ينشر هذا المقال التعليمي بالتعاون بين مجتمع التحقق العربي (AFH) والفنار للإعلام
تخيّل/ي هذا المشهد:
ليلة تسليم البحث، عشرات الصفحات مفتوحة أمامك؛ مقالات، تدوينات، تقارير، ومنشورات على الإنترنت.. كل شيء يبدو "مفيداً". تضيف المصادر بثقة، وتسلم البحث، ثم يأتي التعليق الصادم:
"مصادرك ضعيفة" أو "لا يوجد مصدر علمي في البحث".
هذا الموقف لا يحدث لأنك لم تبذل جهداً، بل لأن كثيراً من الطلاب يقعون في الفخ نفسه: الاعتقاد بأن أي نص على الإنترنت يصلح أن يكون مرجعاً أكاديمياً.
الحقيقة مختلفة تمامًا. البحث الجامعي ليس مجرد تجميع معلومات، بل هو حوار مع مصادر علمية موثوقة تخضع لمعايير صارمة للنشر والنزاهة الأكاديمية، كما توضحه أدلة أخلاقيات البحث العلمي في الجامعات العربية والعالمية.
- كيف تميّز بين المصدر العلمي والمحتوى العادي.
- أين تبحث عن الدراسات الجادة.
- كيف تقيّم أي مصدر قبل استخدامه.
- وكيف توثّق مراجعك بطريقة تحميك من الانتحال وتمنح بحثك قوة أكاديمية حقيقية.
أولًا: ما الفرق بين المقال "العلمي" والمقال "العادي"؟
على الشاشة، كل النصوص تبدو متشابهة، لكن المقال العلمي المنشور في مجلة محكَّمة –أي مُراجَع من خبراء لضمان دقة المعلومات– يختلف جوهرياً عن مقال رأي مكتوب بأسلوب جذاب على موقع إخباري. الفرق ليس في الشكل فقط، بل في البنية الداخلية والمعايير العلمية.
وفق أدلة مثل «أخلاقيات البحث العلمي» في جامعات عربية مثل عين شمس والسويس و تقرير بيلومنت Belmont Report (الولايات المتحدة) و توصيات اليونسكو بشأن العلم والباحثين (UNESCO Recommendation on Science and Scientific Researchers) و «مبادرة أخلاقيات البحث» في المجلس العربي للعلوم الاجتماعية ACSS.
المقال العلمي عادة يحتوي على:
- عنوان محدد وواضح.
- مؤلف أو أكثر بصفة أكاديمية، انتماء مؤسسي معروف.
- ملخص، مقدمة، منهجية، نتائج، مناقشة.
- قائمة مراجع مفصّلة.
- خضوع العمل لعملية تحكيم علمي يراجع فيها خبراء مستقلون جودة الدراسة قبل النشر.
في المقابل، المقال العادي:
- قد يكتبه شخص غير متخصص.
- يُنشر في موقع عام أو مدونة، ولا يذكر مصادر دقيقة.
- لا يخضع لمراجعة علمية منهجية، مهما بلغ انتشاره أو عدد مشاركاته
أدلة مثل Harvard Guide to Using Sources و Purdue OWL تضع خطاً واضحاً بين النوعين:
المصادر العلمية المحكمة: مقالات المجلات الأكاديمية، الكتب الصادرة عن دور نشر جامعية، وأحياناً رسائل الماجستير والدكتوراه.
المصادر الشعبية: الصحف، المجلات العامة، المدونات، مواقع الرأي. قد تساعد في الفهم والسياق، لكنها لا تكفي وحدها لبناء ادعاء علمي داخل بحث جامعي.
لذلك، قبل إضافة أي مصدر إلى قائمة مراجعك، توقف لحظة واسأل نفسك:
هل هذا النص منشور في مجلة علمية أو كتاب أكاديمي؟ أم مجرد مادة صحفية أو تدوينة؟
هذا السؤال البسيط قد يصنع الفارق بين بحث مقبول وبحث قوي يحترم المعايير الأكاديمية.
ثانيًا: أين أبحث عن مصادر أكاديمية موثوقة؟
بعد أن تعرّفت على الفرق بين المقال العلمي والمحتوى العادي، يبقى السؤال الأهم: أين أجد هذه المصادر أصلاً؟
على سبيل المثال لا الحصر:

1- Google Scholar: بوابتك الأولى لكل التخصصات
إذا كان متصفح جوجل العادي يتيح الوصول إلى كل شيء، فإن Google Scholar يركز على المحتوى العلمي فقط:
مقالات محكّمة، كتب أكاديمية، رسائل جامعية، تقارير مؤسسات بحثية.
توضّح صفحة Google Scholar Search Help أن نتائج البحث لا تُعرض تلقائياً من الأحدث إلى الأقدم، بل حسب الصلة بالبحث، ويمكن للطالب الوصول إلى الدراسات الحديثة عبر تفعيل خيار Sort by date أو تحديد سنة النشر.
خطوات عملية عند استخدام Google Scholar
- اقرأ تفاصيل النشر، لا تعتمد على العنوان فقط.
- تحقق من: المؤلف، المجلة، سنة النشر، عدد الاستشهادات.
- لاحظ الكلمات مثل Journal أو Review في اسم المصدر.
بهذه الطريقة، تبدأ في تدريب عينيك على تمييز المصادر العلمية وسط زحام النتائج.

2- PubMed: عندما يكون الطب هو العنوان
إذا كنت تدرس الطب، الصيدلة، التمريض أو أي تخصص صحي، فإن PubMed أحد أهم المصادر.
يفهرس ملايين المقالات من مجلات طبية محكّمة .
لكل دراسة بيانات ثابتة: عنوان، مؤلفون، مجلة، سنة النشر، رقم تعريف فريد يُعرف بـ PMID.
حتى داخل PubMed، يبقى دورك مهماً في التأكد من حداثة الدراسة وملاءمتها لموضوع البحث قبل الاعتماد عليها.

3- ResearchGate: شبكة تواصل بحثية
قد تصادف أبحاثًا كثيرة عبر ResearchGate، وهي مفيدة للتواصل مع الباحثين والحصول على نسخ من أعمالهم، لكنها ليست قاعدة بيانات محكّمة بحد ذاتها.
المحتوى خليط من مقالات منشورة، مسودات قبل النشر (preprints)، عروض تقديمية، وأعمال لم تكتمل بعد.
دائماً ارجع خطوة للخلف: تحقق من مجلة النشر، الجهة الناشرة، وسنة النشر قبل استخدام أي دراسة كمصدر أكاديمي.
ثالثًا: كيف أقيّم أي مصدر قبل استخدامه؟
حتى داخل منصات موثوقة مثل Google Scholar أو PubMed، لا تتمتع جميع الدراسات نفسه من الجودة. لذلك ظهرت أدوات منهجية تساعد الباحثين على التمييز بين المصادر، من أبرزها اختبار CRAAP.
اختبار CRAAP: خمس معايير رئيسية
ما هو اختبار CRAAP؟ ولماذا يُعتمد؟
ابتكرته سارة بليكزلي (Sarah Blakeslee) وفريق من أمناء المكتبات في جامعة ولاية كاليفورنيا – تشيكو (California State University, Chico) عام 2004، بهدف تدريب الطلاب على تقييم المعلومات، خاصة المحتوى المتاح على الإنترنت. وقد جرى توثيقه ونشره في مراجع مهنية متخصصة في محو الأمية المعلوماتية.
تستمد الأداة مصداقيتها من كونها صادرة عن مؤسسة أكاديمية، ويتم اعتماد الاختبار (أو نسخه المعدّلة) في أدلة تقييم المصادر لمكتبات جامعات مثل شيكاغو، برينستون، فيرجينيا، وغيرها، كأداة معيارية لتعليم الطلاب كيفية الحكم على المصادر.، كما تعتمدها منصات بحثية وتعليمية مثل EBSCO كإطار منهجي للحكم على موثوقية المعلومات الأكاديمية.
أدلة جامعية وأسئلة عملية
تقدّم أدلة جامعات مثل Brock وSDSU وVassar قوائم أسئلة عملية يمكن تحويلها إلى «قائمة تحقق» تُستخدم أثناء البحث، مثل: من جمهور المصدر؟ هل المقالة تتضمن اقتباسات حديثة؟
دليل جامعة هارفارد: تقييم المصدر يعتمد على سلطة المؤلف، الغرض، ونطاق النص قبل الاعتماد عليه.
لا تقتصر النزاهة الأكاديمية على تجنّب السرقة الأدبية فحسب، بل تشمل أيضاً عدم تضليل القارئ بالاعتماد على مصادر ضعيفة أو غير موثوقة. وتشير دراسات عربية حول أخلاقيات البحث العلمي إلى أهمية نسب الأفكار إلى أصحابها، والتأكد من أن المصادر المستشهد بها علمية فعلاً، وتجنّب اقتطاع المراجع من سياقها لمجرد «ملء» قائمة المراجع.
ومع الممارسة المتكررة لاختبار CRAAP والأسئلة الإرشادية المصاحبة له، يصبح الباحث أكثر قدرة على بناء قائمة مراجع تعبّر عن بحث جاد ومنهجي، لا عن تجميع عشوائي للمصادر.
رابعًا: مثال عملي «تحليل مقالة أكاديمية حقيقية»
لنحوّل القواعد السابقة إلى تطبيق عملي:
اختر دراسة عربية منشورة في مجلة محكَّمة في التربية أو الإعلام، مثل الدراسة المتاحة عبر المنصة المصرية (EKB) حول النزاهة الأكاديمية.
عند فتح الدراسة، لاحظ:
- اسم المجلة، المجلد، العدد، وسنة النشر، عادة في الصفحة الأولى أو في رأس/تذييل الصفحة.
- بيانات المؤلف: الدرجة العلمية والانتماء المؤسسي.
- وجود الملخص، المقدمة، المنهجية، النتائج، المناقشة، قائمة المراجع.

طبّق عليها أسئلة CRAAP: هل الدراسة حديثة؟ هل المجلة متخصصة؟ هل المراجع متنوعة وحديثة؟
يمكنك تكرار التمرين على مقالة إنجليزية عبر Google Scholar، والاستعانة بأدلة مثل Paperpile وRasmussen لتعلم التمييز بين المقالة المحكَّمة، أطروحة، أو فصل من كتاب، بالإضافة إلى مقال Scribbr حول تقييم المصادر.
خامسًا: كيف أوثّق مصادري بشكل صحيح؟
حتى مع أفضل المصادر، يظل البحث ضعيفاً إذا كان التوثيق عشوائياً. وفق Get It Done Guide to Undergraduate Research: البحث الجيد يعتمد على ثلاث خطوات مترابطة:
1- اختيار المصادر.
2- تقييمها.
3- توثيقها في المتن وقائمة المراجع النهائية.
Purdue OWL يشرح أنماط الاستشهاد الأكثر استخداماً: APA ،MLA ،Chicago، مع أمثلة جاهزة لمقال، كتاب، فصل كتاب، أو موقع ويب. احفظ قالبين أو ثلاثة لتستخدمها دائماً بدل ابتكار شكل جديد لكل مرجع.
أهمية التوثيق:
التوثيق ليس ديكوراً، بل جزء من الأمانة العلمية: الاعتراف بفضل من سبقك، وتمكين الآخرين من العودة إلى المصدر الأصلي للتحقق منه. عند نقل فكرة أو رقم، ضع المؤلف والسنة في المتن، ثم المرجع الكامل في القائمة، خطوة بخطوة.
قبل أن تضغط زر «إرسال»
استخدام هذه الأسئلة الثلاثة كمراجعة نهائية:
إذا كانت إجابتك «نعم» على كل الأسئلة، فأنت لا تحسّن درجة البحث فقط، بل تبني عادة بحثية سترافقك طوال مسيرتك الأكاديمية والمهنية. البحث الجيد يبدأ بسؤال قوي، لكنه لا يكتمل إلا بمصادر موثوقة، تُقرأ بعين ناقدة، وتُوثَّق بأمانة.