

في لحظات الحرب، لا تنتقل النار وحدها من جبهة إلى أخرى، بل تنتقل معها المعاني والاتهامات والاصطفافات. هكذا بدا المشهد على المنصات بعد الضربات الإسرائيلية الواسعة على لبنان في 8 نيسان/أبريل 2026؛ إذ لم يكن النقاش يدور فقط حول ما جرى على الأرض، بل حول الكيفية التي يجب فهمه بها أصلاً. هل نحن أمام عدوان جديد على لبنان؟ أم أمام امتداد لحرب إقليمية أوسع؟ أم أمام نتيجة مباشرة لدور حزب الله وموقعه داخل هذا الصراع؟
في الساعات التي تلت التصعيد، برز وسمان في اتجاهين مختلفين: #مع_ايران_وشعبها بوصفه مساحة تعبئة وتضامن في سياق الحرب الأوسع، و#الظلام_الأبدي بوصفه وعاءً خبرياً تشكّل حول اسم العملية العسكرية، ثم تحول سريعاً إلى ساحة للتأويل والاتهام وتوزيع المسؤوليات. وبين الوسمين، لم تكن المنصات تعكس الحدث فقط، بل كانت تعيد ترتيب معناه: من هو الضحية، من هو المسؤول؟ ومن يستحق التعاطف أو الإدانة؟.
تعتمد هذه المادة على تحليل بيانات رقمية محدثة لتفكيك هذا التنافس السردي، لا بوصفه مجرد انقسام سياسي طبيعي، بل بوصفه مشهداً تختلط فيه التعبئة العضوية بأنماط نشر تبدو أكثر انضباطاً من أن تكون عفوية بالكامل. وبينما تكشف البيانات أن وسم دعم إيران حمل مؤشرات أوضح على الدفع المنظم والتكرار، يظهر وسم الظلام الأبدي بوصفه مساحة أوسع دخلتها لاحقاً طبقة من الخطاب الهادف إلى إعادة توجيه جزء من النقاش نحو تحميل حزب الله المسؤولية و شيطنته. من هنا، لا تسأل هذه المادة فقط كيف تضخمت السرديات الرقمية حول الحرب، بل أيضاً: أين ينتهي التفاعل الطبيعي، وأين يبدأ التوجيه؟
تكشف القراءة الأولية للبيانات أن التعامل مع الوسمين بوصفهما حملتين متقابلتين بالمعنى نفسه سيكون تبسيطاً مخلاً. فـ #مع_ايران_وشعبها يبدو أقرب إلى صيغة تعبئة رقمية وسمية واضحة، تتركز بشكل أساسي على تويتر، وتتحرك عبر دفعات نشر سريعة ومتقاربة، مع حضور قوي للرسائل المختصرة والتكرار والحزم الجاهزة من الوسوم.
في المقابل، لا يتحرك #الظلام_الأبدي بالطريقة نفسها؛ إذ تشكّل أولاً بوصفه وعاءً خبرياً مرتبطاً بلحظة عسكرية صادمة، ثم تمدد عبر منصات متعددة، من الأخبار والمواقع إلى فيسبوك وتويتر، قبل أن تبدأ داخله سرديات متباينة في التزاحم على تفسير ما جرى.
هذا الفارق مهم، لأنه يغيّر زاوية القراءة نفسها. فنحن لسنا أمام وسمين يعكسان استقطاباً سياسياً مباشراً وبسيطاً، بل أمام بنيتين رقميتين مختلفتين: الأولى أقرب إلى التعبئة والانضباط الوسمي، والثانية أقرب إلى انفجار حدث دخلته لاحقًا طبقات من التأويل والتسييس وتوزيع اللوم. ومن هنا، لا تصبح المقارنة بين "موقف مؤيد" و"موقف معارض" فقط، بل بين طريقتين مختلفتين في إنتاج السردية الرقمية حول الحرب: واحدة تدفع باتجاه الاصطفاف والتعبئة، وأخرى تعيد تشكيل الحدث نفسه عبر التسمية والتفسير وتحديد المسؤوليات.

ولأن الفارق بين الوسمين قد بدأ من طبيعتها الرقمية، فإن البيانات تجعل هذا الفارق أكثر وضوحاً حين ننظر إلى بنية التفاعل نفسها. ففي وسم #مع_ايران_وشعبها، لم يكن المشهد مجرد تعبير واسع ومتناثر عن التعاطف أو الاصطفاف السياسي، بل بدا أقرب إلى تعبئة وسيمة منضبطة نسبياً. فمن أصل 567 mention في العينة، جاءت 469 على (إكس) وحده، أي أن المنصة نفسها كانت المسرح الرئيسي للحركة، لا مجرد جزء منها.

كما أن 345 mention ظهرت في يوم واحد فقط، هو 7 أبريل، بما يعادل 60.8% من كامل العينة، مع وصول النشاط إلى 112 mention في ساعة واحدة. هذا التركّز الزمني لا يكفي وحده للحكم، لكنه يلفت النظر حين يقترن بما يليه.

فعلى مستوى الحسابات، تكشف العينة أن 424 منشوراً فقط توزعت على 255 حساباً، لكن الثقل الحقيقي لم يكن موزعاً بالتساوي؛ إذ كانت أعلى عشرة حسابات مسؤولة عن 26.2% من منشورات (إكس)، فيما استحوذت أعلى عشرين حساباً على 34.4% منها. وبالتوازي مع هذا التمركز، لم يكن جزء معتبر من المنشورات يحمل مضموناً فعلياً بقدر ما كان يكرر الوسم أو يرفعه؛ إذ إن 33.7% من منشورات تويتر كانت هاشتاغية خفيفة أو شبه فارغة من المحتوى، فيما جاءت 24.1% بصيغة reply أو بمنشنات مباشرة، وهو نمط يشي بأن جزءاً من النشاط كان يعمل على تكثيف الحضور الرقمي أكثر من سعيه إلى بناء نقاش أو سرد تفسيري سياسي متماسك.

لكن الإشارة الأقوى لا تظهر فقط في كثافة النشر ولا في تمركزه، بل في تكرار الحزم النصية نفسها. فقرابة 41% من منشورات (إكس) في هذا الوسم وقعت داخل مجموعات نصية مكررة، وبعضها اعتمد سلاسل طويلة ومتطابقة تقريباً من الوسوم السياسية والدينية والعربية والفارسية والإنجليزية. أحد هذه العناقيد تكرر 48 مرة عبر 32 حساباً، وخرج منه 15 منشورًا خلال أول 15 دقيقة فقط من بداية ظهوره. هنا لا يبدو الأمر مجرد حماس سياسي عابر أو استجابة عضوية واسعة، بل أقرب إلى دفع منظم أو شبه منظم، خصوصاً حين يصبح التكرار نفسه هو البنية الأساسية للانتشار، لا تنوع الرسائل أو تعدد الزوايا.

ولا يعني هذا أن الوسم كله كان مصطنعاً أو أن جميع المشاركين فيه جزء من نشاط موجّه. والأدق إن مساحة التفاعل هنا جمعت بين تعاطف سياسي حقيقي وبين طبقة تعبئة أكثر انضباطاً من أن تبدو عفوية بالكامل. وهذا ما يجعل وسم #مع_ايران_وشعبها أقرب، في هذه العينة على الأقل، إلى نموذج تتداخل فيه السردية الأيديولوجية مع مؤشرات سلوك غير أصيل أو شبه منسق، من دون أن يصبح ذلك حكماً نهائياً على كل من شارك فيه أو على الوسم كله بوصفه شبكة واحدة مغلقة.

الصورة تختلف بوضوح في وسم #الظلام_الأبدي. فهنا نحن أمام عينة أكبر حجماً، بلغت 1339 mention، لكن توزيعها لا يشبه وسم دعم إيران؛ إذ جاءت 370 من مواقع، و 364 من فيسبوك، و359 من إكس، و118 من الأخبار، ما يعني أن الوسم لم يتشكل داخل إكس وحده، بل نشأ منذ البداية داخل دورة خبرية ومنصاتية أوسع.

ويؤكد ذلك أيضاً أن 621 mention ظهرت في يوم 8 نيسان/ أبريل وحده، مع ذروة بلغت 170 mention في ساعة واحدة. أي أن الوسم التقط انفجار الحدث نفسه، لا مجرد موجة اصطفاف أو حشد سياسي.

وحين ننتقل إلى تويتر فقط، تتراجع علامات التمركز بوضوح مقارنة بالوسم الأول. فـ 335 منشوراً توزعت على 278 حساباً، ولم تمثل أعلى عشرة حسابات سوى 12.5% من المنشورات، فيما بلغت مساهمة أعلى عشرين حساباً 18.5% فقط. كذلك جاءت 72.5% من التغريدات من حسابات نشرت مرة واحدة داخل العينة، وانخفض التكرار النصي إلى نحو 13.1%، بينما حملت 97.6% من المنشورات محتوى فعلياً، لا مجرد هاشتاغات أو إشارات متكررة. كل ذلك يجعل من الصعب التعامل مع الوسم كله بوصفه كتلة موحدة من النشاط غير الأصيل، أو مساواته تلقائياً ببنية التعبئة التي ظهرت في الوسم الأول.
لكن اتساع الوعاء الخبري لا يعني أن الوسم بقي محايداً. ما تكشفه البيانات هو أن الحدث نفسه صار منصة لإعادة توزيع اللوم. فمع اتساع التداول، لم يعد الوسم مجرد عنوان لعملية عسكرية أو غارات واسعة، بل صار مكاناً تتنافس داخله تفسيرات مختلفة لما جرى: بعض المنشورات أبقت التركيز على القصف والضحايا والعدوان على لبنان، فيما اتجهت منشورات أخرى إلى ربط ما حدث مباشرة بحزب الله وسلاحه ودوره، لا بوصفه جزءاً من السياق فقط، بل بوصفه مسؤولاً عما جرى أو سبباً له.

وهنا تظهر الطبقة التي تخص فرضيتنا الثانية. فداخل الوسم برز عنقود فرعي واضح يعيد توجيه النقاش من الحدث العسكري نفسه إلى شيطنة حزب الله وكسر أي تعاطف محتمل معه. وقد ظهر ذلك عبر منشورات تستخدم تعبيرات من قبيل "حزب الله الإرهابي" و"حزب الشيطان" و"الحزب يستجلب الظلام الأبدي"، وتربط بين القصف وبين دعوات ضمنية أو صريحة إلى نزع السلاح أو تحميل الحزب المسؤولية السياسية والأخلاقية عما أصاب لبنان. والأهم أن هذا الخطاب لم يتحرك فقط عبر حسابات فردية غاضبة أو منحازة، بل ظهر أيضاً عبر صفحات ومواقع وعناوين متقاربة، ما يرجح أن جزءاً منه خرج من بيئات نشر حزبية أو إعلامية ثم أعيد تدويره على المنصات بصيغ مختلفة.

من هنا، لا تبدو أهمية وسم #الظلام الأبدي في كونه يقدم دليلًا قويًا على حملة منسقة بمستوى وسم دعم إيران، بل في أنه يكشف آلية مختلفة تماماً: كيف يمكن لحدث ميداني كبير، بمجرد أن يتحول إلى عنوان ومنصة تداول، أن يصبح وعاءً لإعادة ترتيب المسؤوليات سياسياً وأخلاقياً. ففي حين كان القصف هو نقطة البداية، لم يبق النقاش محصوراً في سؤال العدوان على لبنان، بل تمدد بسرعة إلى سؤال آخر: من الذي يستحق التعاطف، ومن الذي يجب تحميله اللوم؟
ما تكشفه هذه المقارنة في النهاية ليس مجرد اختلاف في حجم التفاعل أو في نبرة الخطاب، بل اختلاف في طريقة اشتغال السردية نفسها. ففي وسم #مع_ايران_وشعبها، يبدو أن التضخيم اعتمد بدرجة أكبر على منطق التعبئة الهاشتاغية: وسم واضح، اصطفاف مباشر، رسائل قصيرة، حزم متكررة، وحضور ملحوظ لحسابات دفعت بالنقاش في اتجاه واحد خلال نافذة زمنية ضيقة. هنا كان الهدف، على ما يبدو، تثبيت موقع سياسي وأخلاقي سريع: إيران في موقع الاستهداف، ومن ثم فإن الوقوف معها ومع "شعبها" يصبح جزءاً من الاصطفاف في حرب أوسع.
أما في وسم #الظلام_الأبدي، فلم يبدأ التفاعل من الاصطفاف، بل من الحدث الصادم نفسه. فالاسم المرتبط بالعملية العسكرية منح الوسم قدرة على الانتشار السريع، لكن هذه السرعة لم تُترجم إلى شكل واحد من الخطاب. بالعكس، صار الوسم مساحة لتنازع أكثر من سردية في وقت واحد: سردية تُبقي الضوء على القصف والضحايا والعدوان على لبنان، وأخرى تُعيد ترتيب المسؤولية داخلياً عبر جعل حزب الله في مركز اللوم والاتهام. لذلك، فإن ما يظهر هنا ليس دفعاً هاشتاغياً متماسكاً بالمعنى الذي ظهر في الوسم الأول، بل استثماراً سياسياً لسياق خبري متفجر.
وهذا التمييز مهم جداً، لأنه يمنع الوقوع في استنتاجي متسرعين معاً. الأول هو اعتبار كل تضخيم رقمي دليلاً تلقائياً على حملة منسقة أو شبكة غير أصيلة. والثاني هو اعتبار كل ما جرى تعبيراً عضوياً طبيعياً عن الانقسام السياسي.
فالبيانات المحدثة تقول شيئاً أكثر تعقيداً من ذلك: هناك بالفعل طبقات من النشاط تبدو أكثر انضباطاً من أن تكون عفوية بالكامل، خصوصاً في وسم دعم إيران؛ وهناك أيضاً طبقات من التوجيه وإعادة التأطير ظهرت داخل وسم "الظلام الأبدي"، لا عبر شبكة واحدة ظاهرة، بل عبر تداخل بين حسابات فردية وصفحات ومواقع وخطاب حزبي أو إعلامي أعاد تدوير الرسائل نفسها.
لهذا، لا يبدو السؤال الأكثر دقة هو: هل كان أحد الوسمين حقيقياً والآخر موجّهاً؟ بل: كيف امتزج التفاعل العضوي بأنماط الدفع والتكرار وإعادة التوجيه داخل كل وسم بصورة مختلفة؟ في الحالة الأولى، امتزج التضامن والتعبئة بخطاب هاشتاغي منضبط نسبياً. وفي الحالة الثانية، امتزج الخبر العاجل والصدمة الجماعية بخطاب لوم وتخوين استغل الحدث ليعيد ترتيب المواقف داخلياً.
من هنا، لا تنتهي هذه القراءة إلى حكم قطعي بوجود "حملات منسقة" مكتملة البنية في الحالتين، بقدر ما تنتهي إلى نتيجة أدق: المنصات كانت جزءاً من المعركة على تفسير الحرب، لا مجرد مساحة للتفاعل معها. وبين التعبئة، والتأطير، والتخوين، وإعادة تدوير الرسائل، تظهر الحدود بين العضوي والموجّه أقل وضوحاً مما تبدو عليه للوهلة الأولى. وهذا بالضبط ما يجعل قراءة هذه السرديات ضرورية: ليس فقط لفهم ما قيل على المنصات، بل لفهم كيف جرت، في لحظة حرب، محاولة إعادة تعريف من هو الضحية، ومن هو المسؤول، ومن يملك حق الكلام باسم المأساة.