مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

صدى إلكتروني للرد الإيراني.. كيف نشطت شبكات خطاب “إيران السند الحقيقي للبنان”؟

صدى إلكتروني للرد الإيراني.. كيف نشطت شبكات خطاب “إيران السند الحقيقي للبنان”؟

في أعقاب قصف إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، تحوّل الرد الإيراني على إسرائيل إلى مادة تعبئة رقمية داخل بيئات مؤيدة لحزب الله وإيران على منصة “إكس”. ولم يقتصر التفاعل على الاحتفاء بالضربة بوصفها رداً عسكرياً، بل قُدمت في عدد من المنشورات بوصفها دليلاً سياسياً ورمزياً على أن طهران لم تترك حزب الله أو لبنان في مواجهة إسرائيل.

برزت خلال هذه الموجة وسوم مثل #العصف_المأكول و#الرد الإيراني و#ساده_عند_الولي_الفقيه، مصحوبة بعبارات امتنان لإيران، وإشارات إلى  “وحدة الساحات”، وسرديات اعتبرت أن الرد الإيراني يفند الخطاب المناوئ لحزب الله، ولاسيما الاتهامات التي رأت أن الحزب ورّط لبنان في المواجهة أو تُرك وحيدًا خلالها.

لا تسعى هذه المادة  إلى تقييم الرد الإيراني عسكرياً، أو تحليل مواقف الأطراف السياسية، بل إلى فحص السلوك الرقمي الذي أعقب الحدث. هل تعكس هذه الموجة تفاعلاً عضوياً داخل بيئة مؤيدة لحزب الله وإيران، أم تكشف البيانات عن مؤشرات على تضخيم منسق أو سلوك غير أصيل ساهم في دفع خطاب الامتنان لإيران داخل النقاش العام على منصة “إكس”؟

للإجابة عن هذا السؤال، حللنا عينة من المنشورات المرتبطة بالوسوم الثلاثة، مع التركيز على الفترة التي أعقبت الرد الإيراني، واختبرنا ثلاثة مستويات من الأدلة: حجم الوصول والتفاعل، وتكرار السرديات والعبارات، والبنية الشبكية للعلاقات بين الحسابات والوسوم، بما في ذلك التشابه النصي والتزامن الزمني بين المنشورات.

سؤال البحث

هل تكشف البيانات عن تضخيم منسق لخطاب الامتنان لإيران بعد الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية، أم أنها تشير أساساً إلى تعبئة خطابية عضوية داخل بيئة رقمية مؤيدة لحزب الله وإيران؟

ما الذي فحصناه؟

اعتمد التحليل على بيانات مستخرجة من أداة Brand Mentions لثلاثة وسوم ارتبطت بالموجة الرقمية التي أعقبت الرد الإيراني:

  • #العصف_المأكول
  • #الرد_الايراني
  • #ساده_عند_الولي_الفقيه

وركز التحليل على المنشورات التي ظهرت اعتباراً من  7 حزيران/ يونيو 2026 ، باعتبارها هذه النافذة الزمنية الأقرب إلى الرد الإيراني وما تلاه من تفاعل على منصة “إكس”.

تضمنت العينة الأساسية 78 منشورًا، نشرها نحو 58 حسابًا، وحققت وصولًا تقديريًا يقارب 1.19 مليون مستخدم، إلى جانب قرابة 4.7 آلاف تفاعل.

ولأن وسم #العصف_المأكول كان نشطًا قبل واقعة الرد الإيراني، لم يتعامل التحليل مع كامل الرصيد السابق للوسم بوصفه جزءًا من موجة الرد. وبدلًا من ذلك، جرى التمييز بين النشاط العام السابق للوسم والمنشورات الأقرب زمنيًا إلى الحدث، لتجنب الخلط بين الحركة الرقمية السابقة والموجة التي أعقبت الرد الإيراني مباشرة.

ولفحص ما إذا كانت الموجة تعكس تعبئة عضوية أم مؤشرات على تضخيم منسق، اختبر التحليل ثلاثة مستويات من الأدلة: حجم الوصول والتفاعل، وتكرار العبارات والسرديات، و البنية الشبكية للعلاقات بين الحسابات والوسوم، بما يشمل التشابه النصي والتزامن الزمني بين المنشورات.



موجة محدودة الحجم… لكنها عالية الدلالة سياسياً


لا تشير البيانات إلى موجة رقمية ضخمة بالمعنى الكمي. ففي النافذة التي ركز عليها التحليل، من 7 حزيران/ يونيو وما بعده، رصدت العينة 78 منشوراً نشرها قرابة 58 حساباً، وحققت وصولاً تقديرياً يقارب 1.19 مليون، إلى جانب نحو 4.7 ألف تفاعل.

وعند تضييق النافذة الزمنية لتقتصر على الفترة التي أعقبت الرد الإيراني مباشر، ينخفض حجم العينة إلى نحو 58 منشوراً، نشرها حوالي 42 حساباً، مع وصول تقديري يقارب 709 آلاف، ونحو 3.1 ألف تفاعل. ويكتسب هذا الفارق أهمية منهجية، لأن وسم #العصف_المأكول كان نشطًا قبل واقعة الرد الإيراني، ولم يظهر للمرة الأولى معها. لذلك، لا يمكن التعامل مع كامل النشاط المرتبط بالوسم بوصفه انعكاساً مباشراً للرد، بل ينبغي الفصل بين الرصيد السابق للوسم والموجة التي أعقبت الحدث.

لكن محدودية الحجم لا تعني ضعف الدلالة. فقد ارتبطت الموجة بحدث إقليمي حساس تمثل في قصف الضاحية الجنوبية، ثم الرد الإيراني، وما تبعه من جدل حول موقع حزب الله وإيران في المواجهة مع إسرائيل. وفي هذا السياق، لم تظهر المنشورات بوصفها احتفاءً عابراً بضربة عسكرية فحسب، بل بوصفها محاولة لإعادة تثبيت معنى سياسي محدد، مفاده أن إيران ما زالت حاضرة في المواجهة، وأن حزب الله وبيئته لم يُتركا وحدهما.

واتخذ الخطاب داخل العينة طابعاً سياسياً ورمزيًا كثيفًا. تكررت عبارات تشكر إيران، أو تصفها بأنها “السند الحقيقي للبنان”، أو تربط الرد الإيراني بالدفاع عن الضاحية. كما حضرت مفردات “وحدة الساحات” بوصفها إطارًا يربط لبنان وإيران والمواجهة مع إسرائيل في مسار واحد، في مقابل سرديات مناوئة اتهمت حزب الله بأنه ورّط لبنان في حرب لا يستطيع تحمّل كلفتها، أو أشارت إلى أن إيران تركت حلفاءها في لحظة الخطر.

وبهذا المعنى، لم تكن الرسالة الأساسية للموجة هي أن "إيران ردّت" فحسب، بل أن "إيران لم تترك لبنان". وهذه الفكرة شكّلت محور السردية التي دفعتها المنشورات، إذ قُدّم الرد الإيراني داخل العينة بوصفه دليلاً على الوفاء للحليف، ورداً على الخطابات المشككة في جدوى التحالف مع طهران، وإعادة تأكيد لفكرة ترابط جبهات المواجهة مع إسرائيل.

كما ظهر وسم #ساده_عند_الولي_الفقيه داخل جزء من هذا الخطاب لا بوصفه وسماً واسعاً بحد ذاته، بل باعتباره تعبيراً عقائدياً وسياسياً مكثفاً داخل شريحة من البيئة المؤيدة لحزب الله. فالاحتفاء بـ“الولي الفقيه” لم يأت هنا بوصفه شعاراً دينياً فحسب، بل باعتباره علامة انتماء سياسي ورمزي إلى محور يرى في إيران مرجعية وسنداً في المواجهة.

بناءً على ذلك، تكمن أهمية الموجة في تقاطع عاملين: الأول أنها لم تكن كبيرة بما يكفي لوصفها كحملة جماهيرية واسعة، والثاني أنها استخدمت لغة سياسية واضحة لتدعيم سردية محددة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وهذا ما يجعلها جديرة بالفحص لا بوصفها ترنداً ضخماً، بل بوصفها حالة تعبئة رقمية حول سؤال سياسي محدد: هل يعكس هذا الاحتفاء تفاعلاً عضوياً داخل بيئة مؤيدة لحزب الله وإيران، أم أن هناك مؤشرات على تضخيم منسق دفع خطاب “إيران لم تترك لبنان” داخل النقاش العام؟

 

حسابات قليلة صنعت أغلب الوصول… لكن ماذا تقول الشبكات؟

 

أظهر تحليل العينة أن الموجة لم تكن موزعة بالتساوي بين عدد واسع من المستخدمين. فعلى الرغم من أن المنشورات المرصودة جاءت من عشرات الحسابات، فإن التأثير الرقمي تركز بدرجة كبيرة لدى عدد محدود من الحسابات الأعلى وصولاً وتفاعلاً.

بحسب بيانات العينة، حققت أعلى عشرة حسابات نحو 75% من إجمالي الوصول التقديري للموجة، كما استحوذت الحسابات العشرة نفسها تقريباً على نحو 85% من إجمالي التفاعلات. وتكشف هذه النسبة أن انتشار الموجة لم يعتمد على مشاركة أفقية واسعة بقدر ما اعتمد على حسابات قليلة قادرة على دفع الخطاب إلى جمهور أكبر.

ولاختبار ذلك، أجرينا تحليلاً شبكياً لثلاث مستويات من العلاقات بين الحسابات والمنشورات. تمثل المستوى الأول في شبكة الحسابات والوسوم، لفحص ما إذا كانت الحسابات نفسها تتحرك عبر الوسوم الثلاثة: #العصف_المأكول، و#الرد_الايراني، و#ساده_عند_الولي_الفقيه. أما المستوى الثاني فتمثل في شبكة التشابه النصي، لرصد ما إذا كانت حسابات مختلفة تعيد نشر نصوص متطابقة أو شبه متطابقة. فيما تمثل المستوى الثالث في شبكة أدلة مركبة تجمع بين استخدام الوسوم المشتركة، والتشابه النصي، والتزامن الزمني بين المنشورات.

في شبكة الحسابات والوسوم، ظهر اتصال خطابي واسع بين الحسابات عبر وسوم مشتركة. وضمت الشبكة 146 عقدة و 192 حافة، وشملت 61 حساباً و85 وسماً. وبرز وسم #العصف_المأكول بوصفه الوسم المركزي في الشبكة، إذ استخدمه 37 حسابا وظهر 48 مرة، مع وصول تقديري يقارب 968 ألفًا. وفي المقابل، ظهر وسم #الرد_الايراني لدى 19 حساباً، بواقع 25 ذكراً ووصول يقارب 153 ألفاً، بينما ظل وسم #ساده_عند_الولي_الفقيه أصغر حجماً، إذ ظهر لدى 8 حسابات فقط، بواقع 10 مرات ذكر ووصول يقارب 88.9 ألفاً.

وتكشف هذه النتيجة أن #العصف_المأكول عمل بوصفة جسراً خطابياً جمع حسابات مؤيدة لحزب الله وإيران داخل مجال سياسي واحد.

أما شبكة الأدلة المركبة، التي جمعت بين الوسوم المشتركة والتشابه النصي والتزامن الزمني، فقد ضمت 61 عقدة و58 حافة، لكنها توزعت على 30 مكوّنًا، مع أكبر مكوّن يضم 23 حساباً فقط، ووجود 24 حساباً معزولاً. ولو كانت الموجة حملة منسقة بقوة، لكان من المتوقع ظهور مكوّن مركزي كبير ومتماسك، تربطه مؤشرات متعددة من التشابه والتزامن والوسوم المشتركة. إلا أن بدت أكثر تفككاً من ذلك.

مع ذلك، لا يخلو التحليل من مؤشرات محدودة تستحق الانتباه. فقد ظهر زوج الحسابين Maryam33856 و ahmed buf بنص متشابه وحزمة وسوم متقاربة، من بينها #العصف_المأكول و#انا_علي_العهد و#شكرا_ايران_الوفاء، مع فارق زمني قصير في النشر. وظهر كذلك زوج الحسابين Baqir00313 و awareness battle في نص قريب من عبارة “إيران السند الحقيقي للبنان”، مع تزامن زمني وتقارب في السردية المرتبطة بوسمي #ساده_عند_الولي_الفقيه و#العصف_المأكول. كذلك برزت حزمة #شكرا_ايران_الوفاء لدى مجموعة صغيرة من الحسابات، بينها Maryam33856 وahmed_buf وhaidar2soha وMahdiAlzaim.

لكن هذه المؤشرات ظلت محدودة النطاق. فهي تشير إلى إعادة تدوير بعض العبارات والسرديات، وربما إلى تنسيق موضعي بين عدد قليل من الحسابات.  كما أن الحسابات الأعلى وصولًا، مثل samerhajali وAlhamad_7OCT وihoussama وIshk2000 وHassanMontanaT وpouutivar، أسهمت بوضوح في توسيع مدى الموجة.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن التضخيم جاء جزئياً عبر حسابات مرتفعة الوصول، لكن البيانات المتاحة لا تُظهر أن هذه الحسابات تحركت بوصفها شبكة منسقة. وما تكشفه النتائج هو وجود  تعبئة رقمية داخل بيئة مؤيدة لحزب الله وإيران، توسّع أثرها عبر عدد محدود من الحسابات مرتفعة الوصول، وظهرت داخلها جيوب صغيرة من التشابه النصي والتزامن، لكنها لم تتحول إلى شبكة تشغيل مركزية أو كتلة حسابات واحدة تتحرك جماعياً عبر الوسوم الثلاثة.

 

 إعداد: شريف مراد