مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

بناء القدرات في زمن الفوضى الرقمية: كيف يعمل «مجتمع التحقق العربي» مع طلاب الإعلام والصحفيين لإعادة بناء الثقة في المعلومة

بناء القدرات في زمن الفوضى الرقمية: كيف يعمل  «مجتمع التحقق العربي»  مع طلاب الإعلام والصحفيين لإعادة بناء الثقة في المعلومة

ينشر هذا المقال التعليمي بالتعاون بين مجتمع التحقق العربي (AFH) والفنار للإعلام

في السنوات الأخيرة، تغيّر شكل الفضاء الرقمي في العالم العربي بسرعة هائلة. لم يعد الإنترنت مجرد مساحة للتواصل أو الحصول على الأخبار، بل أصبح ساحة مفتوحة تتدفق فيها المعلومات بلا توقف، بين الصحيح والمضلل، بين الحقيقة والرأي، وبين التفسير والتأويل. ومع هذا التدفق الهائل، ظهر تحدٍ جديد يواجه الصحفيين وطلاب الإعلام ومدققي المعلومات في المنطقة: كيف نعرف أن ما نقرأه حقيقي؟ وكيف نمارس الصحافة بوعي في ظل عالم يتغيّر أسرع من أنظمة التعليم نفسها؟ وكيف نلحق بركب تطور الأساليب الصحفية حول العالم؟

هذه التساؤلات المشروعة كانت نقطة الانطلاق لرحلة ممتدة بدأها «مجتمع التحقق العربي» منذ أكثر من 4 سنوات، وهي رحلة ليست تقنية فقط، بل معرفية وإنسانية أيضاً، هدفها أن يصبح كل طالب وصحفي وصانع محتوى قادراً على قراءة المشهد الرقمي بعيون نقدية، وأن يحمل أدوات حديثة تحميه وتحمي جمهوره من موجات التضليل التي تجتاح منصات التواصل.

ومع أن حجم التضليل اليوم قد يبدو أكبر من إمكانيات أي شخص بمفرده، إلا أن بناء وعي جماعي يبدأ دائماً من مجموعة صغيرة من المتعلمين، المدربين، الواعيين. وهذه هي القصة التي يسعى هذا المقال إلى روايتها: كيف يعمل «مجتمع التحقق العربي» على نشر ثقافة إعلامية ومعلوماتية جديدة بأحدث التقنيات والتدريبات، وما الدور الذي يلعبه في الجامعات المصرية والعربية؟ وما المنهجية التي يتّبعها؟ وما المعوقات التي واجهها؟ وكيف يمكن ربط هذه الجهود بسوق العمل في المجال الإعلامي؟ وكيف شملت التجربة المنطقة العربية بأكملها؟

من أين تبدأ القصة؟ عندما يصبح التضليل القاعدة لا الاستثناء
لم يعد انتشار المعلومات الكاذبة حدثاً عابراً في العالم العربي، يتزامن المشهد الرقمي مع تحولات سياسية، وأزمات إنسانية، وحروب، وقضايا رأي عام، وتفاعل كثيف على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي كثير من هذه السياقات، يصبح المحتوى المضلل جزءاً من صناعة السرديات، سواء عبر حملات منظمة أو محتوى مُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي أو أخبار غير دقيقة تنتشر بلا قصد.

هنا بدأت قصة مجتمع التحقق العربي الذي حاول فهم مشهد اضطراب المعلومات بطريقة مبتكرة تدمج بين استخدام النماذج اللغوية الكبيرة وبناء أكبر قاعدة بيانات في المنطقة تضم مجهودات وأعمال تحقق مجموعة واسعة من أبرز مبادرات التحقق المستقلة التي شكلت تحالف بحثي يسعى إلى فهم أنماط التضليل من خلال هذه القاعدة مفتوحة المصدر لكافة الباحثين والصحفيين والأكاديميين الساعين لفهم وتحليل هذا المشهد المركب.

كذلك من خلال إنشاء وحدة استقصائية لتتبع السلوك غير الأصيل والحملات المنسقة على وسائل التواصل الاجتماعي، لما لها من أهمية في كشف وسائل توجيه الرأي العام والتلاعب الرقمي التي تتم لأغراض سياسية واقتصادية واجتماعية.

هنا يظهر السؤال الجوهري الذي قد يواجه الطالب والصحفي الشاب:

كيف أبني موقفي المهني وسط هذه الفوضى؟

هذا السؤال بالتحديد هو ما جعل «مجتمع التحقق العربي» يوجّه جهوده نحو الجامعات، لأنها المكان الأول الذي تتشكل فيه ملامح صحفي المستقبل، حيث يتعلم أدواته الأولى، وتُبنى عاداته المهنية، وتتحدد رؤيته لدور الإعلام في خدمة المجتمع، وهنا جاء دور برامج تنمية وتطوير القدرات التي تهدف إلى خدمة المجتمع الصحفي في المنطقة.

منهجية «مجتمع التحقق العربي»: بناء الوعي قبل الأدوات

اعتمد «مجتمع التحقق العربي» منذ تأسيسه على منهجية بسيطة لكن عميقة تتلخص فيما يلي:

1- الوعي أولًا.. قبل الأدوات والتطبيق

التحدي الحقيقي ليس في تعليم الأدوات، بل في تغيير طريقة التفكير:

- كيف نطرح الأسئلة؟

- كيف نشك بذكاء؟

- كيف نميز بين رأي ومعلومة؟

- كيف نحلّل ما وراء النص والصورة والفيديو؟

 

2- التدريب التطبيقي وليس المحاضرات النظرية

يؤمن «مجتمع التحقق العربي» بأن المعرفة الرقمية لا تُدرّس على السبورة، بل عبر التجربة.

لذلك، تأتي كل جلسة تدريبية مصحوبة بتمارين عملية، تحليل منشورات، فحص صور وفيديوهات، واستخدام أدوات تحقق.

 

3- الدمج بين السرد القصصي والبيانات والذكاء الاصطناعي

نضع دائمًا نصب أعيننا في «مجتمع التحقق العربي» تدريب طلاب الجامعات على كيفية صناعة قصة قوية، ثم دعمها وتوثيقها بحقائق وبيانات، وحمايتها من الوقوع في فخ التضليل؛ وهي مهارات مطلوبة بشدة في سوق العمل اليوم.

 

4- المتدرب يجب أن جزءاً من الحل

ليس الهدف أن يتلقى الطالب معرفة جاهزة، بل أن يخرج من التدريب وهو قادر على تطبيق ما تعلمه في عمله المستقبلي، وفي حياته بشكل عام.

 

رحلة «مجتمع التحقق العربي» داخل الجامعات المصرية

منذ انطلاق برنامجنا الجامعي، أصبحت الجامعات المصرية محطة أساسية لنا لتحقيق هدف نشر ثقافة التحقق من المعلومات. دربنا نحو 350 طالب/ة في 4 جامعات مصرية؛ بداية من الإسكندرية في الأكاديمية البحرية وصولاً إلى السويس وحلوان والجلالة ولا تزال رحلتنا مستمرة.

 

الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا
كانت البداية مع تدريب مكثف لطلاب كلية اللغة والإعلام بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بمدينة الإسكندرية، جمع التدريب بين السرد القصصي، التحقق من المعلومات، وصحافة البيانات.

شارك في التدريب عشرات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وتضمن تطبيقات عملية ساعدت الطلاب على استيعاب كيفية بناء قصة صحفية رقمية محكمة، وذلك عبر ثلاث جلسات؛ "السرد القصصي الرقمي وتقنيات بناء القصة"، و"أساسيات وأدوات تدقيق المعلومات المولّدة عبر الذكاء الاصطناعي"، و "حقيبة الأدوات الأساسية لصحفي/ة البيانات".

 

جامعة الجلالة
انتقل قطار رحلتنا التعليمية بعد ذلك إلى جامعة الجلالة بمحافظة «السويس»، حيث قمنا في «مجتمع التحقق العربي» بتوسيع  إطار التدريب، مع التركيز على فهم المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي وكيفية كشف التزييف العميق، وهي مهارات حديثة ونادرة في المؤسسات التعليمية العربية، وذلك ضمن رؤيتنا الشاملة لسد الفجوة بين التعليم النظري والتطبيق العملي في كليات الإعلام، وتوفير تدريب احترافي يعزز جاهزية الطلاب لمتطلبات سوق العمل الصحفي الحديث.

 

جامعة حلوان
في «القاهرة» كان تدريب طلاب جامعة حلوان؛ واحداً من أكبر الفعاليات حضوراً، حيث شارك مئات الطلاب. وهو ما كشف حاجة الجامعات الملحة لبرامج تربط الطلاب بسوق العمل الصحفي الحديث، خاصة في مجالات البيانات ورصد المحتوى. خلال اليوم التدريبي قدمنا جلستين تم خلالهما المزج بين العروض التفاعلية، التطبيقات العملية، والمناقشات المفتوحة، والتي حققت فائدة كبيرة للطلاب.

 

جامعة السويس
عدنا مرة أخرى إلى محافظة السويس، ولكن هذه المرة دربنا طلاب جامعتها العريقة، وشارك في هذا التدريب عشرات الطلاب، بهدف تنمية مهاراتهم في التحقق من المعلومات والسرد القصصي الرقمي، وتعريفهم بأحدث الأساليب التي تساعدهم على إنتاج محتوى صحفي موثوق ومؤثر. حيث تم التركيز على مهارات القص البصري وتجميع الأدلة الرقمية، إلى جانب مواجهة المحتوى المزيف الناتج عن الذكاء الاصطناعي. 

هذه التدريبات كانت نقطة البداية، كما عقدنا شراكات مع ٦ جامعات في مصر قابلة للزيادة، وأكثر من جامعة في ليبيا ولبنان والكويت، وهو ما يعني المزيد من التدريبات الأخرى، ذلك في إطار رحلتنا المستمرة التي تهدف إلى سد الفجوة بين التعليم الأكاديمي والتطبيق العملي، وفتح أبواب سوق العمل في المجالات الحديثة على مصراعيها أمام طلاب الجامعات.

 

ولكن.. هل كانت الرحلة سهلة؟ 

التجربة تكشف أن الطريق لم يكن خالياً من التحديات 

واجه «مجتمع التحقق العربي» خلال تنفيذ تدريباته داخل الجامعات عدة عقبات أثّرت على سير العمل، من أبرزها:

- تفاوت مستوى المهارات الرقمية بين الطلاب، ما استلزم تخصيص وقت إضافي لرفع الحد الأدنى من الكفاءات قبل الانتقال إلى المحتوى المتقدم.

- ضعف الوعي بخطورة المعلومات المضللة داخل بعض المؤسسات الأكاديمية، وهو ما تطلب جهداً أكبر لبناء فهم مشترك حول أهمية التحقق.

- محدودية الوقت المتاح داخل الجداول الدراسية، ما يجعل دمج جلسات التحقق وتخصيص وقت كافٍ للتطبيق العملي تحدياً متكرّراً.

- وجود فجوة واضحة بين ما يدرسه الطلاب وما يحتاجه سوق العمل الصحفي المعاصر.

- الحاجة إلى تحديث المناهج وإدخال مجالات وأدوات جديدة تواكب التطور المستمر في التحقق الرقمي.

ومع ذلك، واصل «مجتمع التحقق العربي» عمله لأن أثر التدريب كان واضحاً: فضول أكبر لدى الطلاب، تطور ملحوظ في مهاراتهم، ورغبة متزايدة في التعمق والمعرفة. وقد انعكس ذلك في التعليقات والملاحظات التي دوّنوها في الاستبيانات عقب كل ورشة، والتي نستخدمها لقياس ردود الفعل وتقييم مستوى الفائدة أولاً بأول. ومن خلال هذه المتابعة المستمرة، نعمل على تحسين المحتوى وتبسيطه ليصل بوضوح  وسهولة إلى جميع الطلاب، مع مراعاة الفروق الفردية بينهم.

 

خارج مصر: انتشار عربي يأخذ التدريب إلى مستوى إقليمي

لم تتوقف رحلة «مجتمع التحقق العربي» عند حدود مصر، بل امتدت لتشمل دولاً عربية متعددة، في انتقال واضح من التأثير المحلي إلى الحضور الإقليمي الملموس. خلال 2025؛ دربنا نحو 500 متدرب في برامجنا بشكل عام (صحفيين/ باحثين/ طلاب/ إعلاميين)، كما قدمنا 20 جلسة رقمية/ 21 تدريب وجاهي بين مصر ولبنان والأردن والعراق. وتلك الجهود شملت:

- تدريب صحفيين ومدققي معلومات في الجزائر، الأردن، موريتانيا، إقليم كردستان العراق، وتونس ولبنان.

- تنفيذ برامج نوعية مخصصة للصحفيات السوريات تستهدف كشف السرديات الزائفة وأساليب التضليل.

- تقديم تدريبات احترافية داخل مؤسسات إعلامية كبرى مثل "نقابة الصحفيين المصريين" جريدة «المصري اليوم» و«ماسبيرو».

- بناء شراكات فعالة مع مبادرات إقليمية مثل «صلة وصل» و «تحقّق 360» في لبنان و"الأرشيف اليمني" في اليمن.

- المشاركة في فعاليات رائدة على مستوى المنطقة، أبرزها مؤتمر "خبز ونت 2025" في  لبنان.

- تنفيذ تدريب متخصص مع اليونسكو حول خطاب الكراهية والخوارزميات والتزييف العميق.

هذا الانتشار الإقليمي أسهم في ترسيخ مكانة «مجتمع التحقق العربي» بوصفه منصة عربية يجتمع حولها العاملون في مجال التحقق، تستند إلى منهجية علمية وأدوات متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، ما يفتح الباب أمام تأثير أوسع وشبكة تعاون لا تتوقف عند حدود الجغرافيا.

 

لماذا يهمّ هذا كله؟ وكيف يرتبط بسوق العمل؟

المهارات التي يدُرب عليها «مجتمع التحقق العربي» لم تعد رفاهية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من أي وظيفة صحفية اليوم. فالمؤسسات الإعلامية لم تعد تبحث فقط عن صحفي يكتب جيداً، بل عن صحفي يستطيع أن:

- يفهم البيانات ويتعامل معها بذكاء.

- يستخدم أدوات التحقق بكفاءة.

- يتأكد من صحة الصور والفيديوهات قبل نشرها.

- يحمي مؤسسته من الوقوع في التضليل.

- يكتب قصصاً رقمية موثقة وجذابة.

- يدرك كيف تؤثر الخوارزميات والسرديات الرقمية على الجمهور.

 

إذا نستطيع أن نقول ببساطة أن سوق العمل لم يعد يتسامح مع الأخطاء، ولا يقبل بالسطحية أو العمل غير الدقيق. ومن هنا تأتي مهمة «مجتمع التحقق العربي» في المساهمة في إعداد جيل من الصحفيين ومدققي المعلومات القادرين على التعامل مع بيئة إعلامية معقّدة بثقة ومعرفة، ومهارات تواكب التطور.



ما بعد قاعدة البيانات: مشروع بحثي عربي غير مسبوق

لا يقتصر عمل «مجتمع التحقق العربي» على التدريب فقط؛ بل يمتد ليشمل بناء مشاريع معرفية وبحثية تعزز الفهم العربي لاضطراب المعلومات. ومن أبرز هذه الجهود:

- إنشاء قاعدة بيانات عربية مفتوحة للمحتوى المضلل،  تُحدَّث آلياً بشكل يومي، وتضم حالياً 20,588 مادة تحقق مقدّمة من 24 شريكاً من مؤسسات تدقيق معلومات مستقلة في 10 دول عربية.

- إصدار أبحاث سنوية ترصد تطور اضطراب المعلومات والأساليب الزائفة.

- إطلاق مبادرات تدعم تطوير السياسات الرقمية وتحسين بيئة الإنترنت.

- تصميم برامج تعليمية لتعزيز الوعي الإعلامي والمعلوماتي (MIL) لدى الطلاب والجمهور.

هذه المشاريع تجعل المجتمع جزءاً من منظومة إصلاح أوسع، تتحرك من التعليم إلى الصحافة، ومن السياسات العامة إلى الفضاء الرقمي، بهدف بناء بيئة إعلامية عربية أكثر وعياً ودقة وشفافية.

 

خلاصة الرحلة: نحو جيل قادر على مواجهة التضليل

يشكل «مجتمع التحقق العربي» اليوم منصة مهمة لتدريب الطلاب والصحفيين على الأدوات التي تحمي المجتمع من الفوضى المعلوماتية.

ورغم العقبات، أثبتت التجربة في الجامعات المصرية والعربية أن الطلاب متعطشون للمعرفة، وأن الصحافة العربية تستطيع استعادة دورها حين تمتلك الأدوات الصحيحة.

هذا المقال ليس إعلاناً ولا دعوة مباشرة، بل محاولة لعرض رحلة بدأت من سؤال بسيط:

كيف نتحقق في زمن أصبح فيه التضليل أسرع من الحقيقة؟

ورغم أن الطريق لايزال طويلًا، إلا أن ما يحدث اليوم في المدرجات الجامعية، وغرف الأخبار العربية، وفي الورش التدريبية الممتدة من الإسكندرية إلى بيروت ونواكشوط وعمّان، يوضح أن بناء ثقافة تحقق عربية ليس حلمًا بعيدًا… بل خطوة تُصنع كل يوم.