إعداد: إبراهيم هلال
في أوقات الأزمات والحروب، لا تصنع الوقائع وحدها مسار الأحداث، بل تصنعه أيضاً الطريقة التي تروى بها الأخبار، والعناويين التي تتكرر، والزوايا التي تختارها المنصات المختلفة لتفسير ما يجري. ومن هنا جاءت هذه السلسلة من التقارير التحليلية المدفوعة بالبيانات، ثمرة تعاون بين "مجتمع التحقق العربي" ومبادرة "أنماط" البحثية المستقلة، بهدف قراءة التغطية الإعلامية العربية للحرب المرتبطة بإيران، ورصد كيف تشكلت السرديات المتنافسة حولها عبر الإعلام والمنصات الرقمية.
تضم السلسلة ست قصص صحفية بُنيت على قاعدة بيانات أعدّها وحلّلها فريق "أنماط"، اعتماداً على محتوى خمس منصات رقمية ناطقة بالعربية تحظى بانتشار واسع وتأثير في المجال العام، هي: BBC عربي، روسيا اليوم، الجزيرة، سكاي نيوز عربية، والعربية. وشمل العمل جمع المواد المنشورة خلال الأيام الثلاثة التي سبقت الضربة الأمريكية-الإسرائيلية، ثم الأيام السبعة الأولى من اندلاع الحرب، خلال الفترة من 28 شباط/فبراير حتى 6 آذار/مارس، باستخدام مكتبات مفتوحة المصدر بلغة بايثون.
واعتمد التحليل على منهج القواعد الترابطية (ARM) لدراسة العناوين والمتون على عدة مستويات، شملت رصد الكلمات الأكثر تكراراً، وتحليل التراكيب اللغوية المتكررة وقياس انتشارها، ثم استخلاص الأنماط السائدة بمؤشرات إحصائية توضّح قوة كل نمط ومدى حضوره، مع مراعاة الفروق في حجم النشر بين المنصات المختلفة. كما قُرئت النتائج بصورة إجمالية، وعلى مستوى كل منصة، وكذلك وفق التحولات الزمنية في التغطية.
وانطلاقا من هذه البيانات، عمل فريق التحرير في "مجتمع التحقق العربي" على مراجعة النتائج وقراءتها صحفياً، ثم بناء تقارير لا تكتفي بعرض الأرقام، بل تحاول فهم ما وراءها: كيف اختلفت المنصات في تغطية الحدث؟ ما السرديات الأكثر حضوراً؟ وكيف انعكست المواقف السياسية في اللغة والعناوين؟
لا تدعي هذه التقارير تقديم أحكام نهائية، لكنها تسعى إلى تقديم قراءة أعمق للمشهد الإعلامي خلال الأسبوع الأول من الحرب، عبر الجمع بين التحليل البياني والرؤية التحريرية، لفهم كيف يُصنع الخبر، وكيف يُعاد تشكيل معناه في لحظات الصراع.
في هذه المادة..
نبين أن التغطية لم تقدم للجمهور بصوت واحد، بل تباينت أولوياتها بين منصات ركزت على تطورات الميدان، وأخرى قدمت الحدث من زاوية اقتصادية وسياسية أوسع، بما يعكس اختلافاً واضحاً في فهم الحرب وصياغة معناها إعلامياً.
وتُظهر نتائج التحليل أن مفردات النفط والأسواق والأسعار حضرت في العناوين والمتون بوتيرة أعلى بكثير من مفردات القتلى والجرحى والخسائر البشرية، خصوصاً في بعض المنصات الخليجية. ومن خلال تتبع تكرار الكلمات ومؤشرات انتشارها، يناقش التقرير كيف طغت لغة الاقتصاد على البعد الإنساني، وكيف تحول الصراع في جزء من التغطية من مأساة حرب إلى أزمة طاقة وأسواق، بدا فيها النفط أعلى صوتاً من الدم.
في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير 2026، بدأت نذر التصعيد العسكري تلوح في أفق الشرق الأوسط، قبل أن تنفجر الأحداث في الثامن والعشرين من الشهر ذاته بهجوم غير مسبوق على إيران. وخلال عشرة أيام فقط (من 25 شباط / فبراير إلى 6 آذار/ مارس)، تحولت غرف الأخبار العربية إلى منصات مراقبة نشطة، تتابع تطورات الحدث لحظة بلحظة. ورغم ذلك، لم تقدّم هذه التغطيات رواية واحدة موحّدة للحرب.
ومن خلال جمع وتحليل 1575 مقالة صحفية وثّقت تفاصيل الصراع عبر خمس منصات إخبارية كبرى، ضمن قاعدة بيانات مشروع "أنماط"، الذي يرصد الأنماط اللغوية المتكررة في العناوين والنصوص. ولا تُستخدم هذه المخرجات بوصفها حكماً نهائياً، بل كخريطة تساعد على تتبع السرديات داخل الأخبار الأصلية ومقارنتها بين المنصات والفترات الزمنية المختلفة، حيث تُظهر البيانات بنية التكرار أكثر مما تقدّم تفسيراً جاهزاً.
كشفت البيانات أن الرواية المقدّمة للجمهور لم تكن واحدة، بل انقسمت بين إلى سرديات متعددة، تباينت أولوياتها بين البعد الإنساني والاقتصادي. فقد اصطبغت التغطية بلون النفط، متجاهلة -بقصد أو دون قصد- دماء مئات الضحايا.

تُظهر البيانات الكمية المستخرجة من التغطية الإعلامية أن حجم الإنتاج الصحفي لم يكن موزّعاً بالتساوي؛ إذ تصدّرت منصة "RT عربي" المشهد بحصة بلغت 48% من إجمالي التغطية (757 مقالة)، تلتها "العربية" بنسبة 25% (393 مقالة)، ثم "سكاي نيوز عربية" بنسبة 12.6% (199 مقالة). وفي المقابل، نشرت "BBC عربي" 143 مقالة (9%)، بينما جاءت "الجزيرة" في المرتبة الأخيرة بـ 83 مقالة فقط (5.3%).

وعلى الصعيد الزمني، مرّت التغطية بثلاث مراحل رئيسية. فقبل وقوع الهجوم (25-27 شباط/ فبراير)، ساد هدوء حذر بمتوسط 57 مقالة يومياً. ومع يوم الحدث في 28 شباط/ فبراير، تضاعف العدد ليصل إلى 121 مقالة، معلناً بدء التصعيد. إلا أن الذروة الفعلية لم تكن في يوم الهجوم، بل في السادس من آذار/ مارس، بلغ عدد المقالات 404 في يوم واحد.

ويثير هذا التأخر في بلوغ الذروة تساؤلات حول طبيعة التغطية: هل كانت الصحافة تواكب الحدث العسكري لحظة وقوعه، أم أنها انشغلت بتغطية تداعياته السياسية والاقتصادية التي تبلورت لاحقاً؟

يغوص هذا التقرير الاستقصائي في تحليل 1575 مقالة صحفية، باستخدام أدوات تحليل البيانات وقواعد الارتباط والانتشار الاحصائية، بهدف تفكيك الأطر السردية التي تبنتها المنصات الخمس. ويركز التقرير بشكل خاص على كيفية تناول الصحافة الخليجية لثنائية "النفط والدم"، كاشفاً كيف طغت لغة الأسواق والأسعار على حساب الضحايا والخسائر البشرية، في تغطية بدا فيها المؤشر الاقتصادي أعلى صوتاً من دوي الانفجارات.
تكرار الكلمات: لغة الأرقام تكشف الأولويات
في المواد الصحفية، لا تعكس الكلمات طريقة وصف الأحداث فحسب، بل تكشف أيضاً عن أولويات التحرير. ورغم كثافة القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيران خلال الأسبوع الأول من الحرب، أظهر تحليل 1575 مادة صحفية واقعاً مختلفاً؛ إذ طغى "النفط" على "الدم" بشكل منهجي، وبفارق كبير.

ولفهم هذا الانحياز، تم تتبع مجموعتين من الكلمات في العناوين والمتون: الأولى اقتصادية، مثل: (نفط، دولار، أسعار، هرمز، الذهب، أوبك، برنت.. إلخ)، والثانية إنسانية، مثل:(قتلى، جرحى، مدنيون، مستشفيات، نزوح.. إلخ).

وأظهرت النتائج حضوراً مكثفاً للكلمات الاقتصادية؛ حيث تصدرت مجموعة (نفط، نفطية…) ومشتقاتها بتكرار 432 مرة في العناوين، تلتها مجموعة (سوق، أسواق،..) بـ 401 مرة ثم "أسعار، سعر،.." بـ 382 مرة، ثم (اقتصاد، الاقتصاد..) بـ 390 مرة في عناوين جميع المنصات الخمس.

في المقابل، تركزت الكلمات الإنسانية في مجموعة كلمات أقل نسبيا؛ تصدرتها كلمة "مقتل/قتل" بـ 302 تكراراً، تلتها "إصابات/جرحى" بـ 119 تكراراً. وتعكس هذه الأرقام أن الكلمات الاقتصادية أكثر تنوعاً وانتشاراً، مقابل انحسار واضح في المفردات الإنسانية.
وبناء على ذلك، برز تناقض واضح في العناوين عبر جميع المنصات؛ إذ تجاوز مجموع الكلمات الاقتصادية نظيره الإنساني بضعف العدد تقريباً في كل المنصات ماعدا العربية التي فاق في عناوينها مجموع الكلمات الاقتصادية الكلمات الانسانية بأربعة أضعاف تقريبا ، أي أن كل كلمة إنسانية قابلها ظهور كلمتين اقتصاديتين وأكثر في العناوين.

غير أن تحليل الأوزان لكل منصة كشف فروقاً أكبر؛ إذ قادت المنصات الخليجية هذا الانحياز، وعلى رأسها "العربية" و"سكاي نيوز عربي" و"الجزيرة"، حين تبنّت سردية تُبرز الحرب كأزمة اقتصادية أكثر من كونها مأساة إنسانية.
فعلي منصة "العربية"، بلغت نسبة الكلمات الاقتصادي إلى الإنسانية في العناوين نحو 5.3:1، وزادت النسبة إلى 6.11:1 في المتون.

أما "سكاي نيوز عربية"، فبلغت النسبة في العناوين .6:11 لصالح الكلمات اقتصادية، وارتفعت في المتون إلى 2.7:1. وقد تكررت كلمة "اقتصاد" ومشتقاتها 82 مرة، وبلغ مجموع الكلمات الاقتصادية 561 كلمة، بينما لم يتجاوز مجموع الكلمات الإنسانية (قتلى، جرحى، مدنيون، مستشفيات...) 207مرة.
وفي هذا السياق، برزت كلمة "مقتل" باعتبارها المفردة الإنسانية ذات الحضور الكثيف على جميع المنصات، وهي كلمة توصيفية جافة تخلو من أي بعد إنساني. في المقابل، قلت الكلمات الأكثر دلالة إنسانية مثل كلمات "أطفال"، "عائلات"، "إغاثة"، "نزوح جماعي" من المتون.

وفي تغطية "الجزيرة"، ورغم شهرتها بالعمل الميداني، ظهر النمط ذاته؛ إذ بلغت نسبة الكلمات الاقتصادية إلى الإنسانية في العناوين 2.5:1، بينما ارتفعت في المتون إلى 5.19:1، ما يعكس هيمنة واضحة للخطاب الاقتصادي.
مؤشر الانتشار (Support).. كيف تُعاد صياغة الأولويات داخل المتون
إذا كان "تكرار الكلمات" يكشف ما يُقال، فإن مؤشر "الانتشار" (Support) يوضح مدى تغلغل هذه الكلمات داخل التغطية. فهو لا يقيس عدد مرات التكرار بل "احتمال" ظهور الكلمة أمام القارئ أثناء تصفحه.

وبتحليل المؤشر عبر جميع المنصات (support)، ظهرت فجوة واضحة بين العناوين والمتون.
في العناوين، حافظت التغطية على قدر من التوازن النسبي؛ إذ بلغ انتشار الكلمات الاقتصادية 0.6019، مقابل0.3635 للكلمات الإنسانية، وهذه الأرقام هي مجموع أرقام انتشار الكلمات الاقتصادية والإنسانية على الترتيب، بنسبة 1.655845942، أي أن احتمالية مصادفة كل كلمة إنسانية في العناوين يقابله مصادفة أكثر من كلمة اقتصادية ونصف.

هذا يعني أن الكلمات الاقتصادية تستحوذ على 62% من مساحة الانتشار في العناوين، بينما تحجز الكلمات الإنسانية لنفسها 38%. النسبة هنا هي 1.65:1 لصالح الاقتصاد.
ورغم هذا الانحياز، إلا أن العناوين استمرت في إبراز بعض المفردات الإنسانية، مثل "مقتل" (0.5%) من إجمالي مجموع العناوين، إلى جانب كلمات اقتصادية بارزة مثل "النفط" (0.26%) من إجمالي كلمات العناوين، و"أسعار/سعر" (0.23%) من إجمالي مجموع كلمات العناوين.
لكن القصة الحقيقية لا تُروى في العناوين. عندما يقرر القارئ النقر على الرابط والدخول إلى "متن" المقال، تنقلب المعادلة رأساً على عقب.
إذ ارتفع مؤشر الانتشار الاقتصادي إلى0.2830، بينما تراجع المؤشر الإنساني بشكل حاد إلى 0.0741
فقط.

وبحساب النسب، تستحوذ الكلمات الاقتصادية على 79% من مساحة الانتشار داخل المقالات، مقابل 21% فقط للكلمات الإنسانية. لترتفع الفجوة من 1.65:1 في العناوين إلى 3.81:1 في المتون، أي مقابل كل كلمة إنسانية تظهر 4 كلمات اقتصادية تقريبا في المتون.
ماذا تعني هذه الفجوة؟
يعكس هذا التباين الحاد ما يمكن وصفه بـ "التأطير المزدوج" (Dual Framing)، حيث تُستخدم الكلمات الإنسانية في العناوين كمدخل لجذب انتباه القارئ، بينما يُعاد توجيه التركيز داخل المتن نحو القضايا الاقتصادية.
ففي المتون تهيمن مفردات "النفط" وتنويعاتها على 30.2% من إجمالي الانتشار الاقتصادي (support = 0.0855)، وهو ما يمثل 24% من مجموع الانتشار الاقتصادي والإنساني مجتمعاً. في حين لا يتبقى من القاموس الإنساني سوى حضور شبه منفرد لمجموعة "مقتل/قتل" بنسبة 62.5% من إجمالي الانتشار الإنساني، أي 13% فحسب من مجموع الانتشار الكلي.
أما بقية المفردات الإنسانية، فقد اختفت تقريباً من التغطية — إذ سجّلت "جرحى/إصابات" انتشارا/support ضعيفاً (0.0115)، فيما غابت كلياً كلٌّ من "مستشفيات" و"مدنيون" و"إغاثة" و"نازحون" عن عتبة الانتشار في جميع الملفات.
يكشف هذا التحليل أن جزءاً كبيراً من التغطية الإعلامية العربية، خاصة في المنصات الخليجية، قدّم الحرب بوصفها أزمة اقتصادية بالأساس، إذ تصدّر النفط المشهد على حساب البعد الإنساني، في سردية غطى فيها النفط على الدم، بدت فيها الأسواق أعلى صوتاً من الضحايا.
إعداد: إبراهيم هلال