مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

من الوسوم إلى الشارع.. كيف غذّت حملة تضليل رقمية الاحتجاجات ضد اللاجئين في ليبيا؟

من الوسوم إلى الشارع.. كيف غذّت حملة تضليل رقمية الاحتجاجات ضد اللاجئين في ليبيا؟

في الرابع من يونيو/حزيران 2026، احتشد عشرات المتظاهرين في منطقة السراج بالعاصمة الليبية طرابلس احتجاجاً على ما وصفوه بــ "توطين المهاجرين"، رافعين لافتات وشعارات مثل: "لا للتوطين" و"ليبيا لليبيين".

 

ولم تقتصر الاحتجاجات على التظاهر، بل امتدت إلى محاولة اقتحام مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، قبل أن تُغلق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مكتبها في طرابلس مؤقتاً، بالتزامن مع حملات أمنية ومطاردات استهدفت لاجئين ومهاجرين في عدد من شوارع العاصمة طرابلس.

 

لكن كيف تحولت وسوم متداولة على منصات التواصل الاجتماعي إلى احتجاجات انتهت بهذا التصعيد؟

يرصد هذا التحقيق مسار الحملة الرقمية التي سبقت الاحتجاجات، ويحلل أكثر من 1800 منشور نُشرت خلال شهر واحد على منصات التواصل الاجتماعي، للكشف عن كيفية تصاعد خطاب الكراهية، وانتشار المعلومات المضللة، وتضخيم الوسوم المناهضة للاجئين، والعلاقة الزمنية بين النشاط الرقمي وما شهدته طرابلس من احتجاجات.

واعتمد التحقيق على تحليل بيانات المنشورات والوسوم باستخدام أدوات الرصد الرقمي، مع فحص الحسابات الأكثر نشاطاً، وأنماط النشر، والتوقيتات، وطبيعة المحتوى المتداول، بهدف تتبع تطور الحملة ورصد مؤشرات التنسيق وتضخيم الخطاب المعادي للاجئين.

ولم يعتمد التحقيق على عدد المنشورات وحده، بل أخذ في الاعتبار أنماط النشر، وتكرار الرسائل، وانتقال الوسوم بين المنصات، وطبيعة الحسابات المشاركة.

 

 الأمم المتحدة تنفي ادعاءات "التوطين"

عقب الاحتجاجات، أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أعمال العنف ومحاولة اقتحام مقرها، مؤكدة أن التحريض والمعلومات المضللة المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي أسهما في تصاعد التوترات وتهديد موظفي الأمم المتحدة ومقارها.

كما نفت البعثة، إلى جانب وكالات الأمم المتحدة العاملة في ليبيا، بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وجود أي برامج لتوطين اللاجئين أو المهاجرين داخل ليبيا، ووصفت الادعاءات المتداولة بهذا الشأن بأنها "عارية تماماً عن الصحة".

وأكدت أن عمل المفوضية يتم بالتنسيق مع السلطات الليبية والشركاء الدوليين، ويقتصر على حماية الأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد، والعمل على إيجاد حلول خارج الأراضي الليبية، مثل إعادة التوطين في دول ثالثة أو دعم العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية عندما تسمح الظروف بذلك.

 


حقوق النشر AP Photo

 

ورغم هذا النفي الرسمي، استمرت الادعاءات المتعلقة بـ"توطين المهاجرين" في الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، وتزايد استخدامها في الدعوة إلى الاحتجاجات والتحريض ضد اللاجئين، وهو ما يدفع إلى التساؤل: كيف بدأت هذه الحملة الرقمية؟ وكيف تطورت خلال الأسابيع التي سبقت احتجاجات الرابع من حزيران/يونيو؟

 

من مصر وتونس إلى ليبيا.. انتقال الخطاب المعادي للاجئين

أظهر الرصد أن الحملة التي سبقت احتجاجات طرابلس لم تبدأ داخل ليبيا، بل جاءت امتداداً لموجات مشابهة من الخطاب المعادي للاجئين والمهاجرين شهدتها دول مجاورة خلال الأشهر السابقة.

ففي مصر، انتشر وسم #ترحيل_اللاجئين_مطلب_شعبي مصحوباً بمحتوى يهاجم اللاجئين ويحمّلهم مسؤولية أزمات اقتصادية واجتماعية، بينما شهدت تونس حملات مماثلة استخدمت وسوماً مثل #لا_للتوطين و#لا_لتجنيس_عديمي_الجنسية، رافقها خطاب يرفض وجود المهاجرين الأفارقة ويُحذر من مزاعم تتعلق بتغيير التركيبة السكانية.





ويُظهر التسلسل الزمني للمنشورات أن وسم #لا_للتوطين بدأ بالظهور في ليبيا منذ أواخر نيسان/ أبريل 2026، إذ تبنته حسابات وصفحات ليبية استخدمته في نشر مزاعم عن وجود برامج لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وربطت تلك المزاعم بادعاءات تتعلق بـ"تغيير الهوية الديموغرافية" لليبيا، رغم عدم وجود أدلة تدعم هذه الادعاءات.

 

 

وفي الوقت نفسه، بدأت صفحات وحسابات أخرى في إعادة إنتاج الخطاب نفسه، مع الدعوة إلى تنظيم احتجاجات رفضاً لما وصفته بـ"التوطين"، لتدخل الحملة مرحلة جديدة انتقلت فيها من تداول الوسوم إلى الدعوات المباشرة للنزول إلى الشارع.

 

من الدعوة إلى الاحتجاج إلى تأجيج الكراهية

مع اتساع استخدام وسم #لا_للتوطين، بدأت بعض الصفحات والحسابات الليبية في توظيفه للدعوة إلى احتجاجات كان من المقرر تنظيمها في الأول من أيار/مايو، تحت شعارات من بينها "فتح البحر أمام المهاجرين".

وكان حساب "جرائم المليشيات" على منصتي فيسبوك واكس من أوائل الحسابات التي نشرت دعوات إلى هذه الاحتجاجات. ويُظهر فحص الحساب أن الصفحة حديثة نسبياً؛ إذ أُنشئت على منصة اكس عام 2021، بينما ظهرت على فيسبوك عام 2024.


كما كررت صفحة "فضح المسؤولين" الدعوة إلى الاحتجاجات، وأظهر فحص خاصية الشفافية على فيسبوك أنها أُنشئت في كانون الثاني/يناير 2026، وكانت تحمل في السابق اسم "حراك شباب زليتن ضد التوطين والوجود الأجنبي".



لكن مع نهاية نيسان/أبريل، تراجع التركيز على الدعوة إلى التظاهر، لتحل محله موجة جديدة من المنشورات التي اعتمدت على إثارة الغضب والمخاوف تجاه اللاجئين والمهاجرين.

فانتشرت مقاطع فيديو وصور زعمت حرق محال تجارية يملكها أفارقة في مدينة الزاوية، كما تداولت حسابات عدة منشورات تتحدث عن وجود جهود لتجنيس مهاجرين أفارقة ومنحهم الجنسية الليبية، دون تقديم أدلة موثقة تدعم هذه المزاعم.

وبمرور الوقت، لم تعد الحملة تقتصر على تداول مزاعم تتعلق بـ"التوطين"، بل اتجهت بصورة متزايدة إلى نشر محتوى يحمل خطاباً عدائياً تجاه اللاجئين والمهاجرين، ويصور وجودهم باعتباره تهديداً أمنياً واجتماعياً.




 

 

معلومات مضللة غذّت خطاب الكراهية

خلال شهر أيار/مايو، ازداد انتشار المنشورات التي تربط اللاجئين والمهاجرين الأفارقة بممارسات وسلوكيات مثيرة للنفور، في نمط متكرر يهدف إلى تأجيج المشاعر السلبية تجاههم.

ومن بين أكثر الأمثلة تداولاً، مقطع فيديو نشره حساب "جرائم المليشيات" مدعياً أنه يُظهر طفلاً إفريقياً يأكل لحم قطة نيئاً. وأعادت صفحات وحسابات أخرى نشر المقطع على نطاق واسع، مرفقاً بتعليقات استخدمت لغة تحريضية ضد الأفارقة، كما رُوجت ادعاءات أخرى تزعم ارتباطهم بممارسات "السحر الأسود".


ورغم الانتشار الواسع لهذا النوع من المحتوى، لم يقدم ناشروه أدلة تثبت صحة الادعاءات المصاحبة له، بينما أظهر الرصد أن المقطع استُخدم بكثافة ضمن المنشورات التي تضمنت وسم #لا_للتوطين، بما ساهم في تعزيز انتشاره وربطه بخطاب الكراهية المتصاعد.

وفي سياق مماثل، أعادت حسابات حديثة الإنشاء أو مجهولة الهوية تداول منشورات تضمنت معلومات مضللة بشأن وجود "وثائق" تثبت تنفيذ مشاريع لتوطين المهاجرين في ليبيا.

ومن بين هذه الحسابات، حساب يحمل اسم "Gahida TwTw"، نشر ادعاءً يفيد بأن جهاز الأمن في مدينة مصراتة داهم مقر منظمة إيطالية، وعثر داخله على وثائق تتعلق بخطط لتوطين المهاجرين.



إلا أن البحث في المصادر المفتوحة، ومراجعة البيانات الصادرة عن الجهات الليبية ذات الصلة، لم يُظهر أي أدلة على وقوع هذه المداهمة أو العثور على مثل تلك الوثائق، وهو ما يرجح أن الادعاء جرى تداوله دون أساس موثق.

ولم يكن هذا المثال الوحيد، إذ اعتمدت الحملة على إعادة تدوير عدد من الادعاءات غير المثبتة، مع إعادة نشرها عبر حسابات وصفحات مختلفة، بما أسهم في زيادة انتشارها وتعزيز التفاعل معها.

 

من التفاعل الرقمي إلى الاحتجاجات

أظهر تحليل التعليقات وإعادات النشر أن المنشورات التي حملت وسوماً مثل #لا_للتوطين و#ترحيل_الأفارقة و#طرد_منظمة_الهجرة لم تقتصر على تداول المعلومات المضللة، بل رافقها خطاب يحرض على رفض وجود اللاجئين والمهاجرين، والدعوة إلى ترحيلهم، وربطهم بمشكلات أمنية واجتماعية.

كما شهدت التعليقات استخداماً واسعاً لعبارات تصف اللاجئين بصفات مهينة أو تنزع عنهم صفة الضحية، إلى جانب الدعوة إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً بحقهم.

ويُظهر التسلسل الزمني للمنشورات أن وتيرة هذا الخطاب تصاعدت تدريجياً خلال شهر أيار/مايو، قبل أن تبلغ ذروتها في الأيام التي سبقت احتجاجات الرابع من حزيران/يونيو، عندما تحولت الدعوات المتداولة عبر المنصات الرقمية إلى احتجاجات ميدانية شهدت محيط مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

ولا يثبت هذا التسلسل الزمني، بمفرده، وجود علاقة سببية مباشرة بين النشاط الرقمي والأحداث الميدانية، لكنه يكشف عن تزامن واضح بين تصاعد الحملة الرقمية وارتفاع حدة الاحتجاجات، بالتوازي مع انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية ضد اللاجئين والمهاجرين.

 

حملة رقمية واسعة خلال شهر واحد

لرصد حجم النشاط الرقمي المرتبط بالحملة، حلّل التحقيق 1800 منشور نُشرت خلال الفترة الممتدة من أواخر نيسان/أبريل وحتى الرابع من حزيران/يونيو 2026، وجميعها تضمنت وسوماً مرتبطة بمهاجمة اللاجئين والمهاجرين في ليبيا، وفي مقدمتها وسم #لا_للتوطين، الذي تحول إلى الوسم الأكثر حضوراً في محتوى الحملة.



ورغم أن عدد المنشورات يبدو محدوداً نسبياً، فإنها حققت انتشاراً لافتاً خلال فترة زمنية قصيرة، إذ تجاوز إجمالي الوصول والمشاهدات 284 مليون مشاهدة، فيما بلغ إجمالي التفاعلات نحو أربعة ملايين تفاعل، وهي أرقام مرتفعة مقارنة بحجم المحتوى المنشور، ما يستدعي التوقف عند آليات انتشاره وطبيعة الحسابات التي ساهمت في تضخيمه.


فيسبوك استحوذ على معظم النشاط

أظهر توزيع المنشورات بحسب المنصات أن فيسبوك كان الساحة الرئيسية للحملة، إذ استحوذ على 79.41% من إجمالي المنشورات المرصودة.

وجاءت تيك توك في المرتبة الثانية بنسبة 11.34%، تلتها إنستغرام بنسبة 4.37%، ثم اكس بنسبة 3.87%.

كما رصد التحقيق مشاركة:

464 حساباً على فيسبوك.

112 حساباً على تيك توك.

63 حساباً على إنستغرام.

38 حساباً على اكس.

ويشير هذا التوزيع إلى أن النشاط لم يكن محصوراً في منصة واحدة، وإنما امتد عبر أكثر من منصة، مع بقاء فيسبوك المحرك الرئيسي لتداول الوسوم والمنشورات.



ذروة النشاط تزامنت مع الاحتجاجات

يكشف الخط الزمني للمنشورات عن تصاعد تدريجي في حجم المحتوى المنشور طوال شهر أيار/مايو، قبل أن يبلغ ذروته في الرابع من حزيران/يونيو، وهو اليوم الذي شهد الاحتجاجات أمام مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

وخلال ذلك اليوم وحده، رُصد 402 منشور، وهو أعلى معدل نشر يومي خلال فترة الرصد، كما سجلت المنشورات أعلى مستويات الوصول والتفاعل، بالتزامن مع تصاعد الأحداث على الأرض.

ولا يكفي هذا التزامن، في حد ذاته، لإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين النشاط الرقمي والاحتجاجات، لكنه يُظهر ارتباطاً زمنياً واضحاً بين تصاعد الخطاب المتداول على المنصات وبين ذروة الأحداث الميدانية.


خطاب الكراهية انعكس في الوسوم والكلمات الأكثر تداولاً

لم يقتصر أثر الحملة على حجم المنشورات، بل ظهر أيضاً في طبيعة اللغة المستخدمة داخلها.

فقد أظهرت سحابة الوسوم أن أكثر الوسوم تداولاً كانت:

#ليبيا،  و#طرد_منظمة_الهجرة، و#لا_للإقامة، و#ترحيل_الأفارقة، و#لا_للتجنيس، و#الترحيل.

وتعكس هذه الوسوم تركيز الحملة على رفض وجود اللاجئين والمهاجرين، مع تصاعد الدعوات إلى ترحيلهم أو منع استقرارهم داخل ليبيا.


كما أظهرت سحابة الكلمات الأكثر استخداماً حضور عبارات مثل:

"الشعب الليبي".

"غير الشرعيين".

"المتسللين غير الشرعيين".

"مفوضية اللاجئين".

"إلغاء المرسوم".

"لا للإقامة".

وتُظهر قراءة هذه الكلمات في سياق المنشورات أنها استُخدمت بصورة متكررة لتوصيف اللاجئين والمهاجرين بوصفهم مصدر تهديد، أو للمطالبة باتخاذ إجراءات ضد وجودهم.

ويلاحظ أيضاً أن تعبيري "غير الشرعيين" و"المتسللين غير الشرعيين" كانا من أكثر الأوصاف استخداماً داخل المنشورات لوصف اللاجئين والمهاجرين، وهو ما يعكس طبيعة الخطاب المتداول في الحملة، دون أن يتبنى التحقيق هذه التوصيفات.

مؤشرات تستدعي مزيداً من الفحص

تُظهر هذه البيانات أن الحملة لم تعتمد فقط على نشر عدد كبير من المنشورات، بل نجحت في تحقيق معدلات انتشار مرتفعة خلال فترة زمنية قصيرة، مع تكرار استخدام الوسوم نفسها عبر منصات مختلفة، وتزامن واضح في توقيتات النشر.

ولا تكفي هذه المؤشرات وحدها للجزم بوجود تنسيق منظم بين جميع الحسابات المشاركة، لكنها تمثل مؤشرات تستحق الفحص، خاصة عند قراءتها إلى جانب أنماط النشر، وطبيعة الحسابات الأكثر نشاطاً، والرسائل المتكررة التي حملتها المنشورات، وهو ما يتناوله الجزء التالي من التحقيق.

 

ما الذي يشير إلى وجود تنسيق؟

لا يكفي انتشار وسم أو ارتفاع معدلات التفاعل، بمفرده، للقول بوجود حملة رقمية منسقة. لذلك لم يعتمد هذا التحقيق على حجم المنشورات فقط، وإنما حلّل مجموعة من المؤشرات المرتبطة بأنماط النشر وتكرار الرسائل وانتشارها عبر المنصات المختلفة.

وأظهر التحليل تكرار استخدام الوسوم نفسها في عدد كبير من المنشورات، مع إعادة تداول الرسائل ذاتها بصيغ متقاربة عبر صفحات وحسابات مختلفة، إضافة إلى تزامن ملحوظ في وتيرة النشر خلال الفترات التي سبقت الاحتجاجات. كما رُصدت مشاركة صفحات حديثة الإنشاء، إلى جانب صفحات لا يرتبط نشاطها المعتاد بالشأن السياسي، في نشر الوسوم والرسائل نفسها، وهو ما وسّع نطاق انتشارها ووصولها إلى شرائح مختلفة من المستخدمين.

كما أظهرت البيانات أن عدداً محدوداً نسبياً من المنشورات حقق معدلات انتشار وتفاعل مرتفعة بصورة لافتة خلال فترة زمنية قصيرة، بالتوازي مع إعادة تدوير الادعاءات نفسها عبر حسابات متعددة. ولا تمثل هذه المؤشرات، منفردة، دليلاً قاطعاً على وجود إدارة مركزية للحملة، لكنها، عند قراءتها مجتمعة، تقدم مؤشرات قوية على وجود نمط منسق في تضخيم الوسوم والرسائل التي رافقت الحملة.

 

 الحسابات الأكثر نشاطاً.. من قاد تضخيم الحملة؟

أظهر تحليل الحسابات والصفحات الأكثر نشاطاً أن جزءاً كبيراً من المحتوى المتداول لم يصدر عن مؤسسات إعلامية أو جهات رسمية، بل عن صفحات إخبارية غير معروفة، وحسابات حديثة الإنشاء، وصفحات ذات اهتمامات لا ترتبط بالشأن السياسي، شاركت جميعها في نشر الوسوم نفسها وإعادة تداول الرسائل ذاتها.

كما رصد التحقيق استخدام بعض المنشورات لوسوم حملت خطاباً عنصرياً صريحاً، من بينها #العنصرية_واجب_وطني، وهو ما يعكس مستوى التصعيد الذي وصلت إليه بعض الرسائل المتداولة خلال الحملة.

حسابات تصدرت النشر

جاء في مقدمة الحسابات الأكثر نشراً حساب على فيسبوك يحمل اسم "حاتم الزوي"، ويعود إلى شخص حقيقي يعرّف نفسه بأنه طبيب وخريج جامعة الزقازيق، كما يعلن في منشوراته معارضته لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وعداءه لجماعة الإخوان المسلمين.

وخلال فترة الرصد، نشر الحساب 160 منشوراً، تضمنت جميعها تقريباً وسوماً معادية لوجود اللاجئين، وفي مقدمتها #لا_للتوطين.


وجاءت بعده صفحة "الخبر اليقين"، وهي صفحة أُنشئت عام 2024 وتقدم نفسها باعتبارها صفحة إخبارية غير رسمية، إذ نشرت 158 منشوراً تضمنت الوسوم نفسها، بما جعلها من أكثر الصفحات مساهمة في نشر محتوى الحملة.

ورغم اختلاف طبيعة هذين الحسابين، فإن تشابه الرسائل والوسوم المستخدمة بينهما يعكس نمطاً متقارباً في المحتوى المنشور خلال فترة الرصد.


صفحات شاركت في إعادة إنتاج الخطاب

أظهر التحليل أيضاً نشاط صفحة "PsyCo M"، التي يديرها خمسة أشخاص، أربعة منهم من تونس، وآخر من فرنسا، وفق بيانات الشفافية على فيسبوك.

وسبق للصفحة أن شاركت في حملات تناولت ملف المهاجرين في تونس، ودعت في آذار/مارس 2026 إلى احتجاجات ضد ما وصفته بـ"مشروع الاستيطان"، قبل أن تنشر خلال فترة الرصد في ليبيا 47 منشوراً تضمنت وسوماً مثل #طرد_منظمة_الهجرة و#ترحيل_الأفارقة.

ولا يكفي هذا النشاط، بمفرده، لإثبات وجود تنسيق مباشر بين الحملتين في تونس وليبيا، لكنه يُظهر استمرار الصفحة في تبني الخطاب نفسه عند تناول ملف الهجرة في أكثر من دولة.



كما رصد التحقيق مشاركة صفحة "ليبيا أوريجنال"، وهي صفحة تجارية تعلن تقديم خدمات الدعاية والإعلان، ورغم أن نشاطها المعتاد لا يرتبط بالشأن السياسي، فإنها نشرت 35 منشوراً تضمنت وسوماً مثل #ليبيا_لليبيين و#لا_للتوطين.

ويشير انخراط صفحات تجارية في تداول هذه الوسوم إلى اتساع نطاق انتشار الحملة، ووصولها إلى حسابات لا يرتبط نشاطها الأساسي بالقضايا السياسية.




 صفحات سياسية وحسابات تبنت خطاباً أكثر حدة

لم تقتصر المشاركة على الصفحات الإخبارية أو التجارية، بل شملت أيضاً صفحات ذات توجهات سياسية واضحة.

فقد شاركت صفحة "ضد الإخوان في ليبيا" في نشر محتوى يربط بين وجود اللاجئين ومزاعم تنفيذ مشروع لتوطين الأفارقة، مع تحميل جماعة الإخوان المسلمين مسؤولية ذلك.


كما برز حساب يحمل اسم "العزيز يوسف"، حدد موقعه في مدينة بنغازي، وتركزت غالبية منشوراته على مهاجمة اللاجئين والمهاجرين، مستخدماً وسوماً مثل #العنصرية_واجب_وطني و#سحب_الجنسية_وطرد_الأجانب_مطلب_شعبي.



وأشار صاحب الحساب في بياناته التعريفية إلى أنه يعمل في "المخابرات"، كما تظهر في صورة الغلاف مركبة عسكرية تحمل الرقم 106، ما يُرجح أنه ينتمي للكتيبة 106، المعروفة بكتيبة "حرس الحدود" التابعة للجيش الليبي التابع للمشير خليفة حفتر بمدينة بنغازي، والمعروف عنها أنها تنشط بالمناطق الحدودية وتشتبك مع المجموعات المسلحة الأخرى.

ولا يتيح ذلك الجزم بانتمائه إلى الكتيبة 106 التابعة لجيش حفتر في شرق ليبيا، لكنه يمثل معلومة تستحق الإشارة إليها باعتبارها جزءاً من البيانات المعلنة على الحساب، دون إمكانية التحقق المستقل من صحتها.

مؤشرات على تضخيم الحملة

تكشف البيانات أن الحملة اعتمدت على عدد محدود نسبياً من المنشورات، لكنها حققت انتشاراً واسعاً خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع تكرار استخدام الوسوم نفسها، وإعادة تداول الرسائل ذاتها عبر حسابات وصفحات مختلفة.

كما أظهر التحليل مشاركة صفحات حديثة الإنشاء، وصفحات تجارية، وصفحات سياسية، وحسابات مجهولة أو محدودة النشاط السابق، في إعادة نشر المحتوى نفسه خلال الفترة الزمنية ذاتها.

ولا تثبت هذه المؤشرات، منفردة، وجود إدارة مركزية للحملة أو تنسيق مباشر بين جميع الحسابات المشاركة فيها، لكنها تتسق مع أنماط تُلاحظ عادة في الحملات الرقمية التي تعتمد على تضخيم الوسوم وإعادة إنتاج الرسائل عبر عدد كبير من الحسابات والصفحات.

 

يكشف هذا التحقيق.. 

أن الخطاب المعادي للاجئين في ليبيا لم يقتصر على منشورات متفرقة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تطور خلال أسابيع إلى حملة رقمية واسعة اعتمدت على تكرار الوسوم، وإعادة تدوير المعلومات المضللة، وتصعيد خطاب الكراهية تجاه اللاجئين والمهاجرين.

كما يُظهر التسلسل الزمني للحملة تزامناً واضحاً بين تصاعد النشاط الرقمي وارتفاع وتيرة الاحتجاجات التي شهدتها طرابلس في الرابع من حزيران/يونيو 2026، وهي الاحتجاجات التي انتهت بمحاولة اقتحام مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وإغلاق مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مؤقتاً.

ورغم أن البيانات التي توصل إليها التحقيق لا تسمح بإثبات علاقة سببية مباشرة بين النشاط الرقمي والأحداث الميدانية، فإنها توثق كيف أسهم انتشار المعلومات المضللة، وتكرار الرسائل المحرضة، واتساع نطاق تداول خطاب الكراهية، في خلق بيئة رقمية أكثر قابلية لتصعيد التوترات تجاه اللاجئين والمهاجرين في ليبيا.

وتبرز هذه النتائج كيف يمكن لحملات التضليل وخطاب الكراهية، عندما تتكرر وتُضخَّم عبر المنصات الرقمية، أن تنتقل من الفضاء الإلكتروني إلى التأثير في الأحداث على الأرض.



 إعداد: إبراهيم هلال