مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

غضب رقمي… أم موجة مُضخَّمة؟ تفكيك حملة "الحشد منظمة إرهابية"

غضب رقمي… أم موجة مُضخَّمة؟  تفكيك حملة "الحشد منظمة إرهابية"

في غضون أيام قليلة من منتصف مارس 2026، تحوّل وسم “الحشد منظمة إرهابية” إلى واحدة من أكثر السرديات حضوراً على منصة X في الفضاء العربي، متزامناً مع تصعيد عسكري وضربات استهدفت مواقع مرتبطة بالحشد داخل العراق. بدا المشهد، للوهلة الأولى، كأنه موجة غضب واسعة أو تحول مفاجئ في المزاج العام.

لكن قراءة البيانات تكشف صورة مختلفة.

فبدلًا من نقاش متدرج أو تفاعل جماهيري واسع، يظهر النشاط الرقمي كـ موجة كثيفة قصيرة العمر، شديدة التركّز، تقودها مجموعة محدودة من الحسابات، وتتكرر داخلها نصوص متشابهة بشكل لافت. وفي قلب هذه الموجة، يتقاطع الخطاب السياسي مع لغة تعبئة تتجاوز النقد إلى نزع الشرعية، وأحياناً إلى الاحتفاء المباشر بالاستهداف العسكري.

هذا التناقض -بين ما يبدو "رأياً عاماً" وما تكشفه الأرقام- يمثل نقطة الانطلاق لهذا التحقيق.

لمعرفة ما إذا كان هذا الحضور الكثيف يعكس بالفعل رأياً عاماً، أم ظاهرة أكثر تركيباً، جرى تحليل عيّنتين من البيانات: 

الأولى تمتد على مدى ستة أشهر، من منتصف أيلول/ سبتمبر 2025 وحتى 14 آذار/ مارس 2026، وتضم مئات المنشورات على منصة X. 

الثانية تغطي الفترة من منتصف شباط/ فبراير حتى 17 آذار/ مارس 2026، وتشمل إشارات عبر عدة منصات، مع هيمنة واضحة لمنصة X.

لم يقتصر الهدف على قياس "الحجم"، بل على تفكيك كيف يتحرك الخطاب: متى يظهر، من يدفعه، كيف يتكرر، وأين يتم تضخيمه.

وعند مقارنة الخطين الزمنيين، تظهر المفارقة الأولى:

بدلاً من مسار تصاعدي تدريجي، يكشف النشاط عن فراغ شبه كامل لأسابيع، قبل أن ينفجر فجأة خلال أيام معدودة في مارس. في العينة الأطول، تتركز الغالبية الساحقة من المنشورات داخل نافذة زمنية لا تتجاوز ستة أيام. بينما تصبح هذه الكثافة أكثر حدة في العينة الأحداث، حيث تتكدس معظم الإشارات داخل أسبوع واحد فقط.

 

المحور الأول: لحظة الانفجار

بين 9 و16 آذار/مارس، تتغير الصورة بالكامل.

يرتفع عدد المنشورات بشكل حاد، يوماً بعد يوم، حتى يبلغ ذروته في منتصف الأسبوع، ثم يتراجع بالسرعة نفسها. هذا النمط - صعود سرعة، قمة حادة، ثم هبوط - أقرب إلى سلوك الحملات أو لحظات التعبئة، منه إلى نقاش اجتماعي طبيعي يتطور تدريجياً.

لكن الأهم ليس فقط توقيت الانفجار، بل موقعه.

قبل هذه الأيام، كان الخطاب موزعاً نسبياً بين عدة منصات: X، Facebook، Instagram، وحتى TikTok بدرجة محدودة. ومع بداية الذروة، يختفي هذا التوزيع تقريباً، ويتحوّل النشاط إلى تركّز شبه كامل على منصة X، التي تصبح فجأة الساحة الأساسية - بل الوحيدة تقريباً - لانتشار الوسم.

هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً. فمنصة X، تجعلها أكثر قابلية لتضخيم الوسوم، وأسرع في إعادة إنتاج الرسائل، وأكثر حساسية للحشد اللحظي. وعندما تنتقل موجة كاملة في لحظة الذروة، يتغير شكل الظاهرة: من نقاش موزع، إلى تعبئة مركّزة.

لماذا يتحول الحشد إلى هدف قابل للتعبئة؟

لفهم سرعة انتشار وسم مثل "الحشد منظمة إرهابية" لا يكفي النظر إلى المنصة وحدها. 

في العراق، لا يُعد الحشد الشعبي مجرد تشكيل أمني، بل عقدة سياسية مركبة: بين كونه مؤسسة رسمية من جهة، وصورة “سلاح موازٍ للدولة” من جهة أخرى. وبين هذين التعريفين، يدور صراع أعمق حول احتكار القوة، دور الدولة، وحدود القرار العسكري.

 

هذا التوتر ليس جديداً، لكنه في آذار/ مارس 2026. أصبح قابلاً للتحول إلى مادة تعبئة يومية.

منذ 2025، برز مسار رسمي - ولو بصياغات دبلوماسية - يدعو إلى احتواء الفصائل المسلحة أو دمجها ضمن إطار الدولة. مثل هذه التصريحات لا تصنع حملة بحد ذاتها، لكنها تنتج “لغة جاهزة” يمكن تعبئتها لاحقاً: "سلاح منفلت"، "حصر السلاح"، و"احتكار القوة". 

 

بالتوازي، يأتي العامل الإقليمي.

في لحظات التصعيد بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران، يتحول العراق إلى ساحة تماس. ومع تقديم بعض فصائل الحشد كامتداد للنفوذ الإيراني، ينزلق الخطاب من نقد داخلي إلى اصطفاف إقليمي: لم يعد الحديث عن "مشكلة حكم"، بل عن "محور" وصراع نفوذ.

وهنا يظهر الفارق بين النقد والتعبئة.

النقد العادي يستهدف الأداء أو القرار. التعبئة تحتاج إلى مبرر أخلاقي ينقل الخصم من خانة السياسي إلى خانة "العدو". 

توصيف الحشد كـ “منظمة إرهابية” يؤدي هذا الدور؛ إذ يخرجه من مساحة الجدل إلى الإدانة المطلقة، ويجعل الخطاب قابلاً للتصعيد العاطفي: غضب، شماتة، أو حتى احتفاء.

وتظهر البيانات هذا التحول بوضوح: 

لايرتفع عدد المنشورات فقط، بل يتوسع وحين يحدث تصعيد عسكري أو ضربات أو تسريبات أو هجمات، يصبح الوصف جاهزًا للاستخدام كعنوان يومي، ويصبح الجمهور قابلًا للتجنيد العاطفي: غضب، شماتة، احتفال، أو خوف.

 

في بياناتنا، تظهر هذه اللحظة بوضوح: ليس فقط ارتفاع عدد المنشورات، بل تحول الخطاب نفسه. الوسوم المصاحبة لا تقف عند “الحشد منظمة إرهابية”، بل تجر معها مفردات الحرب على إيران، وخامنئي، والحرب العالمية، وفي حالات أخرى خطاب شكر مباشر لقوى خارجية. هذا التوسع في المعجم ليس تفصيلاً؛ إنه مؤشر على أن الموجة لا تكتفي بإدانة الحشد، بل تعيد تأطيره داخل سردية أكبر: “الحشد = إيران = الحرب”.

بهذا المعنى، موجة مارس ليست مجرد تفاعل مع حدث، بل تفاعل مع “لحظة سياسية” مكتملة: لحظة يتقاطع فيها الداخل العراقي المتوتر، مع الإقليم المشتعل، مع منصة قابلة للتضخيم اللحظي.

في نافذة أيام معدودة بين 9 و16 مارس 2026، تَحوّل هذا السياق السياسي–الإقليمي المتوتر إلى وقود رقمي مباشر. فجأة يرتفع منحنى المنشورات المرتبطة بوصف الحشد بـ“الإرهاب” من نشاط متقطع إلى اندفاع يومي كثيف، ثم يبلغ ذروته ويتراجع بسرعة مماثلة—كما لو أننا أمام موجة تعبئة لا نقاش طويل النفس. 



الأهم أن الانفجار لا يحدث عبر مسارات متعددة كما يحدث عادة في الجدالات الاجتماعية؛ بل يميل بشدة إلى منصة X تحديداً، وكأن اللحظة تحتاج منصة تُحوّل الهاشتاغ إلى ساحة. داخل هذا الاندفاع، لا يتوقف الخطاب عند إدانة الحشد كقوة داخلية، بل يتمدد لغوياً نحو مفردات الحرب الإقليمية والاصطفاف: إيران، خامنئي، “الحرب على إيران”، “الحرب العالمية”… وفي حالات أخرى، يصل إلى لغة احتفاء بالضربات أو شكر مباشر لقوى خارجية - ما يعني أن السردية لا تعمل كاعتراض داخلي على مؤسسة عراقية فحسب، بل كإعادة تعريف للحشد داخل إطار “محور” يستدعي الاستهداف يبرره. 

 

عند هذه النقطة، تصبح الأسئلة التي تطرحها البيانات منطقية وملحّة: إذا كان هذا مجرد رأي عام، لماذا جاء بهذا الشكل الانفجاري القصير؟ ولماذا تركز على X بهذه الدرجة؟ ولماذا بدا أن بعض الحسابات تقوده بإيقاع أعلى بكثير من بقية المستخدمين؟

 

 حين لا يتكلم الجميع… بل قلة تتكلم كثيراً

عند تفكيك الموجة على مستوى الحسابات، تتغير الصورة جذرياً. فبدلاً من مشاركة واسعة يظهر أن الجزء الأكبر من النشاط تقوده مجموعة محددة من الحسابات، بوتيرة نشر تفوق المتوسط بشكل ملحوظ.

بعض هذه الحسابات تعمل كـ "ماكينة بثّ":نشر كثيف ومتتابع، يواكب التطورات العسكرية لحظة بلحظة ويحوّلها إلى محتوى تعبوي.

 على سبيل المثال، نشر حساب mobile death 88 أكثر من مئة مرة خلال أيام قليلة، بمعدل مرتفع يومياً مستخدما لغة إنذار وتحديثات مستمرة حول "أهداف"، و"ضربات" و"تطورات ميدانية". هذا السلوك لا يشبه نقاشاً تقليدياً، بل يشبه آلية تحافظ على زخم الموجة.

بالمقابل، تدفع حسابات أخرى الخطاب نحو مستويات أعلى من الحدّة، من خلال الاحتفاء بالقصف، أو استخدام لغة تحريضية تتجاوز النقد السياسي. ويظهر حساب مثل iraq arab love كنموذج لهذا النمط.

الأهم أن هذه الأنماط لا تعمل بمعزل عن بعضها: حسابات “البث” تحافظ على الإيقاع، بينما حسابات “التصعيد العاطفي” ترفع حدّة الخطاب—ما يخلق ديناميكية متكاملة تعزز انتشار السردية.



الحشد الرقمي : صعود وهبوط خلال ساعات 

لا يقتصر التصعيد على مستوى الأيام، بل يظهر بوضوح على مستوى الساعات أيضًا.

عند تحليل البيانات زمنياً بشكل دقيق، تظهر قمم حادة في فترات قصيرة، تتشكل ثم تختفي سريعاً. في بعض الحالات، تسجل ساعة واحدة عشرات المنشورات -كما حدث في 13 آذار/ مارس- مع تكرار قمم مشابهة في أيام متتالية.

هذا النمط يختلف عن النقاش الطبيعي، الذي يتوزع عادة على مدار اليوم ويشهد تنوعاً في الإيقاع والآراء. هنا، يبدو الخطاب أقرب إلى "التقاط إشارة": خبر أو تطور مفاجئ، يتبعه اندفاع سريع في النشر، ثم انتقال إلى حدث آخر.

كل عنصر من هذه العناصر -بمفرده- قد يبدو قابلًا للتفسير:

تركّز الحسابات قد يُنسب لنشاط مؤثرين

التكرار قد يُفسر بالحماس

التزامن قد يرتبط بسرعة تداول الأخبار

لكن ما تكشفه البيانات هو تلاقي هذه العوامل في اللحظة نفسها وبالاتجاه نفسه.

في نافذة زمنية قصيرة، تتحرك حسابات محدودة بوتيرة مرتفعة، مستخدمة قوالب لغوية متكررة، ضمن موجة ترتفع وتهبط بسرعة، وتتركّز على منصة واحدة، وتدور حول سردية شبه أحادية.

هذا التداخل بين الزمن، والبنية، واللغة لا يشير فقط إلى نشاط كثيف، بل إلى نمط يعمل بكفاءة: خطاب يُنتج بسرعة، ويُعاد تدويره بسهولة، ويُدفع في لحظات محددة.

الخلاصة

لا يبدو أن ما حدث هو مجرد تضخم طبيعي لرأي عام قائم، بل أقرب إلى تضخيم لسردية محددة عبر آليات رقمية تجعلها تبدو أوسع مما هي عليه.

ليس بالضرورة عبر شبكة مركزية واضحة، بل عبر نمط سلوك متكرر يجعل الخطاب يتحرك ككتلة واحدة، لا كمجموعة أصوات مستقلة.