مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

الفاعل المجهول.. كيف غابت إيران من التغطية الإخبارية الخليجية في بداية الحرب

الفاعل المجهول.. كيف غابت إيران من التغطية الإخبارية الخليجية في بداية الحرب

 

تم إعداد هذا المشروع بالتعاون بين مجتمع التحقق العربي وأنماط، وينشر على «مواطن»

 

في أوقات الأزمات والحروب، لا تصنع الوقائع وحدها مسار الأحداث، بل تصنعه أيضاً الطريقة التي تروى بها الأخبار، والعناويين التي تتكرر، والزوايا التي تختارها المنصات المختلفة لتفسير ما يجري. ومن هنا جاءت هذه السلسلة من التقارير التحليلية المدفوعة بالبيانات، ثمرة تعاون بين "مجتمع التحقق العربي" ومبادرة "أنماط" البحثية المستقلة، بهدف قراءة التغطية الإعلامية العربية للحرب المرتبطة بإيران، ورصد كيف تشكلت السرديات المتنافسة حولها عبر الإعلام والمنصات الرقمية.

تضم السلسلة ست قصص صحفية بُنيت على قاعدة بيانات أعدّها وحلّلها فريق "أنماط"، اعتماداً على محتوى خمس منصات رقمية ناطقة بالعربية تحظى بانتشار واسع وتأثير في المجال العام، هي: BBC عربي، روسيا اليوم، الجزيرة، سكاي نيوز عربية، والعربية. وشمل العمل جمع المواد المنشورة خلال الأيام الثلاثة التي سبقت الضربة الأمريكية-الإسرائيلية، ثم الأيام السبعة الأولى من اندلاع الحرب، خلال الفترة من 28 شباط/فبراير حتى 6 آذار/مارس، باستخدام مكتبات مفتوحة المصدر بلغة بايثون.

 

واعتمد التحليل على منهج القواعد الترابطية (ARM) لدراسة العناوين والمتون على عدة مستويات، شملت رصد الكلمات الأكثر تكراراً، وتحليل التراكيب اللغوية المتكررة وقياس انتشارها، ثم استخلاص الأنماط السائدة بمؤشرات إحصائية توضّح قوة كل نمط ومدى حضوره، مع مراعاة الفروق في حجم النشر بين المنصات المختلفة. كما قُرئت النتائج بصورة إجمالية، وعلى مستوى كل منصة، وكذلك وفق التحولات الزمنية في التغطية.

 

وانطلاقا من هذه البيانات، عمل فريق التحرير في "مجتمع التحقق العربي" على مراجعة النتائج وقراءتها صحفياً، ثم بناء تقارير لا تكتفي بعرض الأرقام، بل تحاول فهم ما وراءها: كيف اختلفت المنصات في تغطية الحدث؟ ما السرديات الأكثر حضوراً؟ وكيف انعكست المواقف السياسية في اللغة والعناوين؟

 

لا تدعي هذه التقارير تقديم أحكام نهائية، لكنها تسعى إلى تقديم قراءة أعمق للمشهد الإعلامي خلال الأسبوع الأول من الحرب، عبر الجمع بين التحليل البياني والرؤية التحريرية، لفهم كيف يُصنع الخبر، وكيف يُعاد تشكيل معناه في لحظات الصراع.

 

في هذه المادة..

ركزنا على سؤال محدد: كيف حضرت إيران في العناوين والمتون؟ وهل قُدمت بوصفها طرفاً يصنع الحدث، أن باعتبارها ساحة تتلقى الضربات وتدور فوقها الصراعات.

 

وتكشف نتائج التحليل أن اسم إيران كان حاضراً بكثافة في التغطية، لكنه كثيراً ما ظهر داخل سياقات تقودها كلمات مثل الحرب، ترامب، إسرائيل، أو عبر صيغ لغوية تُبقي الفعل العسكري حاضراً وتُخفي فاعله المباشر. وفي عدد من المنصات الخليجية تحديداً، برزت أنماط تحريرية تميل إلى إبراز نتائج الهجمات والدفاعات الجوية، مع تقليل الإسناد الصريح لإيران بوصفها جهة مهاجمة، ما جعلها حاضرة بالاسم وغائبة بالفعل.

 

قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026، حشدت القوات الأمريكية مئات طائرات الشحن العسكري، وطائرات التزود بالوقود، والمقاتلات الحربية في قواعدها بالشرق الأوسط، بالتزامن مع المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سلطنة عُمان. ورغم كل ذلك، لم تُبدِ غرف الأخبار العربية، ولا سيما الخليجية، اهتماماً كبيراً بهذه الحشود العسكرية، إذ بدا الأمر اعتيادياً.

 

 

وفي صباح الثامن والعشرين من شباط/فبراير، عندما بدأت الغارات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما استتبع ذلك من رد إيراني بقصف قواعد عسكرية في دول الخليج، استيقظت غرف الأخبار العربية على زلزال مفاجئ لم تستعد له. لذلك، اختلفت تغطية كل منصة للحرب، وتباينت أولوياتها التحريرية، فأنتجت سرديات متمايزة، إلا أن معظمها اتفق -ضمنياً- على خط تحريري واحد: تغييب إيران بوصفها فاعلاً مهاجماً، وحصر حضورها في مساحة الجهة التي تتلقى الضربات.

 

 

 

يعتمد هذا التقرير على تحليل 1,575 مقالاً نشرتها خمس منصات إخبارية عربية كبرى، خلال عشرة أيام متواصلة امتدت من 25 شباط/ فبراير و6 آذار/ مارس 2026، ضمن قاعدة بيانات مشروع "أنماط"، الذي يرصد الأنماط اللغوية المتكررة في العناوين والنصوص. ولا تُستخدم هذه المخرجات بوصفها حكماً نهائياً، بل كخريطة تساعد على تتبع السرديات داخل الأخبار الأصلية ومقارنتها بين المنصات والفترات الزمنية المختلفة، إذ تُظهر البيانات بنية التكرار أكثر مما تقدّم تفسيراً جاهزاً

 وبلغ إجمالي كلمات متون المقالات ما يقارب 2.1 مليون كلمة، ما يجعل البيانات عينة كثيفة توضح التباينات التحريرية بين المنصات. 



 

وقد أظهر التحليل الأولي للبيانات، أن منصة RT عربي استأثرت بحوالي نصف عدد المواد المنشورة، بنسبة 48% من إجمالي المقالات (757 مقالاً)، تلتها منصة العربية بـ 25% (393 مقالاً)، ثم سكاي نيوز عربية 12.6%، و BBC عربي 9.1%، والجزيرة 5.3%. ويشير ذلك إلى أن المنصة الأكثر إنتاجاً في الأسبوع الأول من الحرب، وكأنها كانت مستعدة تماماً للحدث، هي المنصة الروسية، لا المنصات الخليجية.

 

 

والأبرز من عدد المقالات، كان متوسط طول متون المواد التي نشرتها كل منصة، فقد أظهر التحليل أن متون منصة RT كان الأطول بين جميع المنصات، إذ بلغ متوسط طول المتن 11,012 حرفًا، مقابل 2,454 حرفاً فقط في متون منصة العربية و1,663 حرفاً في متوسط متون سكاي نيوز عربية. أي أن منصة RT نشرت متوناً أطول بأربعة إلى سبعة أضعاف من المنصات الخليجية، ما منحها حضوراً أكبر في البيانات.

 

 

تنقسم البيانات إلى ثلاث فترات دلالية: قبل 28 شباط/ فبراير (172 مقالاً، أي 11%)، ويوم 28 شباط/ فبراير (121 مقالاً، 7.7%)، وبعد 28 شباط/ فبراير (1,282 مقالاً، أي 81%). وقد قفز معدل النشر اليومي من 57 مقالاً يومياً قبل الحدث إلى 183 مقالاً بعده، ما يعني أن أغلب البيانات هي نصٌوص نشرتها المنصات كردّة فعل، لا كتغطيةٌ استباقية.

 

 

ويُظهر المنحنى اليومي ذروتين لافتتين: الأولى يوم 28 شباط/ فبراير مع بدء الضربات، حين قفزت RT إلى 92 مقالاً في يوم واحد؛ والثانية يوم 6 آذار/ مارس حين بلغت التغطية ذروتها بـ 404 مقالات. ويوضح هذا التحليل أنه في حين بدت منصة RT عربي مستعدة تماماً للحدث، حافظت منصة BBC عربي على معدل نشر شبه ثابت (15-17 مقالاً يومياً) بغض النظر عن وتيرة الأحداث، بينما بدت الجزيرة منصة بطيئة استغرقت نحو أسبوع لتصل إلى ذروة تغطيتها.

 

إيران: حضور استثنائي بلا فاعلية

حضرت إيران في مجمل العناوين بوزن يُقدّر بـ 31.5، وهو رقم يعبر عن ظهورها بصيغة رياضية تقسم عدد مرات ظهورها على عدد كلمات العنوان. لذلك، لا يعبر الرقم عن نسبة حضور الكلمة في العناوين، بل يقيس كثافة حضورها. وهو رقم أعلى من رقم حضور كلمة "الحرب" البالغ 8.3، بما يزيد عن أربعة أضعاف، ما يعني أن كلمة "إيران" سجلت الحضور الأعلى في جميع العناوين.

 

 

ويزداد هذا المعنى وضوحاً إذا ما قورن هذا الحضور بأوزان كلمات أخرى، مثل: الهجمات" و"الهجوم"، اللتان ظهرتا بوزن 1.85 و1.82، لكن من دون إسناد مباشر لإيران. كما حضرت كلمتا "ترامب" و"إسرائيل" بوزن 6.32 و5.41 على التوالي، بينما حضرت كلمة "اعتراض" بوزن 0.58 فقط، وهو رقم منخفض جداً رغم كثرة أحداث الاعتراض.

إلا أن هذا الحضور الكثيف لإيران في العناوين لم يشر إلى أي فاعلية لها، بل حضرت بوصفها جهة مفعولاً بها، تتلقى الضربات والصواريخ الأمريكية الإسرائيلية. وحين تتحدث المواد الصحافية عن قصف وقع في بلاد الخليج يُنسب الفعل إلى المجهول.

ولإثبات هذه الفرضية، جرى اعتماد ثلاث مجموعات من الكلمات ترتبط بفعل "الهجوم" لتدل على الفاعلية:

المجموعة الأولى: الفاعل الهجومي، وتشمل كلمات مثل: تهاجم، تشن، تطلق، تستهدف، تضرب، تقصف، تهدد، تعلن استهداف. وتشير إلى مبادرة إيران بالفعل.

المجموعة الثانية: المفعول به،  وتشمل كلمات مثل: على_ايران، ضد_ايران، الحرب_على، ضرب_ايران، قصف_ايران، الضربات. وتشير إلى وقوع الفعل على إيران.

المجموعة الثالثة، الفاعل المجهول، وتشمل كلمات مثل: باتجاه، معادية، مجهولة، مصدر، تقارير، يُعتقد، أُطلق. وتشير إلى تجهيل متعمد في النص الصحافي، سواء في العنوان أو المتن.

بعد ذلك، جرى قياس نسبة الفاعلية لكل مجموعة، عبر قسمة مجموع أوزان مجموعة الفاعل على (مجموع أوزان الفاعل والمفعول به معاً). وإذا زادت النسبة على 0.5 دلّ ذلك على تفوق حضور الفاعل، والعكس صحيح. 

 

 

 

وقد أظهر التحليل أن أوزان كلمات الفاعلية في العناوين، جاءت كالتالي:

 

تستهدف: 0.666

تقصف: 0.661

تهدد: 0.551

تشن: 0.473

تضرب: 0.384

تطلق: 0.279

 

بينما كانت أوزان كلمات المفعولية في العناوين -أي إيران تتلقى الفعل- كالتالي:

الضربات: 1.334

قصف: 0.995

لإيران: 0.968

ضربات: 0.687

ضربة: 0.787

 

 

ما يجعل نسبة الفاعلية في العناوين، تبلغ 0.34، أي أقل من 0.5، وهو ما يشير بوضوح إلى أن وزن كلمات الفاعلية أقل من وزن كلمات المفعولية. ولم يختلف الأمر في المتون، إذ بلغت نسبة الفاعلية فيها 0.31، أي أقل من العناوين، ما يعني أن المنصات قدمت إيران كمفعول به في إجمالي تغطيتها.

 

 

إلا أن الأمر لا يقتصر على تقديم إيران كمفعول به. ففي الواقع، كانت إيران تتعرض لقصف جوي كثيف يومياً، لكن تحليل نسبة الفاعلية لكل منصة على حدة يكشف حدود التغطية لدى كل منصة، كما يكشف ظاهرة أخرى، هي التجهيل المتعمد.

 

 

فرغم ميل المنصات الخمس إلى تقديم إيران كمفعول به، تباينت نسب الفاعلية بينها بحسب سردية كل منصة. فقد سجلت منصة RT عربي النسبة الأعلى للفاعلية بمقدار 0.333، وهي نسبة تتناسب نسبياً مع واقع القصف المتبادل في الحرب.

 

وفي الجزيرة و BBC عربي، بلغت نسبة الفاعلية 0.211 و0.202 على الترتيب. ورغم أنها أقل من RT عربي بفارق كبير نسبيا والثلاثة أقل من حد الفاعلية 0.5، فإنها بقيت ضمن حدود أقرب إلى الواقع إذ تضمنت كلمات تشير إلى فاعلية إيران.

 

 

أما في منصتي العربية وسكاي نيوز عربية، فانخفضت نسبة الفاعلية بشكل أكبر، إذ بلغت 0.196 و0.179 على الترتيب، وهما أدنى نسبتين بين المنصات الخمس، ما يشير إلى غياب الكلمات ذات الدلالة على فاعلية إيران.

 وقد كشف التحليل أيضاً عن مكون جديد هو "التجهيل". فمن خلال تصنيف كلمات متون كل منصة،  تبين أن الجزيرة كانت الأكثر استخداماً لكلمات التجهيل، بنسبة بلغت 29.1% من إجمالي كلمات متونها.

تلتها BBC عربي بنسبة 26.5% من كلمات متونها من دون الإشارة إلى الفاعل، ثم جاءت RT عربي وسكاي نيوز عربية والعربية بنسب متقاربة.

 

 

وعلى العكس، تصدرت سكاي نيوز عربي نسبة الكلمات التي تشير إلى إيران كمفعول به بنسبة 64.3%، تلتها العربية بنسبة 64.2%، وهما الأدنى على مؤشر الفاعلية.

 

تجهيل في العنوان وغياب في المتن

لقياس أعمق للفاعلية في التغطية، جرت مقارنة حضور الكلمات في العناوين مقابل حضورها في المتون. لم يكن السؤال: كم مرة ظهرت الكلمة؟ بل: هل يتناسب حضورها في العناوين مع حضورها في المتون؟

 لعقد هذه المقارنة، استخدمنا صيغة رياضية تقيس نسبة تركيز الكلمة في العناوين مقابل المتون:

نسبة التركيز = (وزن الكلمة في المتن / مجموع المتن) ÷ (وزن الكلمة في العناوين / مجموع العناوين)

فمثلا، إذا كانت الكلمة تشكّل 0.05% من مجموع العناوين لكنها تشكّل 0.20% من مجموع المتون — فهذا يعني أن المحرر يُقلّص حضورها في الواجهة عن مستواها "الطبيعي" في النص.

  •   نسبة = 1.0 تشير إلى توازن تام، أي أن الكلمة تحضر في العنوان بنفس ثقلها في المتن
  •   نسبة > 1 تشير إلى أن الكلمة مكبوتة في العنوان، أي أن الكلمة تظهر في المتن أكثر مما يُتوقع
  •   نسبة < 1 تشير إلى أن الكلمة مبرَّزة في العنوان، أي أن المحرر يدفعها للواجهة أكثر من حضورها الفعلي.

 

 

 

وقد أظهر التحليل أن كلمات مثل: إيران، الضربات، تشن، ظهرت في العناوين بشكل غير متناسب مع حضورها في المتون، فكلمة "إيران" شكلت 4.73% من أوزان العناوين مقابل 2.41% من أوزان المتون، ما يعني أن المحرر دفعها إلى الواجهة بضعف حضورها الطبيعي، لكن من دون فاعلية.

أما كلمتا "الضربات" و"قصف" فكانتا من أكثر الكلمات بروزاً في العناوين مقارنة بالمتون، واستخدمتا للإشارة إلى حدث عسكري من دون توضيح الفاعل، سواء كان إيران أو إسرائيل.

 

 

ورغم حضور كلمتي "تشن" و"تستهدف" في العناوين والمتون، فإن استخدامهما كشف ارتباطهما بإسرائيل لا بإيران، مثل: “إسرائيل تشن هجوماً على إيران"، و"غارة إسرائيلية تستهدف محيط السفارة الإيرانية". أي أن الفعلين أسندا إلى إسرائيل كفاعل،  وإيران كمفعول به.

في المقابل، حضرت كلمة "تشن/يشن" في 88 عنواناً، لكن الجمع بينها وبين إيران كفاعل كان نادرا. فمعظم استخدام الفعل ارتبط بإسرائيل، مثل: "إسرائيل تشن موجة جديدة من الضربات على طهران" — أي "يشن" مرتبطة بإسرائيل فاعلاً لا بإيران. وحين تكون إيران هي من تشن، يميل المحرر إلى صياغة بديلة: "هجمات إيرانية" بدلاً من "إيران تشن".

 

 

في المقابل، حضرت كلمة "يطلق" في المتون، وغابت نسبياً عن العناوين. فقد ظهرت في 15 عنواناً فقط بوزن 0.036، بينما تراكمت في المتون بوزن 26.1. ولأن الفعل صريح في إسناد الفعل للفاعل، مثل: "إيران تُطلق صواريخ"، فإن هذا الفارق يعد مؤشراً على تغييب الفاعلية في العناوين.

كما أن العناوين التي تضمنت "يطلق/أطلق" تتجنب الإسناد الصريح، مثل: “السعودية.. اعتراض صواريخ أُطلقت باتجاه قاعدة جوية"، حيث جاء الفعل مبنياً للمجهول، من دون ذكر من أطلق الصواريخ، بينما ورد ذكر إيران في المتن.

 أما كلمة "تدمير" التي تظهر بنسبة تركيز 3.19 لصالح المتون، فتوضح سياسة التجهيل بوضوح، إذ تظهر في المتون ضمن سياق مباشر، مثل: "الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير صاروخ مجنح شرق محافظة الخرج". لكن استخدامها في العناوين كان شحيحاً، لأن ذكر "التدمير" يستلزم منطقياً ذكر ما تم تدميره، وهو صاروخ إيراني، وهو ما تتفاداه بعض العناوين الخليجية.

كما أظهر التحليل مجموعة كلمات ظهرت بشكل متوازن بين العناوين والمتون، مثل: اعتراض، باتجاه، الدفاع، السعودية. وهذا يعني أن المحرر لم يتهرب من ذكر "الاعتراض" و"الدفاع" و"السعودية"، لكنه تهرب من ربطها بـ"إيران كفاعل" وما أطلقته في العنوان نفسه.

ففي هذا المثال: "السعودية.. اعتراض صواريخ أُطلقت باتجاه قاعدة جوية"، ظهرت جميع الكلمات المتوازنة (السعودية، اعتراض، باتجاه)، لكن "يطلق" جاءت مبنية للمجهول، ومن أطلقته -أي إيران- كانت غائبة.

ويكشف هذا التحليل أن صياغة العناوين أبرزت إيران، لكنها أخفت أفعالها، وأبرزت الأحداث العسكرية، مثل: الضربات والقصف، لكنها أخفت الفاعل، كما أبرزت نجاح الدفاع الخليجي، مثل الاعتراض والسعودية، لكنها أخفت سببه. لتصبح إيران في النهاية فاعلاً مجهولاً.



حضور كثيف.. لكن عبر الآخرين: كيف دخلت إيران إلى العناوين العربية ؟

لم تكن المشكلة في التغطية العربية أن اسم إيران غاب من العناوين، بل في الطريقة التي حضر بها. إذ تُظهر البيانات أن إيران كانت من أكثر الكلمات حضوراً في التغطية، لكنها لم تظهر - في كثير من الأحيان- بوصفها الطرف الذي يبادر بالفعل بقدر ما ظهرت داخل سياقات أوسع تقودها الحرب نفسها، أو الفاعلين الخارجيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

 

فعلى مستوى العناوين مجتمعة، ظهرت كلمة "إيران" منفردة في نحو 39.7% من العناوين، وهي نسبة مرتفعة تعكس مركزية البلد في التغطية. لكن هذه المركزية لا تعني بالضرورة أن إيران قُدّمت باعتبارها الفاعل الرئيسي في الحدث. 

فعندما ننتقل من مجرد الحضور العددي إلى طبيعة السياق الذي وردت فيه الكلمة، تتبدل الصورة. فقد اقترن اسم "إيران" بكلمة "الحرب" في 5.4% من العناوين، وهي النسبة نفسها تقريباً التي اقترن فيها بـ"ترامب"، بينما اقتران بـ"إسرائيل" في نحو 3% من العناوين.

 

 

هذه الأرقام تشير إلى أن حضور إيران جرى، في جزء معتبر منه، عبر علاقات لغوية تضعها داخل مشهد يُدار من الخارج: حرب تُشن عليها أو حولها، رئيس أمريكي حاضر في المشهد، وإسرائيل بوصفها طرفاً مباشراً في الفعل العسكري. 

بكلمات أخرى، لم تظهر إيران في العناوين دائماً كقوة مستقلة تصوغ الحدث من موقعها، بل كثيراً ما ظهرت كعقدة داخل سردية أوسع يقودها لاعبون آخرون.

ويزداد هذا المعنى وضوحاً حين ننظر إلى السياقات الخليجية المباشرة. فاقتران "إيران" بكلمة "الخليج" لم يظهر إلا في 0.78% فقط من العناوين، رغم أن الحرب بعد 28 شباط/ فبراير لم تبق محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية، بل امتدت آثارها إلى القواعد العسكرية والفضاء الأمني في المنطقة. 

أما كلمة "اعتراض"، وهي من أكثر الكلمات التصاقاً منطقياً بسردية الهجمات المتبادلة والدفاعات الجوية، فلم تظهر منفردة إلا بنسبة 0.58%، ولم تتشكل بينها وبين "إيران" علاقة متكررة بما يكفي لتصبح من الأنماط البارزة في العناوين.

ما تكشفه هذه الصورة هو أن العنوان العربي لم يكن ينكر حضور إيران، لكنه أعاد ترتيب هذا الحضور داخل بنية لغوية مختلفة: إيران تُذكر كثيراً، لكن إلى جوار "الحرب" و"ترامب" و"إسرائيل" أكثر مما تُذكر بوصفها فاعلاً مستقلاً يُسند إليه الفعل بوضوح وتكرار. وهذا فارق جوهري، لأن السؤال هنا لا يعود: هل حضرت إيران في التغطية؟ بل: كيف حضرت؟ كقوة تصنع الحدث، أم كاسم ثابت داخل حدث يصوغه آخرون؟



عندما يغيب الفاعل في لحظة الفعل

 

 

في التغطية الإخبارية، هناك لحظات لا تحتمل الغموض: لحظة الضربة، ولحظة الاعتراض، ولحظة إطلاق الصواريخ.
هذه هي النقاط التي يُفترض أن يظهر فيها الفاعل بوضوح: من أطلق؟ من ضرب؟ من بدأ؟

لكن عند تتبّع العناوين المرتبطة بهذه اللحظات، يظهر نمط مختلف. فبينما تتكرر مفردات مثل "هجوم" وضربات" و"تصعيد"، لا يظهر اقتران واضح ومكثف يربط هذه الأفعال مباشرة بإيران بوصفها الفاعل.

فعلى سبيل المثال، يظل اقتران "إيران" بـ "الهجوم" محدوداً (نحو 1.6% فقط)، وهو رقم منخفض مقارنة بحضور كلمة "إيران" نفسها في العناوين.

الأهم من ذلك، أن مفردات مثل "اعتراض" — وهي مفردة تقنية تشير إلى رد فعل دفاعي مباشر — لا تتشكل حولها أنماط واضحة تربطها بإيران في العنوان. وهنا تظهر فجوة لغوية ذات دلالة تحريرية: الفعل موجود، لكن الفاعل ليس حاضراً بالوضوح نفسه.

بدلاً من ذلك، تميل العناوين إلى استخدام صيغ أكثر حياداً أو تعويماً للفعل، مثل: اعتراض صواريخ، تصاعد التوتر، تبادل ضربات، تصعيد عسكري.

هذه الصيغ لا تُخفي الحدث، لكنها تعيد توزيعه لغوياً بحيث يصبح الفعل قائماً بذاته، منفصلاً جزئياً عن فاعله المباشر.
 

وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن بعض المنصات فضّلت بناء العنوان حول النتيجة أو الحالة (توتر، تصعيد، اشتباك)، بدلاً من بنائه حول المبادرة بالفعل.

هذا لا يعني أن الفاعل غائب تماماً من التغطية، بل يعني أن ظهوره ليس متسقاً مع لحظات الفعل نفسها.
بمعنى آخر؛ قد تُذكر إيران بوضوح في سياق سياسي أو تحليلي، لكنها لا تُذكر دائماً بالوضوح نفسه في لحظة الإسناد المباشر للفعل العسكري.

 

 

لا تكشف هذه القراءة أن إيران غائبة من العناوين العربية، بل تكشف أن حضورها يمر كثيراً عبر سياقات تصوغها الحرب والفاعلون الخارجيين، أو عبر عناوين تُبقي الفعل حاضراً من دون أن تمنح الفاعل الدرجة نفسها من الوضوح. 

 

وهنا يصبح السؤال التحريري الأهم ليس: هل ذُكرت إيران؟ بل: متى تظهر بوصفها فاعلًا، ومتى تظهر بوصفها اسماً ثابتاً داخل فعل يصوغه الآخرون؟ 

 

إعداد: إبراهيم هلال