شريف مراد
شهدت منصة إكس (X) بين 1 و7 مارس/آذار 2026 موجة نقاش رقمي واسعة حول شرعية السلاح في لبنان، تزامنت مع تصعيد سياسي وعسكري في البلاد. ويُظهر تحليل بيانات الرصد أن النقاش لم يقتصر على جدل سياسي تقليدي، بل تحوّل إلى موجة استقطاب حادة تداخلت فيها ثلاث كتل خطابية رئيسية:
نقاش واسع حول القصف في الضاحية الجنوبية لبيروت، وعنقود هجومي يهاجم حزب الله، وعنقود أصغر لكنه أكثر حدّة يهاجم الجيش اللبناني عبر توصيفه بـ"جيش لحد".
وتشير البيانات إلى أن خطاب الكراهية الأكثر كثافة تمركز داخلة الكتلة التي تهاجم حزب الله، في حين ظهرت أقوى مؤشرات التضخيم الرقمي غير الطبيعي في النقاش المرتبط بالضاحية الجنوبية، خصوصاً عبر حشو الوسوم وتركيز النشر في عدد محدود من الحسابات.
يعتمد هذا التقرير، المكتوب وفق منهجية “مجتمع التحقق العربي” في رصد الحملات الرقمية والسلوك غير الأصيل المنسق (CIB)، على تحليل بيانات من منصة Brand Mentions، ويقدّم مؤشرات كمية ونوعية حول حجم الموجة والذروات والكلمات المفتاحية وأنماط الخطاب والعواطف، إضافة إلى مؤشرات التضخيم الرقمي غير الطبيعي، مع التمييز بين ما تؤكده البيانات وما يتطلب تحققاً شبكياً أعمق.



تُظهرالبيانات أن ما جرى لم يكن “حملة واحدة” موحدة، بل موجة رقمية متداخلة انقسمت إلى ثلاث كتل رئيسية مختلفة سردياً لكنها مترابطة موضوعياً:
الكتلة الأكبر كانت كتلة الضاحية/القصف وبلغ حجمها 5,221 منشوراً على منصة إكس خلال الفترة بين 1 و7 مارس، نشرتها 1,925 حساباً. تلاها عنقود الهجوم على حزب الله بحجم 1,154 منشورًا من 503 حسابات. أما عنقود "جيش لحد" فكان الأصغر حجماً، إذ بلغ 202 منشور نشرها 158 حساباً.
على مستوى الأثر، حققت العينة على منصة إكس نحو 136.2 مليون وصول تقديري، وأكثر من 154 ألف تفاعل، إضافة إلى ما يزيد على 15.3 مليون مشاهدة وفق الحقول المتاحة في البيانات.
واستحوذت كتلة الضاحية وحدها على نحو 108.98 مليون وصول و116,310 تفاعلات، في حين حقق عنقود تجريم على حزب الله نحو 25.58 مليون وصول و36,369 تفاعلاً.
أما عنقود "جيش لحد" فكان محدود الأثر نسبياً، إذ بلغ وصله نحو 1.62 مليون مع 1,341 تفاعلاً.

وتكشف هذه الأرقام نقطة تحليلية مهمة: الكتلة الأكبر انتشاراً ليست بالضرورة الأكثر حدة في خطاب الكراهية، لكنها تتحول بحكم حجمها إلى الساحة الرئيسية التي ينتقل عبرها الخطاب إلى جمهور أوسع.

تُظهر البيانات أن النشاط الرقمي تصاعد على موجتين أساسيتن
بدأت الموجة الأولى في 2 مارس مع تسجيل 883 منشوراً، على منصة إكس، واستمر النشاط المرتفع في 3 مارس (850 منشوراً) و4 مارس (813 منشوراً).
ثم جاءت الموجة الثانية الأكبر، إذ بلغ حجم المنشورات 1,748 منشوراً في 5 مارس، قبل أن تسجل العينة الذروة القصوى في 6 مارس بـ 1,909 منشورات، وفي 7 مارس انخفض النشاط إلى 95 منشوراً نتيجة توقف التصدير تقريباً في ذلك اليوم.

عند تفكيك الذروة حسب العناقيد، تظهر علاقة واضحة بالسياق السياسي والعسكري .
فقد بلغ عنقود الهجوم على حزب الله ذروته مبكراً في 2 مارس مع 432 منشوراً، قبل أن يتراجع لاحقا.
بينما سجل عنقود "جيش لحد" ذروته في 3 مارس (81 منشوراً) ثم 4 مارس (53 منشوراً). في المقابل، بلغت كتلة الضاحية/القصف ذروتها في 5 مارس (1,533 منشوراً) ثم 6 مارس (1,789 منشوراً)، وهو ما يتزامن مع توسع القصف وتصاعد عمليات النزوح.
ويتسق هذا التدرج الزمني مع تطورات سياسية وعسكرية موثقة؛ إذ أفادت رويترز 2 آذار/مارس بأن الحكومة اللبنانية أعلنت حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، وأن رئيس الوزراء نواف سلام أكد حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
وفي 6 آذار/مارس نقلت رويترز تصاعد القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية وإصدار أوامر إخلاء واسعة، وهو ما يفسر تضخم النقاش الرقمي المرتبط بالضاحية إلى ذروته.

داخل كتلة الضاحية، كان الوسم الأكثر حضوراً #الضاحية_الجنوبية الذي ظهر 2,983 مرة في نافذة التحليل، تلاه #لبنان (1,470 مرة) و#بيروت (526 مرة).
كما ظهرت وسوم إقليمية متداخلة مثل: #العراق و#ايران و#خامنئي و#الحرب_العالمية_الثالثة، وهو ما يشير إلى ربط نقاش الضاحية بسردية إقليمية أوسع تتجاوز الحدث اللبناني المباشر.

أمام داخل عنقود الهجوم على حزب الله، فكان الوسم الأكثر انتشاراً #حزب الله الإرهابي الذي ظهر 817 مرة خلال الفترة محمل التحليل إلى جانب وسوم مثل: #حزب_الله_خارج_عن_القانون و #لبنان_لا_يريد_الحرب..

أما عبارة "جيش لحد"، فلم تظهر أساساً كوسم واسع الانتشار، بل استخدمت غالباً داخل النصوص والردود في سياقات سجالية.
فقد ظهر الوسم #جيش_لحد 7 مرات فقط، بينما تكررت العبارة داخل النصوص في عدد أكبر من المنشورات.
وهذا يشير إلى أن المصطلح عمل كإطار هجومي داخل النقاش أكثر من كونه حملة وسم تعبوي تقليدية.

يُظهر تحليل العناقيد الثلاثة اختلافاً واضحاً في طبيعة الخطاب. فكتلة الضاحية كانت حاوية مختلطة تضم الخبر والتغطية والتعليق السياسي والدعاية، إلى جانب بعض مظاهر الشماتة والتحريض.
أما عنقود الهجوم على حزب الله فكان أقرب إلى حملة هجومية صريحة تقوم على نزع الشرعية السياسية عن الحزب.
بينما يمثل عنقود "جيش لحد" هجوماً مضاداً يستحضر رمزاً تاريخياً مرتبطاً بالعمالة لإسرائيل بهدف التشكيك في شرعية الجيش اللبناني أو وطنيته.

وتتوافق هذه القراءة مع تحليل العواطف وفق أداة BrandMentions (مع التحفظ على حدود التحليل الآلي للعربية):
ففي عنقود الهجوم على حزب الله بلغت نسبت السلبية 95.8%، وبلغ الغضب 88.7%، وهي أعلى القيم بين العناقيد الثلاثاة.
أما كتلة الضاحية فسجلت سلبية 75.1% وغضبًا 46.6%
بينما سجل عنقود "جيش لحد" سلبية 72.3% وغضباً 64.4%.
هذا يعني عملياً أن الكتلة الأكثر كراهية في كثافتها هي تجريم حزب الله، في حين تبقى كتلة الضاحية الأكثر انتشاراً واتساعاً لكنها ليست كتلة كراهية خالصة.
اعتمد التحليل على التمييز بين مستويين من الخطاب:
الأول: خطاب كراهية صريح يشمل الشماتة بالعنف، أو السبّ ونزع الإنسانية، أو الإهانات الطائفية أو الدعوات المباشرة أو الضمنية للأذى.
في هذا المستوى رُصدت 266 تغريدة خلال الفترة محل التحليل، أي 4.04% من إجمالي منشورات إكس في العينة.

غير أن هذه النسبة لا تتوزع بالتساوي بين العناقيد. فقد بلغت كثافة خطاب الكراهية الصريح:
7.19% داخل عنقود تجريم حزب الله (الأعلى).
5.45% داخل عنقود "جيش لحد".
3.29% داخل كتلة الضاحية.
ومع ذلك، وبسبب حجمها الكبير، احتوت كتلة الضاحية، على العدد الأكبر من منشورات الكراهية الصريحة (172 منشورًا).

أمام المستوى الثاني فهو “الخطاب الهجومي أو التخويني الأوسع” الذي لا يدخل دائماً ضمن تعريف الكراهية القانونية، لكنه يبني عداءً هوياتياً عبر مفردات مثل: “عميل”، “صهيوني”، “إرهابي”، “ميليشيا”، و”جيش لحد”.
ويشير انتشار هذه المفردات إلى أن جوهر الموجة لم يكن فقط في السباب المباشر، بل في إعادة تعريف الخصم سياسياً وهوياتياً: داخل النقاش العام.
نظراً لعدم توفر تفصيل رسمي بين الردود والاقتباسات وإعادة النشر، استُخدمت التغريدات التي تبدأ بمنشن مباشر كمؤشر تقريبي على الدخول في سجالات.
وخلال الفترة محل التحليل شكلت هذه التغريدات 11.6% من إجمالي منشورات إكس.
لكن النسبة ترتفع بوضوح داخل بعض العناقيد:
67.8% في عنقود "جيش لحد"
29.8% في عنقود الهجوم على حزب الله إلى
5.3% فقط في كتلة الضاحية
ويدعم ذلك استنتاجاً مهماً:
عنقود "جيش لحد" كان نمطًا ردّيًا سجاليًا أكثر من كونه حملة بث جماهيري، بينما كانت كتلة الضاحية أقرب إلى محتوى موجّه للجمهور العام.
أما تكرار النصوص، فقد ظهر في العينة، لكنه لا يصلح وحده دليلاً على وجود تنسيق غير أصيل؛ إذ يعود جزء منه إلى صياغات خبرية متشابهة أعادت حسابات مختلفة نشرها. لذلك كان المؤشر الأقوى على التضخيم في هذه المرحلة هو نمط النشر وحشو الوسوم لا التشابه النصي وحده.
ويُعد السلوك غير الأصيل انتهاكاً لسياسات منصة "إكس"، ما يفرض على المنصة تعزيز آليات الرصد وكشف الشبكات التي تدير حملات منسقة، إذا كانت تضمنت خطاب كراهية أو تحريضاً أو معلومات مضللة.
لا تسمح البيانات المتاحة بالجزم بأن أقدم ظهور في التصدير يمثل “مطلق الصافرة” الحقيقي؛ إذ قد يسبق تاريخ الوسم نافذة العينة، كما أن التحقق الشخصي والشبكي للحسابات لم يكتمل بعد. ومع ذلك، يمكن تحديد أقدم ظهور مرصود في البيانات داخل نافذة 1–7 مارس.

فقدم سُجل أقدم ظهور لوسم #حزب_الله_الارهابي في 1 آذار/ مارس عند الساعة 00:41 عبر الحساب @motamard_B. كما ظهر تعبير "جيش لحد" داخل النصوص في 1 آذار/ مارس عند الساعة 00:56 عبر الحساب @AbnQlwb38725، بينما ظهر الوسم #جيش_لحد في 3 آذار/ مارس عند الساعة 06:07 عبر الحساب @Ahmadabed1812.
أما وسم #الضاحية_الجنوبية فظهر داخل نافذة التحليل في 1 آذار/ مارس عند الساعة 19:53 عبر الحساب @nicfrakesjourno، في حين ظهرت عبارة "ضاحية بيروت" في اليوم نفسه عبر حساب صحيفة “النهار”.
وعند توسيع النظر إلى كامل التصدير، تظهر مؤشرات على أن العداء اللفظي تجاه حزب الله سبق الموجة الأساسية إذ ظهر منذ 26 شباط/ فبراير، كما ظهرت عبارة “جيش لحد” ووسمها قبل 1 آذار/ مارس أيضًا. ويشير ذلك إلى أن ما حدث بعد هذا التاريخ لم يبدأ من فراغ؛ بل استند إلى قوالب لغوية وخطابية كانت موجودة مسبقاً، قبل أن تتكثف مع تصاعد الأحداث.

عند الانتقال من سؤال "من بدأ" إلى سؤال "من ضخم التفاعل؟" تتبدل الصورة.
ففي كتلة الضاحية، تصدرت عدة حسابات من حيث حجم النشر، أبرزها الحساب @mmdly179747 بـ139 منشوراً داخل الكتلة، يليله @campspostplus** بـ111 منشوراً ثم @LebTalks بـ96 منشوراً، و@basheeriraqi20 بـ82 منشوراً، و@Alhadath_Brk بـ 74 منشوراً، و@Yousifcoxp بـ65 منشوراً. وتُظهر هذه القائمة خليطاً بين حسابات إخبارية أو إعلامية وحسابات شخصية كثيفة النشر.
أما من حيث الوصول داخل كتلة الضاحية، فبرزت حسابات ذات قدرة انتشار الوصول مثل و@Omar_Madaniah، و@RaymondFHakim، و@alrougui، و@ahmadslmanx، و@N0_hizbollah، و@mortadapress.
ويشير ذلك إلى أن الحسابات التي تدفع حجم المنشورات ليست بالضرورة هي نفسها التي تحقق أعلى وصول، وأن مسار التأثير يتشكل غالبا عبر طبقتين: طبقة تدفع كثافة النشر وحجم المحتوى، وطبقة أخرى تسهم في توسيع الانتشار والوصول.

وفي عنقود تجريم حزب الله، كان الأعلى حجماً الحساب @NNEng2002 بـ42 منشوراً، و@1fahd_h و@enzo_tarek بـ 34 منشوراً لكل منهما، ثم @farass014 بـ30 منشوراً، و@DarineSuccar7 بـ 26 منشوراً.

أما في عنقود "جيش لحد"، فكان الأكثر نشراً الحسابات @SharafKhodor و@taleb123000 و@samokteich5144، لكن بأحجام محدودة نسبياً مقارنة بالعناقيد الأخرى، ما يدعم الاستنتاج بأن هذا العنقود كان مؤثراً على مستوى السردية والخطاب، أكثر من كونه واسع الانتشار عددياً.
من زاوية التركّز في النسر، تبيّن أن أعلى عشرة حسابات مسؤولة عن 11.6% من إجمالي منشورات العينة على منصة إكس. غير أن هذا التركّز يرتفع داخل بعض العناقيد؛ إذ تسهم أعلى عشرة حسابات في 21.2% من محتوى عنقود تجريم حزب الله، مقابل 14.5% في عنقود الضاحية و18.3% في عنقود "جيش لحد".
ويشير ذلك إلى أن عنقود تجريم حزب الله أكثر تركّزاً وأقل تشتتاً مقارنة بالعناقيد الأخرى.
تشير البيانات إلى أن ما حدث على منصة “إكس” بين 1 و7 مارس 2026 لم يكن “حملة وسم واحدة”، بل موجة رقمية متداخلة حول شرعية السلاح في لبنان.
داخل هذه الموجة، كان خطاب الكراهية الصريح حاضراً بنسبة محدودة عددياً، لكنه ارتفع مع الذروات وتمركز بدرجة أكبر داخل عنقود تجريم حزب الله. في المقابل ظهرت أقوى مؤشرات التضخيم غير الطبيعي داخل النقاش المرتبط بالضاحية، من خلال حشو الوسوم وخطف الترند وتركيز النشر في عدد محدود من الحسابات.
أما تعبير "جيش لحد" فظهر أساساً كإطارًا هجومي سجالي داخل النصوص والردود، أكثر من كونه وسماً تعبوياً واسع الانتشار.