مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

"حرب اللاحرب" على المنصات العربية الرئيسية.. عندما بدأ القصف وتأخرت العناوين

"حرب اللاحرب" على المنصات العربية الرئيسية.. عندما بدأ القصف وتأخرت العناوين

 

تم إعداد هذا المشروع بالتعاون بين مجتمع التحقق العربي وأنماط، وينشر على «مواطن»

 

في أوقات الأزمات والحروب، لا تصنع الوقائع وحدها مسار الأحداث، بل تصنعه أيضاً الطريقة التي تُروى بها الأخبار، والعناويين التي تتكرر، والزوايا التي تختارها المنصات المختلفة لتفسير ما يجري. ومن هنا جاءت هذه السلسلة من التقارير التحليلية المدفوعة بالبيانات، ثمرة تعاون بين "مجتمع التحقق العربي" ومبادرة "أنماط" البحثية المستقلة، بهدف قراءة التغطية الإعلامية العربية للحرب المرتبطة بإيران، ورصد كيفية تشكل السرديات المتنافسة حولها عبر الإعلام والمنصات الرقمية.

تضم السلسلة ست قصص صحفية بُنيت على قاعدة بيانات أعدّها وحلّلها فريق "أنماط"، اعتماداً على محتوى خمس منصات رقمية ناطقة بالعربية تحظى بانتشار واسع وتأثير في المجال العام، هي: BBC عربي، وروسيا اليوم، والجزيرة، وسكاي نيوز عربية، والعربية. وشمل العمل جمع المواد المنشورة خلال الأيام الثلاثة التي سبقت الضربة الأمريكية-الإسرائيلية، ثم الأيام السبعة الأولى من اندلاع الحرب، خلال الفترة من 28 شباط/فبراير حتى 6 آذار/مارس، باستخدام مكتبات مفتوحة المصدر بلغة بايثون.

واعتمد التحليل على منهج القواعد الترابطية (ARM) لدراسة العناوين والمتون على عدة مستويات، شملت رصد الكلمات الأكثر تكراراً، وتحليل التراكيب اللغوية المتكررة وقياس انتشارها، ثم استخلاص الأنماط السائدة بمؤشرات إحصائية توضّح قوة كل نمط ومدى حضوره، مع مراعاة الفروق في حجم النشر بين المنصات المختلفة. كما قُرئت النتائج بصورة إجمالية، وعلى مستوى كل منصة، وكذلك وفق التحولات الزمنية في التغطية.

وانطلاقا من هذه البيانات، عمل فريق التحرير في "مجتمع التحقق العربي" على مراجعة النتائج وقراءتها صحفياً، ثم بناء تقارير لا تكتفي بعرض الأرقام، بل تحاول فهم ما وراءها: كيف اختلفت المنصات في تغطية الحدث؟ وما السرديات الأكثر حضوراً؟ وكيف انعكست المواقف السياسية في اللغة والعناوين؟

لا تدعي هذه التقارير تقديم أحكام نهائية، لكنها تسعى إلى تقديم قراءة أعمق للمشهد الإعلامي خلال الأسبوع الأول من الحرب، عبر الجمع بين التحليل البياني والرؤية التحريرية، لفهم كيف يُصنع الخبر، وكيف يُعاد تشكيل معناه في لحظات الصراع.

 

في هذه المادة..

لا ننظر إلى ما جرى في سماء الشرق الأوسط فحسب، بل إلى الطريقة التي روت بها المنصات الإخبارية العربية ما جرى. فبين الحشود العسكرية التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وبين الصواريخ التي عبرت أجواء المنطقة بعد اندلاع المواجهة، بدا أن غرف الأخبار كانت تخوض معركتها الخاصة مع اللغة: متى يصبح ما يحدث "حرباً"؟ وكيف يُسمّى؟

يعتمد التقرير على تحليل 1,575 مادة صحفية نشرتها خمس منصات إخبارية عربية كبرى خلال الأيام التي سبقت الهجوم والأسبوع الأول الذي تلاه. ويكشف التحليل أن كلمة "حرب" لم تحضر في العناوين بالسرعة التي قد توحي بها كثافة الأحداث العسكرية، بل تأخر استخدامها لصالح أوصاف أكثر حيادًا مثل "ضربات" و"عمليات"، حتى مع اتساع نطاق القصف والردود العسكرية.

لكن السؤال لا يتوقف عند توقيت استخدام كلمة "حرب". فحين بدأت المنصات أخيراً في تبني هذا الوصف، لم تتعامل معه بالطريقة نفسها. فقدمت بعض المنصات الحرب بوصفها حدثاً عاماً أو مجموعة من التداعيات الاقتصادية والسياسية، بينما ذهبت منصات أخرى إلى تسمية أطرافها بصورة أكثر مباشرة. ومن هنا يحاول التقرير تتبع الكيفية التي تشكلت بها سردية "الحرب" في الإعلام العربي، وما الذي تخبرنا به الكلمات عن زوايا النظر إلى الحدث.

قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026، حشدت القوات الأمريكية مئات طائرات الشحن العسكري وطائرات التزود بالوقود والمقاتلات الحربية في قواعدها بالشرق الأوسط، بالتزامن مع المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سلطنة عُمان. ورغم ذلك، لم تولِ غرف الأخبار العربية خصوصاً الخليجية، اهتماماً كبيراً بهذه الحشود العسكرية، إذ بدا الأمر اعتيادياً إلى حد بعيد، فلم تحضر كلمة "حرب" في عناوين المنصات الإخبارية الناطقة بالعربية.

 

أما في صباح الثامن والعشرين من شباط/ فبراير، عندما بدأ القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وما استتبعه من رد إيراني استهدف قواعد عسكرية في دول الخليج،  فقد استيقظت غرف الأخبار العربية على زلزال مفاجئ لم تكن مستعدة له. ورغم مئات الطلعات الجوية، وعشرات المقاتلات وطائرات التزود بالوقود التي ملأت سماء بلاد الخليج، ورغم عشرات أو مئات الصواريخ والقذائف الإيرانية التي أصابت أهدافاً في دول خليجية، أو عبرت أجواءها نحو الأراضي المحتلة، ظلت المنصات مترددة في وصف ما يحدث بشكل صريح، بأنه حرب.

 

تأخر استخدام كلمة "حرب" بوصفها إطاراً صحفياً واضحاً للأحداث حتى الرابع من مارس، رغم تصاعد القصف الأمريكي والرد الإيراني منذ 28 شباط/ فبراير. وقبل ذلك، هيمنت أوصاف تقنية قدّمت الهجوم الأمريكي باعتباره "ضربات" أو "عمليات". 

يعتمد هذا التقرير على تحليل 1,575 مقالاً، نشرتهم خمس منصات إخبارية عربية كبرى، خلال عشرة أيام متواصلة امتدت من 25 فبراير حتى 6 مارس 2026. وبلغ إجمالي كلمات متون المقالات ما يقارب 2.1 مليون كلمة، ما يجعل البيانات عينة كثيفة تكشف التباينات التحريرية بين المنصات. 

وقد أظهر التحليل الأولي للبيانات، أن منصة RT عربي استأثرت بنحو نصف عدد المواد المنشورة، بنسبة 48% من إجمالي المقالات (757 مقالاً)، تلتها منصة العربية بـ 25% (393 مقالاً)، ثم سكاي نيوز عربية بنسبة 12.6%، وBBC عربي 9.1%، والجزيرة 5.3%. وتشير هذه الأرقام إلى أن المنصة الأكثر إنتاجاً للمحتوى خلال الأسبوع الأول من الحرب كانت المنصة الروسية، وكأنها كانت الأكثر استعداداً للحدث، مقارنة بالمنصات الخليجية. 

ولم تكن كثافة النشر وحدها هي اللافتة، بل أيضاً متوسط طول المتون المنشورة. فقد أظهر التحليل أن متون RT عربي كانت الأطول بين جميع المنصات، إذ بلغ متوسط طول المادة 11,012 حرفاً، مقابل 2,454 حرفاً فقط في منصة العربية، و1,663 حرفاً في سكاي نيوز عربية. أي أن RT نشرت مواد أطول بأربعة إلى سبعة أضعاف مقارنة بالمنصات الخليجية، ما منحها حضوراً أكبر داخل البيانات. 

وتنقسم البيانات إلى ثلاث فترات دلالية: ما قبل 28 شباط/ فبراير (172 مقالاً، أي 11%)، ويوم 28 شباط/ فبراير (121 مقالاً، 7.7%)، وما بعد 28 شباط/فبراير (1,282 مقالاً، أي 81%). وقد قفز معدل النشر اليومي من 57 مقالاً يومياً قبل الحدث إلى 183 مقالاً بعده، ما يعني أن أغلب البيانات تعكس مواد نُشرت كرد فعل على التطورات، ، لا بوصفها تغطية استباقية.

ويُظهر المنحنى اليومي ذروتين لافتتين: الأولى يوم 28 فبراير مع بدء الضربات، حين قفز إنتاج RT إلى 92 مقالاً في يوم واحد؛ والثانية يوم 6 آذار/ مارس عندما بلغت التغطية ذروتها بإجمالي 404 مقالات. ويشير هذا التحليل إلى أنه في حين بدت RT عربي مستعدة تماماً للحدث، حافظت BBC عربي على معدل نشر شبه ثابت يتراوح بين 15 و17 مقالًا يومياً بغض النظر عن وتيرة الأحداث، بينما بدت الجزيرة منصة أبطأ احتاجت إلى نحو أسبوع كامل للوصول إلى ذروة تغطيتها. 

 

 قبل القصف.. حرب لا يراها أحد 

شهدت مطارات المنطقة العربية، خصوصاً في دول الخليج إلى جانب الأردن وإسرائيل، حشداً عسكرياً غير مسبوق خلال الأسابيع التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، بالتزامن مع المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سلطنة عُمان. إلا أن عشرات طائرات الشحن العسكري العملاقة لم تدفع أي غرفة أخبار عربية إلى الخروج عن هدوئها المعتاد. 

فعند تحليل عينة البيانات، تبيّن أن كلمة "حرب" بمختلف جذورها وصيغها لم تحضر إلا في نحو 6% فقط من عناوين المواد الصحفية المرصودة خلال مرحلة ما قبل الهجوم (172 مقالًا). والمفارقة أن هذه المنصات نفسها كانت تنقل تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران، والتي كرر فيها أنه "سيضرب إيران"، وهو ما يفسر الحضور المتقارب لكلمة "ضرب" أو "ضربات" في العناوين خلال تلك الفترة. 

إذ ظهرت كلمة "ضرب" أو "ضربات" بمعناها العسكري في نحو 5% من العناوين، فيما حضرت كلمة "عمليات" بنسبة تقل عن 1% من العناوين قبل بدء الهجوم. وتقدم هذه النسب مؤشرات أولية على أن المنصات العربية كانت تميل إلى تجنب توصيف ما يجري بوصفه حرباً، وتفضّل استخدام لغة أقل تصعيداً، بما يحافظ على صورة أكثر هدوءاً للأحداث حتى الساعات الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب. 

وعلى مستوى المنصات، اختفى أي ذكر لكلمات "حرب" أو "ضربات" أو "عمليات" من عناوين سكاي نيوز عربية خلال الفترة التي سبقت الهجوم. في المقابل، حضرت كلمة "حرب" في نحو 15% من عناوين العربية، وفي نحو 17% من عناوين الجزيرة، من دون أي حضور يُذكر لكلمتي "ضربات" أو "عمليات". ويشير ذلك إلى أن المنصتين تناولتا الحرب بوصفها موضوعاً سياسياً عاماً أكثر من كونها حدثاً عسكرياً وشيكاً. 

أما روسيا اليوم عربي، فكانت المنصة الأبرز في استخدام المفردات الثلاث خلال مرحلة ما قبل الهجوم. إذ حضرت كلمة "حرب" في نحو 5.5% من عناوينها، فيما ظهرت كلمتا "ضرب" أو "ضربات" و"عمليات" بدلالاتهما العسكرية في نحو 9% و1% من العناوين على الترتيب.

وتكرر نمط تغطية مشابه في BBC عربي، حيث حضرت كلمة "حرب" في نحو 6% من العناوين قبل الهجوم، فيما ظهرت كلمة "ضربات" في نحو 2% من العناوين خلال الفترة نفسها.

 

يوم بدأت الحرب ولم تُسمَّ حرباً

في صباح 28 شباط/ فبراير 2026، شنت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية هجوماً جوياً غير مسبوق على إيران، استهدف منزل المرشد الأعلى الإيراني ومقرات سياسية ومواقع عسكرية داخل البلاد. لكن أصداء الحرب لم تنعكس بالوضوح نفسه في عناوين المنصات العربية.



فحسب تحليل عينة البيانات، لم تحضر كلمة "حرب" في عناوين أي من المنصات العربية باستثناء منصة (روسيا اليوم)، التي ظهرت فيها الكلمة في نحو 11% من عناوين يوم الهجوم. وفي المقابل، غابت كلمة (حرب) تماماً عن عناوين (الجزيرة) و(سكاي نيوز عربية)،  بينما اكتفت (العربية) باستخدام كلمة "ضربات" في حوالي 13% من عناوينها خلال ذلك اليوم. 

وظهر النمط نفسه في (بي بي سي عربي)، التي تجنبت استخدام كلمة "حرب" واستعاضت عنها بكلمتي "ضربات" و "عمليات"، اللتين حضرتا بدلالاتهما العسكرية في نحو 25% و15.5% من عناوين المنصة على التوالي.

 

من "الضربات" إلى "الحرب".. التحول المتأخر

بعد اليوم الأول للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ومع تصاعد القصف والرد الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيرة، أظهرت البيانات أن المنصات العربية قررت أخيراً استخدام كلمة "حرب". وفي الوقت نفسه، انحسر استخدام كلمتي "ضربات" و"عمليات" بدلالاتهما العسكرية في العناوين.



وتصدرت (الجزيرة) المنصات الخمس من حيث استخدام كلمة "حرب" في العناوين، خلال الفترة التالية لـ 28 شباط/ فبراير، إذ حضرت الكلمة في نحو 40.5% من عناوينها، وجاءت (بي بي سي عربي) في المرتبة الثانية بنسبة تقارب 35%، ثم (سكاي نيوز عربية) بنسبة 20% تقريباً، تلتها (العربية) بنسبة 17%، وأخيراً (روسيا اليوم عربي) بنسبة 11.5%.

إلا أن (روسيا اليوم عربي) كانت المنصة الوحيدة التي حافظت على قد من التوازن بين مفردات "حرب" و "ضربات" و "عمليات" في عناوينها،  فيما تراجع حضور كلمتي "ضربات" و "عمليات" في معظم المنصات الأخرى، واختفى تقريباً من عناوين (العربية).

أما على مستوى الفترة الزمنية كاملة، الممتدة من 25 شباط/فبراير وحتى  6 آذار/ مارس، فقد أظهر التحليل أن حضور كلمة "حرب" ازداد تدريجياً حتى بلغ ذروته في الرابع من آذار/مارس، وهو اليوم الذي بدا فيه أن المنصات العربية حسمت توصيف الأحداث باعتبارها حرباً.  وفي المقابل، تراجع استخام كلمتي "ضربات" و"عمليات" بصورة واضحة. لكن هل كان هذا الحضور المتزايد لكلمة "حرب" كافياً لهيمنة سردية الحرب على العناوين؟

 

عندما أصبحت "الحرب" الكلمة الأقوى

مع بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، تصاعد حضور كلمة "حرب" ومشتقاتها المختلفة، مقابل تراجع كلمتي "ضربات" و "عمليات". إلا أن نسبة المواد الصحفية التي وردت فيها هذه الكلمات لا تكفي وحدها لقياس مدى هيمنتها داخل العناوين. لذلك أضفنا مؤشراً آخر يعتمد على قياس "وزن الكلمة" مقارنة بطول العنوان.



يقيس هذا المؤشر نصف عدد كل كلمة من الكلمات المحددة مقسومة على العدد الكلي لكلمات العنوان، وهي معادلة تعطي وزنا نسبيا أكبر للكلمات التي تحضر في عنوان قصير.


أي كلما كان العنوان قصيرا، كلما زاد وزن الكلمة، وبالتالي يعطي هذا مؤشراً على هيمنة للكلمة داخل العنوان، وعند تطبيق هذه المعادلة على الجذور المختلفة لكلمات "حرب" و"ضرب"، اتضح أن كلمة "الحرب" كانت الأكثر هيمنة على العناوين بفارق واضح، تلتها كلمة "الضربات"، ثم جاءت مشتقات أخرى مثل "ضربات" و "لحرب" بفارق كبير. 

ولمقارنة حضور هذه الكلمات هيمنتها بين المنصات المختلفة، جُمعت الجذور المتقاربة تحت مظلات دلالية موحدة، كما قورنت بكلمات أخرى تشير إلى التهدئة، مثل "دبلوماسية"، و"مفاوضات" و "وساطة".

وأظهرت النتائج أن (العربية) كانت المنصة الأكثر هيمنة لسردية التصعيد، إذ حظيت كلمة "حرب"، فيها بأعلى وزن نسبي، تلتها كلمتا "ضربات" و"عمليات" بأوزان أقل. وفي المقابل غابت تقريباً من عناوينها أي مفردات مرتبطة بالدبلوماسية أو الوساطة أو المفاوضات، سواء قبل الهجوم أو بعده.

وجاءت (سكاي نيوز عربية) في المرتبة التالية، إذ  حظيت كلمة "حرب" فيها بوزن يقارب نصف الوزن الذي سجلته الكلمة في عناوين (العربية). أما (الجزيرة)، فرغم هيمنة كلمة "حرب" على عناوينها أيضاً، فقد منحت مساحة ــ وإن كانت محدودة ــ لمفردات مثل "دبلوماسية" و"وساطة" و"مفاوضات".


في المقابل، بدت تغطية (روسيا اليوم عربي) أكثر توازناً وتنوعاً. فقد احتلت المنصة المركز الأول بين المنصات الخمس من حيث وزن كلمتي "حرب" و "ضربات"، كما منحت حضوراً ملحوظاً لمفردات مثل "مفاوضات" و"دبلوماسية" و "وساطة".

وظهر نمط مشابه، وإن بدرجة أقل ،في (بي بي سي عربي)، حيث هيمنت كلمتا "حرب" و "ضربات" على العناوين، إلى جانب حضور لمفردات مثل "دبلوماسية" و"مفاوضات"، لكن بأوزان أقل بكثير من تلك المسجلة في (روسيا اليوم عربي)، وأقرب في طبيعتها إلى المنصات الخليجية.

 لكن ارتفاع حضور كلمة "حرب" لا يخبرنا وحده بما كانت تقوله العناوين. فالكلمة قد تحضر بوصفها توصيفاً عاماً للأحداث، وقد تحضر باعتبارها تسمية سياسية مباشرة. لذلك يصبح السؤال التالي أكثر أهمية: كيف استخدمت المنصات كلمة "حرب" عندما قررت أخيراً استخدامها؟

 

 متى  وكيف ظهرت كلمة “حرب” في العناوين؟ 

لا ينتهي السؤال عند اللحظة التي قررت فيها المنصات العربية استخدام كلمة “حرب”. فإعلان الحرب لغوياً لا يعني بالضرورة إعلانها سياسياً. وبين أن تقول منصة ما إن هناك “حرباً”، وأن تحدد من يشنّها، ومن يستهدف من، ومن يتحمل مسؤوليتها، مساحة واسعة من الخيارات التحريرية: في صياغة العنوان، وترتيب الفاعلين، واستخدام المبني للمجهول، أو الاكتفاء بتعبيرات عامة مثل "حرب إيران"، و"الحرب على إيران" و "تداعيات الحرب". 

من هنا ينتقل هذا القسم من سؤال: متى ظهرت كلمة “حرب” في العناوين؟ إلى سؤال آخر أكثر أهمية: كيف ظهرت؟ هل جاءت بوصفها تسمية سياسية واضحة لمواجهة أمريكية/إسرائيلية مع إيران، أم ظهرت كحالة عسكرية قائمة بذاتها، أقرب إلى ظرف عام يحيط بالمنطقة والأسواق والطاقة والاقتصاد؟

لذلك لم يتعامل التحليل مع كل عنوان استخدم كلمة "حرب" باعتباره تسمية سياسية مكتملة. فعبارة مثل "الحرب على إيران" تحدد مركز الحدث أو ساحته، لكنها لا تقول دائماً من شنّ الحرب أو من يديرها. في المقابل، تنقل صياغات مثل “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران” أو “الولايات المتحدة وإسرائيل تعلنان الحرب على إيران”  العنوان من مجرد وصف للحدث إلى إسناده سياسياً، لأنها تحدد الفاعل والهدف واتجاه الفعل.

بهذا المعنى، لم يكن التحفظ في التغطية متعلقاً فقط بتوقيت استخدام كلمة "حرب"، بل أيضاً بطريقة توزيع المسؤولية داخلها: من يظهر فاعلاً في العنوان، ومن يبقى غائباً خلف صيغة عامة اسمها "حرب إيران".

حرب بلا فاعلين واضحين

لكن تأخر استخدام كلمة “حرب” لم يكن القصة كلها. فحتى عندما بدأت المنصات في تبني هذا الوصف، برز سؤال آخر أكثر أهمية: أي حرب كانت تتحدث عنها؟ وهل سمّت أطرافها بوضوح، أم اكتفت بحرب بلا فاعلين؟

أظهر ترميز العناوين أن استخدام كلمة "حرب" لم يكن يعني بالضرورة تقديم تسمية سياسية مباشرة لها. فمن بين 208 عناوين فريدة استخدمت الكلمة صراحة في العينة النهائية، جاءت 63% منها في صياغات قدّمت الحرب كحدث عام أو سياق أو مجموعة من التداعيات، مقابل 32.2% فقط ربطتها بفاعل سياسي واضح، فيما جاءت 4.3% من العناوين في صيغة منسوبة إلى مصدر أو مسؤول أو تقرير.

لا تعني هذه النتيجة أن العناوين تجاهلت الحرب، بل على العكس؛ فقد حضرت الكلمة بوضوح، لكنها ظهرت في كثير من الحالات بوصفها إطاراً عاماً للحدث، لا تسمية سياسية مكتملة. فقد يشير العنوان إلى “حرب إيران”، أو “الحرب على إيران”، أو “تداعيات الحرب”، أو “بعد الحرب”، من دون أن يحدد ما إذا كانت حرباً أمريكية أو إسرائيلية أو أمريكية إسرائيلية، أو من المسؤول المباشر عن إشعالها وتوسيعها.

بهذا المعنى، تكشف الأرقام عن فجوة بين تسمية الحدث وتسميته سياسياً. فالحرب موجودة في العنوان، لكنها ليست دائماً مسندة إلى فاعل. أحياناً تظهر ككلفة اقتصادية، وأحياناً كتداعيات إقليمية، وأحياناً كظرف زمني تدور داخله الأحداث. أما العناوين التي نقلت الحرب إلى مستوى الإسناد السياسي المباشر، فهي تلك التي استخدمت صيغاً أكثر تحديداً، مثل “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران”، أو “الولايات المتحدة وإسرائيل تعلنان الحرب على إيران”.

 

“حرب إيران” ليست بالضرورة “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران”

في قراءة العناوين، لم يكن مجرد حضور اسم “إيران” كافياً لاعتبار العنوان تسمية سياسية مكتملة للحرب. فهناك فارق بين عنوان يضع إيران في مركز الحدث، وعنوان يحدد الطرف الذي يشنّ الحرب عليها أو يديرها أو يعلنها.

فعبارات مثل “حرب إيران” أو “الحرب على إيران” أو “تداعيات الحرب على إيران” تحدد موضوع الحرب أو ساحتها أو هدفها، لكنها لا تسند الفعل دائماً إلى طرف واضح. وفي هذه الصيغ، تظهر إيران بوصفها مركز الحدث أو الطرف الذي تدور حوله الحرب، بينما يبقى الفاعل الذي بدأها أو وسّعها خارج البنية المباشرة للعنوان.

أما صياغات مثل “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران”، أو “الولايات المتحدة وإسرائيل تعلنان الحرب على إيران”، أو “الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران”، فتختلف جوهرياً. فهي لا تكتفي بتحديد ساحة الحرب، بل تضيف بنية إسناد واضحة: أطراف تشنّ أو تعلن أو تخوض، وطرف يقع عليه الفعل. هنا لا تعود الحرب حدثاً معلقاً في الهواء، بل تصبح فعلاً سياسياً منسوباً إلى فاعلين محددين.

وبهذا المعنى، كان التمييز في الترميز قائماً على سؤال بسيط: هل يقول العنوان إن “هناك حرباً تدور حول إيران”، أم يقول إن “طرفاً محدداً يشن حرباً على إيران؟” الأول صُنف ضمن صيغ الحرب المجردة أو السياقية، والثاني عُدّ تسمية سياسية مباشرة.

وتظهر أهمية هذا الفارق في أن كثيراً من العناوين جمعت بين كلمة “حرب” واسم “إيران”، لكنها لم تذهب خطوة إضافية نحو تسمية المسؤولية. فالحرب في هذه الحالات كانت حاضرة كموضوع أو إطار، لا كفعل مسند بالكامل. وهذا ما يجعل سؤال “حرب مَن؟” ضرورياً لفهم الفجوة بين إعلان الحرب لغوياً، وإعلانها سياسياً.

 

خمس منصات.. وخمس طرق لتسمية الحرب

لم يكن استخدام كلمة “حرب” متشابهاً بين المنصات الخمس. فبينما مالت بعض المنصات إلى صيغ عامة مثل “حرب إيران” و”الحرب على إيران”، استخدمت منصات أخرى عناوين أكثر مباشرة في تسمية الفاعلين، خصوصاً حين ربطت الحرب بالولايات المتحدة أو إسرائيل أو كليهما.

وأظهرت المقارنة أن (العربية) كانت الأكثر ميلاً إلى تجريد الحرب من الفاعلين داخل العنوان؛ إذ جاءت 79.2% من عناوينها التي استخدمت كلمة “حرب” في صيغة مجردة أو سياقية، مقابل 18.9% فقط في صيغة تسمية سياسية مباشرة. 

وجاءت (الجزيرة) قريبة من هذا النمط، إذ بلغت نسبة العناوين المجردة أو السياقية لديها 76.9%، مقابل 19.2% للتسمية السياسية المباشرة.

في المقابل، ظهرت (بي بي سي عربي) بوصفها الأكثر ميلاً إلى التسمية السياسية المباشرة؛ إذ شكّلت هذه الصيغة 55.2% من عناوينها التي استخدمت كلمة “حرب”، مقابل 41.4% للحرب المجردة أو السياقية. 

أما (روسيا اليوم عربي) فجاءت في موقع وسط، مع 51.5% من العناوين المجردة أو السياقية، مقابل 40.9% من العناوين ذات التسمية السياسية المباشرة. 

واحتلت (سكاي نيوز عربية) موقعاً أقرب إلى النمط العام؛ إذ جاءت 67.6% من عناوينها في صيغة مجردة أو سياقية، مقابل 26.5% للتسمية السياسية المباشرة.

وتكشف هذه الفروق أن الجرأة في استخدام كلمة “حرب” لا تعني بالضرورة الجرأة نفسها في تسمية الفاعلين. فقد تستخدم منصة ما الكلمة بكثافة، لكنها لا تذهب دائماً إلى تحديد الطرف الذي يشن الحرب أو يديرها. وفي المقابل، قد تستخدمها منصة أخرى في عدد أقل من العناوين، لكنها تربطها ببنية سياسية أوضح.

وتبدو هذه المفارقة أكثر وضوحاً عند مقارنة (الجزيرة) و (بي بي سي عربي). فالأولى استخدمت كلمة “حرب” في عدد كبير من العناوين، لكنها مالت غالباً إلى صيغ عامة مثل “الحرب على إيران” أو “حرب إيران”. أما الثانية فبدت أكثر مباشرة في ربط الحرب بأطرافها، عبر صيغ تُظهر الولايات المتحدة أو إسرائيل داخل بنية التسمية نفسها.

وبذلك  لم تكن الاختلافات بين المنصات في حجم استخدام كلمة “حرب” فقط، بل في شكل الجملة التي حملت الكلمة: هل جعلت الحرب حدثاً عاماً، أم وضعتها داخل علاقة سياسية واضحة بين فاعل وهدف؟

زمنيًا، لم تكن لحظة 28 شباط/ فبراير مجرد نقطة فاصلة في كثافة التغطية، بل أيضاً في طريقة تسمية الحرب داخل العناوين. فقبل هذا التاريخ، كانت العناوين التي استخدمت كلمة “حرب” محدودة نسبياً، وغلب عليها التردد بين التوقع والتحذير والاستعداد. وخلال هذه المرحلة، جاءت 55.6% من عناوين الحرب في صيغة مجردة أو سياقية، مقابل 22.2% فقط في صيغة تسمية سياسية مباشرة، بينما نُسبت 22.2% من العناوين إلى مصدر أو مسؤول أو تصريح.

لكن يوم 28 شباط/ فبراير نفسه بدا لحظة انتقال لغوي أكثر منه لحظة حسم سياسي داخل العنوان. فقد ارتفعت الحاجة إلى استخدام كلمة “حرب”، لكن بنية الإسناد ظلت حذرة. ففي ذلك اليوم، جاءت 87.5% من عناوين الحرب في صيغة مجردة أو سياقية، مقابل 12.5% فقط في صيغة تسمية سياسية مباشرة. أي إن الكلمة حضرت، لكن الفاعل السياسي لم يحضر معها بالوضوح نفسه.

بعد 28 شباط/ فبراير، ومع اتساع التغطية واستقرار توصيف الحدث بوصفه حرباً في عدد أكبر من العناوين، فقد ارتفعت نسبة التسمية السياسية المباشرة إلى 33.5%. لكن هذا الارتفاع لم يغيّر الاتجاه العام؛ إذ بقيت الصيغ المجردة أو السياقية هي الغالبة، بنسبة 62.3% من عناوين الحرب، بينما تراجعت العناوين المنسوبة إلى مصادر أو مسؤولين إلى 3.7%.

وتكشف هذه الحركة الزمنية أن انتقال المنصات من لغة “التصعيد” أو “الضربات” إلى لغة “الحرب” لم يكن انتقالاً كاملاً نحو تسمية سياسية مباشرة. فحتى بعد أن أصبحت الحرب إطاراً واضحاً للتغطية، ظلت تُعرض في معظم العناوين بوصفها حالة عامة: حرب مستمرة، أو حرب على إيران، أو تداعيات حرب، أو اتساعاً للحرب؛ لا دائماً بوصفها فعلاً منسوباً بوضوح إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كليهما.

وبهذا المعنى، لم يكن 28 شباط/فبراير نهاية التردد اللغوي، بل بداية مرحلة جديدة منه؛ مرحلة صار فيها وصف “الحرب” أكثر قبولاً في العنوان، بينما ظل تحديد الفاعل السياسي متفاوتاً بين منصة وأخرى، وبين صيغة وأخرى.

 

عندما تتحول الحرب إلى مجرد "تداعيات"

لا يظهر التجريد في العنوان فقط عندما تغيب أسماء الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل أيضاً عندما تتحول الحرب من فعل سياسي إلى إطار عام تُعلّق عليه بقية الأخبار. ففي هذه الصيغ، لا يكون السؤال: من شنّ الحرب؟ بل: ماذا فعلت الحرب بالأسواق؟ ماذا غيّرت في المنطقة؟ كم كلّفت؟ ومتى تنتهي؟

أحد أبرز أنماط هذا التجريد كان تقديم الحرب بوصفها صدمة اقتصادية. ففي عناوين من هذا النوع، تصبح الحرب سبباً لاضطراب الأسواق أو ارتفاع النفط أو تغيّر حركة الطيران أو ممارسة ضغوط جديدة على الاقتصاد العالمي. وهنا تتراجع بنية الفاعل والمفعول، وتحضر الحرب باعتبارها متغيراً اقتصادياً ضاغطاً: “حرب إيران” تهز الأسواق، أو “تداعيات الحرب” تمتد إلى الطاقة والذهب والأسعار. 

بهذا المعنى، لا تُروى الحرب بوصفها قراراً سياسياً أو فعلاً عسكرياً محدد المسؤولية، بل بوصفها موجة الآثار تنتقل من الجبهة إلى الاقتصاد.

ويتمثل نمط آخر التجريد في تقديم الحرب بوصفها ظرفاً زمنياً. فتظهر عبارات مثل “في اليوم الرابع من الحرب”، أو “منذ بداية الحرب”، أو “بعد الحرب”، أو “خلال الحرب”، وكأن الحرب أصبحت زمناً تجري داخله الأحداث. ويؤكد هذا النوع من الصياغة حضور الحرب كحالة قائمة، لكنه لا يضيف بالضرورة شيئًا عن الطرف الذي بدأها أو يدير مسارها. فالعنوان هنا لا يسأل عن منشأ الفعل، بل يستخدم الحرب كعلامة زمنية لتنظيم الخبر.

وهناك أيضاً الحرب بوصفها مجموعة من التداعيات. ففي هذه العناوين، تتكرر صيغ مثل “تداعيات الحرب”، و”آثار الحرب”، و”مخاطر الحرب”، و”كلفة الحرب”، و”اتساع الحرب”. وتنقل هذه اللغة التركيز من لحظة الفعل إلى نتائجه؛ إذ يصبح المهم هو ما تخلّفه الحرب من خسائر، واضطرابات، ومخاوف إقليمية وارتباك اقتصادي، أو تهديد بامتداد المواجهة.

ومرة أخرى، تظهر الحرب ككيان يملك آثاراً ومساراً، أكثر مما تظهر كفعل صادر عن طرف سياسي واضح.

أما النمط الرابع فهو تقديم الحرب بوصفها كياناً مستقلاً: “حرب إيران”، أو “الحرب على إيران”، أو “حرب الشرق الأوسط”، أو “بانوراما الأسبوع الأول”. وفي هذه الصيغ، تبدو الحرب وكأنها موضوع قائم بذاته، له تطورات وفصول ومشاهد، لا علاقة سياسية محددة بين فاعل وهدف. 

وقد يكون هذا النوع من العناوين مفهوماً من ناحية التكثيف الصحفي، لكنه يخلق أثراً لغوياً مهماً؛ إذ تتحول الحرب إلى اسم عام للحدث، لا إلى وصف دقيق لبنية المسؤولية داخله.

وبهذه الطرق المختلفة، تحولت الحرب في كثير من العناوين إلى ظرف، أو كلفة، أو تداعيات، أو كيان مستقل. وهذه ليست مسألة لغوية صغيرة؛ فطريقة تسمية الحرب تحدد أيضاً ما إذا كان القارئ يرى الفعل السياسي وفاعليه، أم يرى فقط آثاره وهي تتحرك في المنطقة والعالم.

 

إيران في قلب العنوان.. والفاعلون في الخلفية

لم يقتصر التحليل على ترميز العناوين يدوياً. فبعد قراءة العناوين وتصنيفها، عدنا إلى خريطة أنماط الصياغة التي أنتجها التحليل الآلي للعناوين (عبر منهج القواعد الترابطية)، لا لكي تحل محل القراءة التحريرية، بل لاختبارها: هل تؤكد الأنماط المتكررة داخل العناوين أن كلمة “حرب” ارتبطت غالباً بفاعلين سياسيين واضحين، أم بسياقات أوسع حول إيران والحدث وتداعياته؟

أظهرت هذه الخريطة الاتجاه نفسه. فبعد استبعاد الأنماط الضعيفة أو الناتجة عن تكرارات محدودة، جاءت الاقترانات العامة أو السياقية المرتبطة بالحرب أكثر حضوراً من الاقترانات التي تسمي الفاعلين السياسيين مباشرة. 

وبعبارة أبسط: حين بحثنا عن الكلمات التي اقترنت غالباً بكلمة “الحرب” داخل العناوين، ظهرت “إيران” في مقدمة هذه الاقترانات، أكثر مما ظهرت صيغ مباشرة  مثل“الحرب الأمريكية الإسرائيلية” أو “الولايات المتحدة وإسرائيل”.

ولا يعني ذلك أن التسمية السياسية غابت تماماً. فقد ظهرت عناوين وأنماط تربط الحرب بوضوح بالولايات المتحدة أو إسرائيل، خصوصاً في الصيغ التي تتحدث عن حرب أمريكية/إسرائيلية على إيران، أو عن إعلان الحرب، أو عن ضربات إسرائيلية وقرارات أمريكية. لكنها لم تكن هي النمط الأوسع في خريطة الكلمات. فالأقوى حضوراً كان اقتراناً أبسط وأكثر عمومية: “الحرب” مع “إيران”.

ويكتسب هذا الفارق  أهمية خاصة؛ لأن اقتران “الحرب” بـ”إيران” لا يكفي وحده لتسمية المسؤولية السياسية. فهو يشير إلى أن إيران هي مركز الحدث أو ساحته أو موضوعه، لكنه لا يحدد بالضرورة من شنّ الحرب أو من رسم مسارها. 

لذلك جاءت هذه النتيجة داعمة لما كشفه الترميز اليدوي: فالكثير من العناوين لم تتجنب كلمة “حرب”، لكنها وضعتها في صيغة أقرب إلى “حرب إيران” أو “الحرب على إيران”، لا دائماً في صيغة تحدد الفاعل السياسي بوضوح.

كما تكشف خريطة الكلمات حدود التحليل الآلي نفسه. فبعض الأنماط القوية إحصائياً نتجت عن عدد محدود من العناوين أو عن تركيبات لغوية متكسرة، مثل اقتران كلمات “تقصف” و”طهران” و”الحرب” و”بيروت”. وهذه الأنماط مفيدة بوصفها إشارات أولية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء استنتاج سياسي. 

لذلك لم تُعامل هذه الخريطة باعتبارها دليلًا مستقلاً، بل كطبقة تحقق إضافية تشير إلى مواضع التكرار، ثم تعيدنا إلى العنوان الأصلي وسياقه.

وبهذا المعنى، لم تقل خريطة الكلمات شيئًا مختلفًا عن قراءة العناوين؛ بل منحتها سنداً إضافياً. فالحرب لم تُخف من العناوين بوصفها كلمة، لكنها كثيراً ما ظهرت مرتبطة بإيران بوصفها موضوعاً وساحة وتداعيات، بينما بقيت صيغ الإسناد السياسي المباشر أضيق نطاقاً. 

وبذلك تتعزز الخلاصة الأساسية لهذا التقرير، فبينما تبنت المنصات العربية كلمة "حرب" تدريجياً في عناوينها، ظل تحديد الفاعلين السياسيين أقل حضوراً. فإعلان الحرب لغوياً لا يعني بالضرورة إعلان فاعليها سياسياً.




 إعداد: إبراهيم هلال - شريف مراد