في منتصف أغسطس/آب 2025، اجتاح وسم #مجزرة_بورتسودان منصّات التواصل الاجتماعي، حاملاً روايات عن قتل جماعي ارتكبته قوات حكومية في شرق السودان. سرعان ما تحوّل الوسم إلى ساحة مشحونة بالاتهامات، الشهادات، والصور المتداولة. لكن خلف هذا الضجيج الرقمي، برز سؤال مركزي: هل تعكس هذه السردية واقعاً ميدانياً أم أنها نتاج حملة منظمة تستهدف تشكيل الرأي العام السوداني والإقليمي؟
تأتي هذه الموجة وسط اضطراب سياسي وأمني واسع في السودان، إذ تتقاطع أزمات الحرب الداخلية مع تفكك السلطة المركزية، واحتدام النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع. في هذا السياق، تمثل مدينة بورتسودان موقعاً استراتيجياً باعتبارها الميناء البحري الأهم وبوابة السودان الاقتصادية وقاعدة إرتكاز الحكومة السودانية، ما يجعل أي سردية عن "مجزرة" هناك ذات دلالات سياسية أبعد من الحدث نفسه.
تم الاعتماد على تحليل بيانات منصة إكس باستخدام أداة Meltwater، إلى جانب معالجة بيانات مكثفة (أكثر من 100 ألف تغريدة ضمنها عينة ممثلة من 20 ألف تغريدة)، لفحص ديناميات انتشار الوسم، طبيعة الحسابات المؤثرة، والبنية السردية المصاحبة له.
يهدف هذا التقرير إلى التحقق من طبيعة الخطاب الرقمي حول ما سُمّي "مجزرة بورتسودان"، وذلك باستخدام أدوات الرصد الشبكي والتحليل اللغوي. يتناول التقرير نطاق الحملة الرقمية بين 13 و15 أغسطس/آب 2025، ويحلل ديناميات النشاط، أنماط التفاعل، البنية الجغرافية، والسمات الخطابية، من خلال فحص البيانات الكمية (التكرارات، المشاركة، الشبكة) والنوعية (المصطلحات، الرسائل المكررة، الخطاب السردي).
مؤشرات التنسيق المُسبَق
خلال الأسبوع الأول من أغسطس/آب 2025، ظلّ الحديث عن بورتسودان باهتاً ومتقطعاً على منصة إكس. لم تحمل المنشورات أي وتيرة لافتة، وظلّ وسم "سلطة بورتسودان" يظهر ضمن سياقات متناثرة حتى مساء 11 أغسطس/آب. لكن مع صباح اليوم التالي، وتحديداً عند الساعة 10:37 من صباح 12 أغسطس/آب، سُجّل أول ظهور لوسم #مجزرة_بورتسودان، تبعته موجة متسارعة من الوسوم المتقاربة لغوياً مثل #جرائم_سلطة_بورتسودان الذي ظهر عند الساعة 11:17 صباحاً، في ما بدا وكأنه بداية حملة رقمية مركّزة.
خلال ساعات قليلة، تضاعف عدد المنشورات بشكل لافت، لتبلغ ذروتها مساء 12 أغسطس/آب بـ 129 منشوراً يحمل أحد وسوم الحملة. استمرت الموجة ليومٍ إضافي، حيث سُجّل 61 منشوراً في 13 أغسطس/آب ضمن المجموعة نفسها، قبل أن تنخفض الوتيرة تدريجياً في اليوم التالي. الملفت أن هذه الطفرة جاءت بعد أكثر من عشرة أيام من النشاط الخافت، ما يُشير إلى اندفاع فجائي وموحَّد لم يكن نتيجة تصاعد طبيعي في التفاعل العام.
ورغم أن التفاعل على هذه المنشورات ظلّ في المتوسط منخفضاً إلى متوسط، ولم يعتمد على حسابات فائقة التأثير (influencers)، إلا أن التزامن الزمني وانتشار القوالب النصيّة يوحيان بأن الزخم كان مبرمج على الكثافة لا على التأثير.
أما الحسابات التي شاركت في الحملة، في غالبيتها لم تُظهر سلوكاً آلياً حاداً. فقد سُجّل فقط 1.2% من منشورات مجموعة التركيز منسوبة حسابات تنشر أكثر من 15 تغريدة في اليوم، وهو مؤشر ضعيف على النشاط الآلي الصريح. كذلك، لم تتجاوز نسبة الحسابات ذات الأسماء الرقمية العالية —وهي إحدى سمات الحسابات الوهمية— حدود (1.2%) أيضًا. ما يشير إلى أن الحملة لم تكن مدفوعة بجيش من الحسابات الزائفة الكلاسيكية، بل كانت أقرب إلى تنسيق سردي قائم على الرسائل الموحدة والتزامن الزمني.
اتسمت منشورات الحملة حول "مجزرة بورتسودان" بشحنة شعورية عالية، تميل في غالبيتها إلى الإدانة الغاضبة والخطاب الاتهامي الحاد. وقد أظهر تحليل المشاعر لمجموعة التركيز أن نسبة المحتوى السلبي – الذي يعبر عن اتهام مباشر، أو غضب شعبي، أو دعوة للتحرك – بلغت نحو 90% من إجمالي المنشورات، مقابل 8% من المحتوى المحايد، وأقل من 1% فقط حمل لغة متزنة أو توعوية أو توصيفية بلا موقف انفعالي واضح.
والمثير للاهتمام أن هذه المشاعر لم تكن متوزعة بشكل عشوائي، بل بدت مُنسَّقة عبر عبارات مكررة. فقد تكررت عبارات مثل:
في عدد كبير من المنشورات، و بصياغات شبه متطابقة.
وقد ظهر أن هذه العبارات لم تُصغَ تلقائياً من الجمهور، بل تشير إلى سطر رسائل موحّد (message line) جرى تداوله وتضخيمه، إما يدوياً من قبل عدد محدود من النشطاء، أو عبر تنسيق جماعي غير معلن.
أما التغيّر الزمني في نبرة المشاعر، فقد ارتبط مباشرة بتطور الحملة نفسها. إذ بلغت الذروة العاطفية في مساء 12 أغسطس، حين استخدم معظم المشاركين تعبيرات حادة، تضمنت اتهامات واضحة بارتكاب "مجزرة"، وربطت بين ما حدث في بورتسودان وبين أنماط القمع التاريخي في السودان، خاصة من قِبل السلطة المركزية. في اليوم التالي، ومع انحسار الحملة، تراجعت حدة اللغة قليلًا، وظهرت منشورات أكثر توصيفاً وأقل حِدة، تعكس ربما محاولات التوسع خارج جمهور الغضب الأصلي.
ومن اللافت أن بعض الحسابات لجأت إلى تحويل الخطاب العاطفي إلى نداءات سياسية مباشرة، مثل الدعوة لمحاكمات دولية أو تحرك أممي، ما يُظهر أن الحملة لم تكن فقط عاطفية، بل كانت مُصمَّمة لتصعيد قضية سياسية.
أظهرت البيانات أن السودان تصدّر بطبيعة الحال قائمة الدول من حيث عدد المشاركات حول موضوع "مجزرة بورتسودان". ثم تمثّلت في حجم التفاعل على الحملة من مستخدمين خارج السودان، لا سيّما من الصومال والسعودية ومصر والإمارات .
وتجدر الإشارة إلى أن بعض الحسابات التي حدّدت موقعها الجغرافي في الخليج (خاصة الإمارات والسعودية) استخدمت عبارات شديدة اللهجة ضد سلطة بورتسودان، وركزت على توصيف "الجرائم ضد الإنسانية"، رغم أن هذه اللهجة لا تُستخدم عادةً في سياقات خارجية، ما يثير فرضية وجود مشاركة أو تحفيز سردي من منفى سياسي، أو حسابات سياسية إقليمية.
إذ تميل الحسابات السعودية تميل إلى تبنّي خطاب شعبي/محلي يهاجم الدعم السريع والمرتزقة (أي مؤيدة نسبيًا للجيش)، لكن بعضها يحمّل بورتسودان المسؤولية أيضًا.
بينما تركز الحسابات الإماراتية بوضوح على إدانة سلطة بورتسودان لصالح مليشيات الدعم السريع وشرعنة خطاب الحكومة الموازية/قوى التأسيس، مستخدمةً لغة حقوقية (جرائم ضد الإنسانية، مجازر) وحتى سخرية سياسية.
تحليل البنية الخطابية: من الدم في الرقبة إلى الكيماوي
في موجة التفاعل على وسم #محاكمة_سلطة_بورتسودان، لم تكن اللغة مجرد تعبير عن الغضب، بل كانت أداة بناء لسردية محكمة تتصاعد على ثلاث مستويات: المطالبة بالمحاسبة، نزع الشرعية عن السلطة، وفتح الباب لتدويل القضية.
تبدأ السردية بلغة محلية مشحونة: “الدم في رقبتكم”، وهي عبارة متكررة ضمن الوسوم الأكثر تداولاً مثل #دماء_النازحين_في_رقبة_بورتسودان. هذه العبارات لا تكتفي بالإدانة، بل توجه إصبع الاتهام مباشرة إلى السلطة، مطالبة بمحاكمة عاجلة، كما يظهر في الوسم الأول على الإطلاق: #محاكمة_سلطة_بورتسودان.
الخطاب لم يكتف بالمطالبة بالعقاب، بل رسّخ تصوراً واضحاً بأن ما حدث في بورتسودان ليس اشتباكاً بين أطراف، بل جريمة متعمدة. الوسوم مثل #جرائم_سلطة_بورتسودان و#مجزرة_بورتسودان حملت دلالات قانونية واضحة، وجرى الربط بين ما حدث هناك وبين أحداث مشابهة مثل #مجزرة_الأبيض، بهدف بناء “ذاكرة مجازر” تُضفي طابع التكرار على الجريمة وتُخرجها من سياق الاستثناء.
حجم التفاعل على هذه الوسوم كان لافتًا: الوسوم الخمسة الكبرى المرتبطة مباشرة بالمطالبة بالمحاسبة والتجريم — #محاكمة_سلطة_بورتسودان (211)، #جرائم_سلطة_بورتسودان (187)، #مجزرة_بورتسودان (184)، #دماء_النازحين_في_رقبة_بورتسودان (175)، و#اوقفوا_مجازر_بورتسودان (166) — شكّلت معاً أكثر من 900 ظهور في العينة، أي ما يقارب 3.6 وسوم مرتبطة بالمجازر في كل منشور من مجموعة التركيز. هذا التكرار الكثيف يدل على أن السردية لم تُترك للارتجال الفردي، بل نُظمت لتكرار رسائل بعينها في صياغة شبه موحدة.
مع تكرار إشارات مثل “مجلس الأمن” والمخابرات”، وذكر دول مثل الإمارات، اتجه الخطاب إلى تحميل المسؤولية للمجتمع الدولي، وطرح القضية كساحة مطالبة بتدخل أممي. هذا التحول يعكس سعياً واضحاً لتدويل الحدث وتحويل الغضب المحلي إلى مطالبة بالمساءلة الدولية.
ربما كان أكثر ما لفت الانتباه هو دخول مفردة “الكيماوي” ضمن الحديث، مع تكرارها أكثر من 17 مرة. هذا المصطلح يُمثّل تصعيداً لغوياً خطيراً، يُضفي على الحادثة طابع الجرائم الدولية المحظورة. ورغم عدم وجود أدلة مستقلة تدعم هذا الادعاء، إلا أن استخدامه يعزز ما يعرف بـ“الصدمة الأخلاقية” التي تُسهّل الحشد والمطالبة بالتدخل الخارجي.
الملفت أن كثيراً من المفردات المستخدمة جاءت من قلب العامية السودانية: “دا، عندو، داير، تفتكرو…”، ما يشير إلى خطاب موجّه من وإلى الداخل، يعزّز الانتماء الجماعي ويُضفي طابعاً شعبياً على الحملة. رغم ذلك، أدت العامية إلى ضبابية في بعض الكيانات المستخرجة (مثل ظهور كلمات مثل “ليك” أو “روحهم” ضمن أسماء الأشخاص)، لكنها لم تُضعف الأثر التعبوي.
جاء التفاعل منسّقًا في توزيع الوسوم، التي شملت هاشتاغات محورية إلى جانب عامة مثل #السودان و#بورتسودان، بما يُشير إلى محاولة توسيع رقعة الخطاب خارج دوائر النشطاء المتخصصين. كما تم ربط الأحداث ببعضها البعض لتكوين ما يشبه “مظلّة سردية” تُهيئ لاحقاً لإعادة توظيف الخطاب في أي واقعة مشابهة.
في يوم 12 أغسطس، وفي فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز 40 دقيقة، ظهرت عشرات النصوص ذات الصيغة المتشابهة أو المتطابقة، مثل:
“#مجزرة_بورتسودان الدم في رقبتكم… لن تمرّ بلا #محاكمة_سلطة_بورتسودان”
“جرائم متواصلة… #جرائم_سلطة_بورتسودان… العالم لازم يشوف”
حتى الآن، لا تتوفر أدلة مستقلة تؤكد استخدام مواد كيماوية في الحرب الأهلية السودانية، ما يجعل هذه الإشارة جزءاً من الخطاب التصعيدي أكثر من كونه استنتاجاً قائماً على تحقيق. أي استخدام إعلامي لهذا الاتهام يجب أن يُرفق بتحذير تحريري واضح.
الصورة حتى الآن في السودان مركّبة: هناك بالفعل تحديد رسمي أمريكي في 22 مايو/أيار 2025 بأن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية (وفق قانون حظر الأسلحة الكيماوية والبيولوجية الأميركي)، ترتبت عليه عقوبات، لكن لم تُنشر أدلّة جنائية علنية قابلة للتدقيق المستقل (عينات، سلاسل حفظ أدلة، تقارير مختبرية) ولم تُجرِ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) تحقيقاً معلناً في مسرح سوداني. بعثة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة وبيانات المفوضية السامية لحقوق الإنسان وثّقت انتهاكات واسعة، لكنها لم تؤكّد استخدام أسلحة كيميائية في حرب 2023–2025 حتى الآن. وفي المقابل، أعلن البرهان تشكيل لجنة وطنية للتحقق من اتهامات واشنطن. ما يعني أن الحديث عن “الكيماوي” ادّعاء ثقيل أساسه حتى اللحظة تحديد حكومي أميركي وليس تحقيقاً فنّياً دولياً مكتمل الأركان. State Reuters OHCHR+United Nations Documentation
ولكي لا تختلط الحقائق التاريخية بالراهن: صحيح أن العقد الماضي شهد اتّهامات موثّقة من منظمات دولية باستخدام مواد يُشتبه بأنها كيميائية في جبل مرّة 2016 - وهو ملف مختلف سياقاً وزماناً - لكن تلك الوقائع لا تكفي بذاتها لإسناد ادّعاءات 2024–2025؛ القياس التاريخي ليس دليلاً راهناً. التحرير السليم يفرّق بين سوابق موثّقة وادّعاءات جديدة تحتاج أدلّة مستقلّة. Amnesty International+Arms Control Association
مطلق الصفارة .. كيف انطلقت الحملة ؟
الحساب الذي حمل اسم (Rima kais haddad (@rimakaiss23 ويبدو أنه أول من أطلق وسم #مجزرة_بورتسودان داخل العيّنة، يكشف عند التمعّن فيه صورة أقرب إلى ما يُعرف في دراسات السوشيال ميديا بـ حساب “اللجنة” أو الحساب الهجين: مزيج من محتوى شخصي–عاطفي سطحي، إلى جانب قفزات مفاجئة في ملفات سياسية حساسة.
من خلال أرشيف تغريداته السابقة، يتضح أنه يملأ خطّه الزمني بمواد عشوائية: أدعية دينية، اقتباسات عاطفية، جُمل الأدب الشعبي، هاشتاغات ترفيهية أو مرتبطة بمسلسلات وأفلام (#ولاد_رزق، #ميرياام_فاارس، #بين السطور، #فيلم_مقسوووم)، وأحياناً وسوم خارج السياق (#bbcqt، #اتحاد الملاكمة التايلندية). هذه العشوائية تعطي انطباعاً بأن الحساب يُدار إمّا بواسطة لجنة إعلامية أو عبر “مزرعة محتوى” تعتمد استراتيجية التنويع والتمويه، بحيث يمرّ الخطاب السياسي بين سيل من منشورات اجتماعية ودينية وعاطفية.
من زاوية أيديولوجية، لا يظهر الحساب هوية فكرية واضحة قبل دخوله على خط “مجزرة بورتسودان”. ليس هناك خط ثابت ضد الجيش أو ضد الدعم السريع في أرشيفه السابق، بل يغلب عليه الحياد/التسطيح، وهو ما يجعل دخوله المفاجئ بوسم “المجزرة” مثيراً للشبهة. هذا النمط يوحي أن الحساب قد يكون جزءاً من شبكة مُعدّة لفتح الوسوم (Whistle-starters)، خصوصاً أن أوليات الهاشتاغات جاءت عبره.
السردية التي قدّمها لا تُبنى على رصيد سياسي سابق له، وإنما على قفزة مباشرة نحو الخطاب العقابي–التجريمي. وهذا ما ينسجم مع ما وُصف في التقرير بوجود “سطر رسائل” موحّد: الحسابات الأقل وضوحاً أو ذات الطابع الشخصي–العاطفي هي التي أُوكلت إليها مهمة إطلاق الوسم ليوحي بأنه وُلد عضوياً، ثم تلحق بها حسابات أكثر وضوحاً في معسكرات الدعم/المعارضة.
تُظهر الشبكة أن الحملة لم تعتمد على “جيش بوتات” أو حسابات آلية، بل على تنسيق سردي بشري محكوم بقوالب جاهزة وزمن إطلاق متزامن. ما ظهر لم يكن “ضجيجاً عشوائياً” بل موجة مُهيكلة: ثلاثة مجتمعات خطابية تلتف حول وسوم مركزية، وتدفع الرسائل في مسارات متوازية.
من أصل 246 منشوراً في عيّنة التركيز، استطعنا تتبّع 68 رابطاً تفاعلياً (كلها Retweets). لم نرصد أي روابط ردّ أو اقتباس واضحة. وهذا يؤكد أن إعادة التدوير اعتمدت على نسخ القوالب والتغريد بها كمنشورات أصلية، أكثر من الاتكال على آليات النشر الكلاسيكية (رد/اقتباس).
رغم محدودية الحواف، برزت عُقد محورية مثل @DohaSaladin و@FaridaWahid23 كـ “محطات عبور” لإعادة تدوير الخطاب.
وبتحليل شبكة المؤلفين مع الوسوم عبر خوارزمية Louvain، انقسمت الحملة إلى ثلاث كتل أساسية:
بتحليل البيانات المسحوبة عبر ميلت ووتر ظهر أكثر من 77% من منشورات التركيز انطلقت خلال 36 ساعة فقط (12–13 اغسطس). هذا الإيقاع يقطع الشك في أننا أمام إطلاق منسّق لا موجة طبيعية.
لسنا أمام تشغيل آلي جارِف (البوتات لا تتجاوز 1.2%)، بل أمام تنسيق بشري يُحاكي “البوتية” عبر الكمّ والتكرار.الهيكل أقرب إلى Hub-and-Spoke مخفّف: وسوم مركزية (محاكمة/جرائم/مجزرة) تشدّ الخطاب، وأطراف عامة (السودان/بورتسودان/الأبيض) توسّع نطاقه.
الحملة ليست “عاصفة عفوية”، بل عملية سردية منظمة، بُنيت على قوالب موحّدة و توقيت مدروس أكثر من اعتمادها على أسماء ضخمة أو آليات نشر آلية. النتيجة: سردية تُصعّد الاتهام على ثلاث درجات — المحاسبة، التجريم، التدويل — وتستعين بمفردات الصدمة (“الدم في الرقبة”، “الكيماوي”) لضمان أقصى قابلية للانتشار.
تحليل الحسابات المؤثرة
في تتبع الحسابات الأكثر تأثيراً ضمن الشبكة التي دعمت حملة #لا للحرب، يبرز حساب "Doha Salah" (@DohaSaladin) بوصفه أحد المحاور المركزية في تدفق الخطاب وتوزيع المحتوى السياسي، لكن ما يميزه ليس فقط عدد متابعيه الذي يتجاوز 8 آلاف، بل طبيعة خطابه المركب بين السخرية السياسية والجدية في نقل الرسائل. رغم أن الحساب يصف نفسه بأنه "Parody account"، إلا أن المحتوى الذي يقدمه لا يترك شكاً في انحيازه الكامل لخطاب تحالف "تأسيس"، الذي يقدّم نفسه كبديل مدني لحكم البرهان، ويطرح سردية مضادة لتدخل الجيش في السياسة ولوجود الإسلاميين في مفاصل الدولة. يعيد الحساب نشر بيانات سياسية، يقتبس تغريدات من قادة هذا التحالف، ويروّج لوسوم مركزية مثل #السودانيون_يستحقون_السلام و#ديسمبر_باقية_وستنتصر، فيما لا يتردد في استخدام هاشتاغات تُجرّم خصومه مثل #الحركة_الاسلامية_تنظيم_ارهابي. كل ذلك يتم داخل أسلوب يدمج بين التصعيد السياسي والسخرية، ما يمنحه نوعًا من الحماية الرمزية، ويجعله قادراً على التملص من المساءلة القانونية أو التشهير المباشر تحت غطاء “السخرية”.
وعلى الجانب الآخر، يظهر حساب "فريدة وحيد" (@FaridaWahid23) كمثال على اختراق طبقة مختلفة من المستخدمين، لا تتخذ شكلًا سياسياً فجاً، بل تمثل ما يمكن وصفه بـ"الخطاب الوجداني المؤطر". الحساب الذي أنشئ حديثاً في مارس 2025، ينشر أدعية، تهانياً، صباحيات، وتفاعلاً دينياً–عاطفياً مع الأحداث اليومية، مما يضفي عليه طابعاً شخصياً وأمومياً يثير التعاطف. وسط هذا النمط الناعم، تتسلل رسائل سياسية واضحة، منها نشر صورة مولدة بالذكاء الإصطناعي تشير إلى قتلى أو مذبحة ارتكبها الجيش السوداني اتهام الإسلاميين ("الكيزان") وبنشر الفتنة في السودان، وتحميل الجيش وسلطة بورتسودان مسؤولية تمكين هذا المشروع. هنا لا يدور الخطاب في دوائر الناشطين أو السرديات الراديكالية، بل يوجّه إلى الجمهور العريض، ويعيد صياغة الموقف السياسي بعبارات شعبية وبسيطة، توحي بصدق شخصي وتجربة معيشة، لا إيديولوجيا مباشرة.
ما تكشفه هذه المفارقة بين حساب مثل Doha Salah وحساب مثل فريدة وحيد، هو وجود بنية مزدوجة في خطاب الحملة: الأولى سياسية صريحة، تنشط في المجال العام وتعيد تدوير بيانات القوى المناوئة للمجلس السيادي، وتضخم رسائل المعارضة المدنية، والثانية وجدانية ناعمة، تُدخل الرسائل السياسية في سياق ديني/عاطفي مألوف، وتستهدف الجمهور العادي عبر لغة بسيطة وموثوقة. وهذا التباين لا يعكس فقط تنوعاً في الأساليب، بل يشي بذكاء اتصالي واضح في بناء الحملة نفسها، التي تستند إلى تعدد الأصوات وتوسيع دوائر التأثير عبر تكتيك توزيع الأدوار بين محاور سردية شديدة التسييس وأخرى ذات طابع إنساني وشخصي. هذا ما يجعل الحملة قادرة على الجمع بين التعبئة والتحشيد، وبين توليد تعاطف وجداني يبدو عابراً للانقسامات السياسية التقليدية.