المنصات الرقمية باعتباره خطوة تمهّد لتنازلات سياسية أو أمنية، وربطوه سريعاً بسرديات "الذل" و"العار" و"الخيانة".

ما إن أُعلن عن الاتفاق، حتى انتقل النقاش الرقمي من متابعة الخبر إلى إعادة تعريفه بلغة أخلاقية وسياسية حادة. لم يُقدَّم الاتفاق في كثير من المنشورات بوصفه مساراً قابلاً للنقاش، بل وُصف بأنه "ذل" و"عار" وامتداد لذكرى اتفاق 17 أيار.

تُظهر البيانات التي حللناها أن موجة الرفض لم تتحرك حول وسم واحد، ولم تتشكل بلغة عفوية متباعدة. خلال نافذة التصعيد بين 22 و28 حزيران/يونيو، برزت حزمة من الوسوم والعبارات المتقاربة، بينها #دوله_العار و #عهد_العار، و #اتفاق_الذل و #سلطة العار و"17 أيار". لم تكن هذه المفردات مجرد تعبيرات عن رفض سياسي، بل أسهمت في تأطير الاتفاق باعتباره تنازلاً يمس الشرعية الوطنية، وفي تقديم السلطة اللبنانية بوصفها طرفاً مسؤولاً عنه.

كما تكشف البيانات عن موجة قصيرة وحادة ارتبطت بلحظة الإعلان. فقد ارتفع حجم النشر فجأة في 26 و27 حزيران/ يونيو، مع حضور أكبر على منصة "X"، وتفاعل مركز في عدد محدود من مقاطع "TikTok"، ونقاشات أكثر تفصيلاً في منشورات وتعليقات "Facebook". ويكشف هذا التوزيع عن انتقال الرسالة بين منصات مختلفة، مع تغير شكلها من وسم سياسي مختصر إلى محتوى وجداني أو نقاش مباشر. 

يرصد هذا التقرير كيف تشكلت هذه الموجة، وما اللغة التي دفعتها، وكيف توزعت أدوار المنصات والحسابات الأكثر تأثيراً فيها، وما الذي تسمح البيانات بالقول عنه بشأن طبيعة التعبئة الرقمية التي صاحبت الإعلان عن الاتفاق. 

 



كيف رصدنا الموجة؟

حللنا 797 منشوراً وذكراً رقمياً نُشرت بين 28 أيار/مايو و1 تموز/يوليو 2026، وتضمنت كلمات أو وسوماً مرتبطة بالنقاش حول اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل. وشمل الرصد منشورات عامة على منصات "X" و
Facebook" و"TikTok" و"Instagram"، إلى جانب منصات أخرى أقل حضوراً في العينة. 

ولأن التصعيد الأساسي جاء عقب الإعلان عن الاتفاق في 26 حزيران/يونيو، ركزنا التحليل على نافذة زمنية أقصر امتدت من 22 إلى 28 حزيران/يونيو. وخلال هذه الفترة، سجلت البيانات 556 ذكراً رقمياً. 

لم يقتصر الاستعلام على وسم واحد، بل شمل مجموعة من الكلمات والوسوم التي ظهرت في سياق متقارب، من بينها "17 أيار"، و#دولة_العار، و#عهد_العار، و#اتفاق_الذل، و#اتفاق_العار، و#سلطة_العار. وقد أتاح ذلك تتبع الموجة بوصفها حزمة سردية، لا مجرد نشاط حول وسم منفرد. 

واعتمد التحليل على أربعة مؤشرات رئيسية: حجم النشر وتغيره زمنياً، وتوزيع المنشورات والتفاعل والوصول بين المنصات، وتكرار الوسوم والعبارات، وتركيز الوصول والتفاعل لدى الحسابات الأكثر تأثيراً. ولا تكفي هذه المؤشرات وحدها لإثبات وجود إدارة مركزية أو استخدام حسابات آلية، لكنها تساعد في تحديد مدى تماسك الرسائل، وكيفية انتقالها، وطبيعة الحسابات والمنصات التي أسهمت في تضخيمها. 

كما تعامل التقرير مع أرقام الوصول والتفاعل باعتبارها مؤشرات على حجم الانتشار والتأثير داخل العينة، لا قياساً كاملاً للرأي العام اللبناني أو لجميع النقاشات الرقمية المرتبطة بالاتفاق. 


من بروفة "17 أيار" إلى انفجار 26 و27 حزيران/ يونيو



لم تبدأ موجة #سلطة_العار من الصفر يوم إعلان الاتفاق. قبل الذروة بأيام وأسابيع، رصدت البيانات ما يشبه "البروفة السردية": إشارات متفرقة، لكنها دالة، تستدعي اتفاق 17 أيار وتربطه مسبقاً بأي مسار تفاوضي مع إسرائيل. في الذاكرة السياسية اللبنانية، لا يظهر "17 أيار" كتاريخ عابر، بل رمزاً لاتفاق سقط تحت ضغط الرفض السياسي والشعبي والمسلح. لذلك، بدا استدعاؤه في النقاش الرقمي كتهيئة مسبق للمعركة: فإذا كان الاتفاق الجديد يشبه 17 أيار، تصبح النتيجة المطلوبة واضحة: إسقاطه.

تظهر هذه البروفة بوضوح في البيانات الكاملة قبل نافذة التصعيد. ففي 4 حزيران/يونيو، سجّل العينة 64 منشوراً مرتبطاً بالحزمة المرصودة، مع وصول قارب 3.4 مليون. لم تكن هذه الذروة مرتبطة بعدُ بانفجار النقاش حول الاتفاق، كما حدث لاحقاً، لكنها أظهرت أن اللغة كانت حاضرة بالفعل: "17 أيار"، و"اتفاق الذل"، و"إسقاط الاتفاق"، ورفض أي تفاوض يُصوَّر بوصفه تنازلاً أمام إسرائيل. بمعنى آخر، كانت هذه المفردات متداولة قبل الإعلان، ثم منحها الاتفاق الجديد فرصة للانتشار على نطاق أوسع.

داخل نافذة 22–28 حزيران/يونيو، بقيت الحركة محدودة في الأيام الأولى. ففي 22 حزيران/يونيو، سجّلت البيانات أربعة منشورات فقط. وفي 24 حزيران/يونيو ظهرت ثلاثة منشورات، ثم منشور واحد في 25 حزيران/يونيو. ويكشف هذا الهدوء النسبي أن الموجة لم تتصاعدً تدريجياً، بل جاءت في صورة قفزة حادة تزامنت مع لحظة سياسية محددة.

جاء التحول في 26 حزيران/يونيو. في ذلك اليوم، قفزت البيانات إلى 177 منشوراً، مع وصول تجاوز 2.1 مليون وتفاعلات بلغت 3,296. هنا خرجت السردية من طور التمهيد إلى طور التعبئة؛ فلم يعد "17 أيار" مجرد ذاكرة تاريخية تُستدعى في منشورات متفرقة، بل أصبح جزءاً من إطار أوسع يقدّم الاتفاق بوصفه نسخة جديدة من اتفاق مرفوض، ويصور السلطة باعتبارها طرفًا في "اتفاق الذل" و"دولة العار".

في اليوم التالي، 27 حزيران/يونيو، وصلت الموجة إلى ذروتها الكمية، إذ سجّلت البيانات 258 منشوراً و5,100 تفاعل. واللافت أن الوصول، رغم ارتفاع عدد المنشورات والتفاعلات، كان أقل من وصول 26 حزيران/يونيو، إذ بلغ نحو 1.4 مليون. ويشير هذا الفارق إلى اختلاف طبيعة النشاط بين اليومين: كان 26 حزيران/يونيو يوم انتشار واسع ارتبط بالحدث، بينما اتسم 27 حزيران/ يونيو بزيادة عدد المنشورات وتكرار الرسالة وتوسيع تداولها عبر حسابات أكثر.

بحلول 28 حزيران/يونيو، بدأ الحجم يتراجع إلى 113 منشوراً، لكن الموجة لم تختف. ظل الوصول فوق مليون، وبلغت التفاعلات 2,870. ويشير ذلك إلى أن الذروة القصيرة لم تكن ضجيجاً لحظياً انتهى فوراً، بل امتد أثرها ليوم ثالث على الأقل. وانتقلت المحادثة من الصدمة الأولى إلى تثبيت إطار يقرأ الاتفاق صار عبر مفردات العار والذل والخيانة، لا عبر تفاصيله السياسية أو القانونية فقط.

تكشف هذه الحركة الزمنية عن نمط واضح: تمهيد رمزي سابق، ثم انفجار ارتبط بالحدث، أعقبه يوم ثانٍ من تكثيف تداول السردية، ثم تراجع تدريجي مع بقاء أثرها. بهذا المعنى، ارتبطت الذروة بالإعلان عن الاتفاق، لكنها اعتمدت على مفردات رفض كانت حاضرة في النقاش قبل ذلك. وفر الاتفاق الشرارة، بينما كانت مفردات الرفض متداولة قبل ذلك.

الحزمة السردية: كيف صُنعت لغة العار والذل؟

حين انفجرت الموجة في 26 و27 حزيران/يونيو، لم يكن اللافت عدد المنشورات فقط، بل اللغة التي حملتها. فالبيانات لا تُظهر نقاشاً واسعاً بصيغ متباينة حول الاتفاق، بل تكشف عن قاموس متقارب أعاد إنتاج المعنى نفسه عبر وسوم وعبارات متشابهة: العار، والذل، والخيانة، وفقدان الشرعية، واستدعاء "17 أيار".


داخل نافذة 22–28 حزيران/يونيو، لم يكن #سلطة_العار هو الوسم الوحيد ولا حتى الأكثر حضوراً. أظهرت البيانات أن #دوله_العار ظهر 141 مرة، و#عهد_العار 134 مرة، و#اتفاق_الذل 108 مرات، و#اتفاق_العار 43 مرة، ثم #سلطة_العار 40 مرة و#سلطة_العار 34 مرة. وإلى جانب ذلك، حضرت وسوم أخرى مثل #جوزف_عون، و#نواف_سلام، و#اتفاق_الإطار، و#اتفاق_الخيانة_والخضوع.

ويكشف هذا التوزيع أن الموجة لم تُبنَ على وسم واحد، بل على شبكة من الوسوم التي أدت وظيفة متقاربة: نقل النقاش من مستوى الخلاف السياسي السياسة إلى مستوى الإدانة الأخلاقية. فالاعتراض لم يظهر بوصفه خلافاً على بنود الاتفاق أو مسار التفاوض، بل باعتباره حكماً على الاتفاق والسلطة معاً؛ اتفاق يوصف بأنه "ذل"، وسلطة تُربط "عار"، ومن يقف خلفه متهم بالخضوع أو الخيانة.



في قلب هذه اللغة، ظهر "17 أيار"  بوصفه أكثر من إشارة تاريخية؛ إذ مثل مفتاحاً لتفسير اللحظة الراهنة. فاستدعاء الاتفاق السابق لم يعمل كتذكير بالماضي فقط، بل كأداة للقياس والإدانة: إذا كان 17 أيار قد أصبح في الذاكرة السياسية اللبنانية رمزاً لاتفاق مرفوض مع إسرائيل، فإن ربط الاتفاق الجديد به يمنح الجمهور نتيجة جاهزة قبل الدخول في تفاصيله. ولا يعود السؤال: ماذا يتضمن الاتفاق؟ بل: كيف يمكن منع تكرار ما يُقدَّم بوصفه عاراً قديماً في صورة جديدة؟

بهذا المعنى، أدت الذاكرة السياسية دوراً تعبوياً مباشراً. لم ترصد البيانات ترصد مجرد غضب من حدث راهن، بل إدخالاً لهذا الحدث في سردية أقدم وأكثر رسوخاً. الاتفاقية لم يقرأ الاتفاق بوصفه وثيقة دبلوماسية، بل امتداداً لمسار تاريخي من "الإملاء" و"التنازل" و"التطبيع". ومن هنا جاءت قوة الوسوم: إذ أضاف كل منها طبقة إلى الاتهام، بدل أن يكرر العبارة نفسها فقط. 

وتبدو هذه البنية أوضح عند النظر إلى مفردات الموجة مجتمعة. فـ "اتفاق الذل" يضع حكماً أخلاقياً على الاتفاق نفسه، و"دولة العار" ينقل الاتهام إلى بنية الحكم، و"عهد العار" يربطه بالقيادة السياسية القائمة، و"اتفاق الخيانة والخضوع" يرفع سقف الاتهام من الرفض إلى التخوين. أما "17 أيار" فيمنح هذه المفردات ذاكرة جاهزة قابلة للاستدعاء. وبذلك أدت الوسوم أدواراً متكاملة داخل الإطار نفسه، الذي قدّم الاتفاق بوصفه مساساً بالشرعية لا مجرد خلاف سياسي. 

وتكشف البيانات أيضاً أن هذه اللغة لم تبقَ حبيسة منصة واحدة. فقد ظهرت الحزمة نفسها على "X" بوصفها وسوماً وشعارات سياسية، وعلى "TikTok" في مقاطع قصيرة مشحونة وجدانياً، وعلى "Facebook" داخل منشورات وتعليقات أكثر مباشرة. ولا يعني هذا العبور بين المنصات، بالضرورة، وجود إدارة مركزية للموجة، لكنه يوضح أن الرسالة كانت قابلة للنقل وإعادة التداول، لأنها بسيطة وحادة ومحمّلة مسبقاً بالمعنى. 

وهنا تظهر درجة التوجيه السردي داخل الموجة. فالغضب من الاتفاق قد يكون مفهوماً في سياقه اللبناني، لكن البيانات تشير إلى أنه تحرك داخل قاموس متقارب اختصر الموقف في ثنائية واضحة: سلطة تتنازل، واتفاق يُذل، وذاكرة وطنية تُستدعى لرفضه. لذلك، لم تكن الوسوم مجرد علامات تصنيف، بل أدت دورًا في توجيه قراءة الاتفاق قبل مناقشة تفاصيله. 

 

المنصات وتوزيع الأدوار: أين صُنعت الكتلة؟ وأين شُحنت العاطفة؟

لم تنتشر موجة "العار" بالطريقة نفسها على جميع المنصات. تكشف البيانات الخام أن كل منصة أدت دوراً مختلفاً داخل الموجة: كان "X" ساحة الكثافة والانتشار السياسي، بينما ظهر "TikTok" مساحة للشحنة العاطفية العالية، وبرز "Facebook" مجالاً للنقاش والتعليقات. وتوضح هذه الفروق أن الرسالة نفسها اتخذت أشكالاً مختلفة بحسب طبيعة كل منصة وجمهورها. 

داخل نافذة 22–28 حزيران/يونيو، سجّلت البيانات 556 ذكراً. واستحوذ "X" وحده على 461 ذكراً، أي نحو 83% من الحجم الكلي. كما سجّل قرابة 4.59 مليون وصول من أصل 4.84 مليون وصول في النافذة، أي نحو 95% من إجمالي الوصول. وتشير هذه الأرقام إلى أن "X" كان المنصة الرئيسية للموجة من حيث الحجم والانتشار، إذ ظهرت عليه الوسوم بكثافة، وتداولت الحسابات عبارات سياسية قصيرة ربطت الاتفاق برموز مثل "17 أيار" و"اتفاق الذل" و"عهد العار" و"دولة العار". 

لكن هيمنة "X" على الحجم والوصول لا تعني أنه كان المنصة الأعلى من حيث التفاعل لكل منشور. فقد بلغ متوسط التفاعل على "X" نحو 14 تفاعلاً لكل ذكر، مقابل متوسط وصول يقارب 9,953 لكل منشور. ويشير ذلك إلى أن المنصة أدت، في المقام الأول، دوراً في بث الرسالة وتكرارها وتوسيع انتشارها، أكثر من كونها مساحة لنقاش مطوّل حولها. 

على الطرف الآخر، ظهر "TikTok" بصورة مختلفة. لم تسجّل البيانات سوى خمسة منشورات على المنصة داخل النافذة، أي أقل من 1% من حجم العينة، لكنها حققت 3,960 تفاعلاً، أي نحو ثلث التفاعلات الإجمالية المسجلة خلال الفترة. وبلغ متوسط التفاعل على "TikTok" نحو 792 تفاعلاً لكل منشور، وهو أعلى بكثير من المتوسط على"X" أو "Facebook" أو "Instagram". وهنا لم تعمل الرسالة بوصفها وسماً سياسياً فقط، بل ظهرت في محتوى قصير ومشحون وجدانياً، اختُصر فيه الاتفاق في عبارات مثل "هدنة الذل" و"اتفاق الذل"، بما يحول الخبر إلى شعور مباشر بالغضب أو السخرية أو الاتهام. 

ويكشف هذا الفرق بين "X" و"TikTok" أحد ملامح الموجة. فعلى "X"، انتشرت السردية في صورة عبارات سياسية قابلة للتكرار، بينما تحولت على "TikTok" إلى محتوى بصري وصوتي أكثر قدرة على إثارة التفاعل. ويفسر ذلك لماذا لم يكن"TikTok" كبيراً من حيث الحجم، لكنه كان بارزاً من حيث التفاعل؛ إذ ساهم عدد محدود من المقاطع في تكثيف البعد الوجداني للنقاش، ثم إعادة تداول بعض مفرداته عبر منصات أخرى. 

أما "Facebook"، فظهر في البيانات كمنصة أقل حجماً من "X"، لكنها أكثر ارتباطاً بالتعليقات والنقاش. فقد سجّلت البيانات 67 ذكراً على "Facebook"، مقابل 461 على "X"، لكنها احتوت على 315 تعليقاً من أصل 705 تعليقات في النافذة كلها، أي نحو 45% من إجمالي التعليقات. وتشير هذه النسبة إلى أن "Facebook" لم يكن قناة نشر فقط، بل مساحة للأخذ والرد، حيث تحولت الرسالة من شعار مختصر إلى نقاش مباشر، وأحياناً إلى اتهامات وردود وتبريرات أكثر تفصيلاً. 

وبينما حقق X" 6,541" تفاعلاً من 461 ذكراً، وFacebook" 1,065" تفاعلاً من 67 ذكراً، سجّل TikTok 3,960 تفاعلاً من خمسة منشورات فقط. ولا تعني هذه المقارنة أن "TikTok" قاد الموجة، بل إنه أضاف إليها طاقة تفاعلية مركزة. كما لا تعني أن "Facebook" كان المنصة الأكثر انتشاراً، بل إنه كان المجال الذي بدت فيه المحادثة أكثر كثافة من حيث التعليقات والردود. أما "X"، فظل المنصة التي منحت الموجة حجمها السياسي وإيقاعها العام. 

وتظهر أهمية هذا التوزيع أيضاً في لحظات الذروة. ففي 26 حزيران/يونيو، قفز حجم النشر على"X" مع إعلان الاتفاق، وظهرت ذروة واضحة خلال ساعات الظهيرة وما بعدها؛ إذ سجلت الساعة الثالثة عصراً 41 منشوراً، والساعة الثانية 38 منشوراً. وفي اليوم التالي، 27 حزيران/يونيو، انتقلت الموجة إلى مرحلة زيادة التداول، مع ذروة لافتة عند الخامسة صباحًا بلغت 39 منشوراً. وتشير هذه القفزات الزمنية إلى أن الموجة لم تكن موزعة بانتظام على مدار اليوم، بل تحركت في دفعات قصيرة ومركزة. 

واللافت أن أعلى لحظات الوصول لم تكن بالضرورة هي الأعلى من حيث حجم النشر. ففي 28 حزيران/يونيو، سجلت الساعة الثالثة عصراً خمسة منشورات فقط، لكنها حققت أكثر من 646 ألف وصول، مدفوعة بمنشور واحد واسع الانتشار. ويعني ذلك أن الموجة لم تعتمد على كثافة النشر وحدها؛ إذ كان عدد محدود من المنشورات قادراً على رفع مستوى النقاش إذا صدر عن حساب ذي وصول مرتفع أو حمل صياغة قابلة للتداول. 

وتكشف الحسابات الأكثر تأثيراً الصورة نفسها. فقد حققت بعض الحسابات وصولاً واسعاً من منشور واحد تقريباً، مثل حساب سجّل منشوراً واحداً بأكثر من 635 ألف وصول و908 تفاعلات. وفي المقابل، ظهرت حسابات أخرى بكثافة نشر أعلى، لكن بتأثير أقل. كما برز صناع محتوى على "TikTok" و"Instagram" بتفاعل مرتفع من عدد محدود جداً من المنشورات. وتوضح هذه البنية المختلطة أن الموجة جمعت بين حسابات كثيرة شاركت في النشر، وعدد محدود من الحسابات التي رفعت الوصول أو التفاعل؛ وهو ما يجعلها أقرب إلى تعبئة شبكية مرنة، لا إلى حملة مركزية بسيطة ولا إلى غضب عشوائي بالكامل. 

وتوضح هذه النتائج أن المنصات أدت وظائف متباينة في انتشار الرسالة نفسها. منح "X" السردية مجالها السياسي ووسومها القابلة للتكرار، وأعطاها "TikTok" شكلاً وجدانياً مركزاً، بينما فتح "Facebook" مساحة أكبر للجدال والتعليق. أما "Instagram"، فظهر مساراً ثانوياً لإعادة نشر بعض المضامين أو تدويرها بصرياً، لا بوصفه منصة قيادة. وتوضح هذه الأدوار المتمايزة أن الرسالة كانت قابلة للتحول بين المنصات: شعار على"X"، ومقطع غاضب على "TikTok"، ومنشور نقاشي على "Facebook". 

وبذلك، لا تكشف البيانات فقط أين انتشرت الموجة، بل كيف تحركت بين المنصات. فقد احتاجت إلى"X" كي تكتسب حجماً وانتشاراً سياسياً، وإلى "TikTok" لتكثيف جانبها الوجداني، وإلى "Facebook" لتتحول إلى نقاش أوسع. وهذه ليست أدلة على حملة غير أصيلة، لكنها مؤشرات على تعبئة سردية متماسكة استفادت من خصائص المنصات المختلفة لدفع الرسالة نفسها: الاتفاق ليس مساراً سياسياً فحسب، بل يُقدَّم بوصفه "ذلاً" و"عاراً" وعودة إلى جرح 17 أيار. 

من صنع الزخم؟ قاعدة واسعة وعُقد تأثير محدودة

لا تُظهر البيانات موجة صنعها حساب واحد أو مجموعة صغيرة فقط. داخل نافذة 22–28  حزيران/يونيو، ظهر 328 حساباً معروفاً في العينة، نشر 260 منها مرة واحدة فقط، فيما نشر 44 حساباً مرتين، مقابل 24 حساباً نشرت ثلاث مرات أو أكثر. ويشير هذا التوزيع إلى اتساع أفقي واضح: حسابات كثيرة دخلت النقاش، ودفعت الوسوم، وأعادت إنتاج الرسالة بدرجات متفاوتة.

لكن هذا الاتساع لا يعني أن التأثير كان موزعاً بالتساوي. فعند قياس الوصول والتفاعل، تظهر بنية أكثر تركّزاً؛ إذ صنعت أعلى عشرة حسابات معروفة قرابة نصف الوصول المعروف، ونحو 60% من التفاعلات المعروفة. أي إن الموجة اعتمدت على قاعدة واسعة في النشر، لكنها احتاجت إلى عدد محدود من الحسابات الأكثر تأثيراً كي تتحول إلى موجة مرئية وواسعة الانتشار.

ويُعد هذا النمط مهماً لفهم طبيعة التعبئة. فالحسابات الصغيرة والمتوسطة منحت الوسوم كثافتها العددية، بينما أدت الحسابات الأعلى وصولاً دوراً مضاعفاً في انتشار السردية. حقق بعضها أثراً واسعاً من منشور واحد أو عدد محدود من المنشورات، فيما ظهر بعضها الآخر بوتيرة نشر أعلى، لكن بتأثير أقل. وهكذا تحركت الرسالة في مسارين متوازيين: شاركت حسابات كثيرة في النشر، بينما رفعت مجموعة أصغر من الحسابات مستوى الوصول والتفاعل.


بهذا المعنى، لم يصنع الزخم "الجمهور" وحده، ولم تصنعه الحسابات الأكثر تأثيراً وحدها. ما تكشفه البيانات هو تفاعل بين الطرفين: قاعدة واسعة تكرر الإطار، وحسابات ذات وصول أكبر تمنحه قابلية أعلى للانتشار. وهذه البنية الهجينة هي ما جعل سردية "العار" و"الذل" تتجاوز حدود المنشورات الفردية، وتتحول إلى موجة رقمية واسعة ضد الاتفاق.

وتشير البيانات، في مجملها، إلى أن الهجوم الرقمي على الاتفاق لم يكن مجرد تفاعل متفرق؛ فقد تكثف في فترة قصيرة، وتحرك حول وسوم متقاربة، وانتقل بين أكثر من منصة، واعتمد على قاموس واحد تقريباً: العار، والذل، والخيانة، وفقدان الشرعية. كما تظهر في العينة نصوص متكررة وقوالب لغوية متشابهة، بما يشير إلى إعادة تداول جزء من الرسائل بدل إنتاجها من الصفر في كل مرة.

وما تثبته البيانات بدرجة أقوى هو وجود تعبئة رقمية ذات إطار سردي متماسك: غضب سياسي تحرك داخل لغة واضحة، سبقته إشارات تمهيدية، ثم تصاعد مع إعلان الاتفاق، ودُفع عبر وسوم وعبارات متكررة وحسابات متفاوتة التأثير.

لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للجزم بوجود شبكة حسابات آلية أو إدارة مركزية للحملة. وهي تشير، في المقابل، إلى أن الموجة لم تكن عفوية بالكامل من حيث اللغة والإطار الذي تحركت داخله، بل حملت مؤشرات على تكرار الرسائل وتكثيف تداولها، مع حاجة إلى أدلة إضافية لتأكيد وجود تنسيق تشغيلي مباشر بين الحسابات المشاركة.



 إعداد: شريف مراد