مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

ما وراء دعوات الاحتجاج في إيران: تحليل حملة رقمية عابرة للحدود

ما وراء دعوات الاحتجاج في إيران: تحليل حملة رقمية عابرة للحدود

ابراهيم هلال

يرصد التقرير حملة رقمية منسّقة سبقت ورافقت احتجاجات إيران أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، قادتها حسابات خارج إيران تتقاطع مع خطاب مؤيد لإسرائيل.

بدأت الحملة بترويج رضا بهلوي كبديل «ملكي» للنظام الإيراني، ثم تطورت إلى الدعوة لـ«تحرير إيران» عبر تدخل عسكري أمريكي/إسرائيلي.

انطلقت الشرارة الرقمية في 20 ديسمبر 2025 عبر وسم #KingRezaPahlavi على إنستغرام، وانتشرت لاحقًا بوسوم مثل #FreeIran و#IraniansStandWithIsrael.

أظهر التسلسل الزمني تصاعدًا غير متناسب في حجم النشر والوصول، خاصة قبل احتجاجات «بازار طهران الكبير»، رغم قطع الإنترنت داخل إيران لاحقًا.

تكشف بيانات Brand Mention عن أكثر من 102 ألف منشور بإجمالي وصول ضخم، ما يشير إلى تضخيم رقمي منسق عابر للحدود.

سيطر إنستغرام ثم «إكس» على الحملة، مع تمركز التفاعل في الولايات المتحدة وأوروبا، وغلبة اللغة الإنجليزية.

برزت حسابات محورية عالية النشاط، معظمها حديثة أو غيّرت هويتها، وبعضها محدود المتابعين، ما يعزز فرضية الاستخدام الآلي أو المنسق.

شاركت حسابات إسرائيلية ومؤيدة لإسرائيل بشكل مباشر في تضخيم الدعوات، مع مؤشرات على إدارة بعض الحسابات من دول مختلفة عن مواقعها المعلنة.

في المقابل، يوثّق التقرير حملة رقمية مضادة أطلقها النظام الإيراني عبر وسم #تروریست‌های_موساد («إرهابيو الموساد»)، لتصوير المحتجين كعملاء لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وتبرير العنف ضدهم. بدأت الحملة من حساب وكالة «تسنيم» الإخبارية التابعة للحرس الثوري، ثم تضخمت عبر شبكة من الحسابات المؤيدة للنظام، كثيرٌ منها حديث الإنشاء أو مجهول الهوية، ويُدار بعضُها من خارج إيران. ورغم أن عدد التغريدات على الوسم لم يتجاوز 296 تغريدة، فإن الوصول التقديري بلغ نحو 19 مليون مرة، مع قرابة 27 ألف تفاعل، ما يُعدّ مؤشّراً على تضخيم منسّق في ظل غياب نقاش حقيقي أو تفاعل عضوي واسع.

بذلك يقدّم التقرير صورة مركّبة: احتجاجات حقيقية ذات جذور اقتصادية وسياسية داخل إيران، أحاطت بها في الفضاء الرقمي حملات منسّقة متقابلة؛ الأولى قادتها شبكات معارضة خارج البلاد، تضم حسابات تتبنّى سرديات مؤيدة لإسرائيل، والثانية أدارها النظام وأذرعه الإعلامية والأمنية. وتستند الحملتان إلى أنماط نشر غير أصلية، تستغل أدوات المنصّات لتعزيز الوصول والتأثير في تشكيل الرأي العام على المستويين الإقليمي والدولي.

قبل انطلاق شرارة الاحتجاجات في "بازار طهران الكبير" في الثامن والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 2025، والتي سرعان ما امتدت إلى عدد من محافظات إيران، وبالتزامن مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات وتحولها إلى اشتباكات يومية مع قوات الأمن في شوارع مدن  عدة بإيران ، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي حملة رقمية منسقة، قادتها حسابات إيرانية وغير إيرانية تنشط من خارج إيران،  وتتقاطع في خطابها مع سرديات مؤيدة لإسرائيل.

كانت الاحتجاجات قد اندلعت في إيران بسبب الانهيار الاقتصادي والتضخم الذي بلغ معدل 42-52%، بجانب انهيار الريال الإيراني وارتفاع أسعار  الغذاء والطاقة، ونقص المياه والكهرباء، مما دفع الشركات  الصغيرة إلى حافة الإفلاس.

إلا أن الاحتجاجات قد اتخذت -بعد ذلك- منحا سياسيا واضحا،  حين هتف المتظاهرون "لا غزة لا لبنان، جانم (روحي) فداء إيران"، تعامل معها النظام الإيراني بهدوء في البداية ثم تحول رد فعل عنيف وقتل مباشر للمتظاهرين، وقد تزامنت هذه الشعارات السياسية مع خطاب آخر على منصات التواصل الاجتماعي مدفوعا بحملة رقمية منسقة.

استهدفت  الحملة، في مرحلتها الأولى، الترويج لحفيد الشاه الراحل محمد رضا بهلوي بوصفه بديلاً "ملكياً" لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران، قبل أن يتطور خطابها  تدريجياً إلى الدعوة لـ "تحرير إيران" عبر تدخل عسكري أمريكي/ إسرائيلي.

في العشرين من ديسمبر/ كانون الأول 2025، ظهر على منصات التواصل الاجتماعي وسم #kingrezapahlavi الذي يروج لرضا بهلوي حفيد الشاه، باعتباره بديلاً سياسياً للنظام الإيراني. وظهر الوسم في بدايته على حساب سيدة إيرانية مقيمة في بالولايات المتحدة على منصة "إنستغرام" تدعى golbanafsheh وهي معارضة لنظام الجمهورية الإسلامية ومؤيدة لتوجيه ضربة أمريكية لإيران، ونشرت على حسابها صورة تجمعها برضا بهلوي.

 

كما كان من أوائل الحسابات التي استخدمت الوسم حساب "duchess.of.erskine" على منصة "إنستغرام"، إذ نشر  في الحادي والعشرين من كانون الأول/ديسمبر صورة للمرشد الأعلى الإيراني على"خامنئي"، مرفقة بوسمين إضافيين هما: #freeiran و #i_stand_with_israel، ونشر الحساب كذلك صورة لاحتجاجات معارضة للنظام الإيراني تبدو وكأنها في الولايات المتحدة، يظهر فيها متظاهرون يحملون العلم الإسرائيلي إلى جانب علم إيران الملكي القديم.

وفي اليوم نفسه، الحادي والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 2025، نشر حساب rezadelsim على منصة "إنستغرام"، وهو حساب مخصص للترويج لرضا بهلوي - بياناً دعا فيه الإيرانيين داخل البلاد وخارجها إلى "الثورة" على نظام الجمهورية الإسلامية، واصفا إياه بـ "الشرير"، وفق نص البيان المنشور.

ومنذ بداية ظهور هذه الوسوم، وما رافقها من محتوى يروّج لرضا بهلوي كبديل سياسي للنظام الإيراني ويدعو إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، قادت هذا الخطاب وتفاعلت معه حسابات إيرانية مؤيدة لإسرائيل ، إلى جانب حسابات غير إيرانية تتبنى سرديات صهيونية بشكل صريح.

تصاعد رقمي سبق شرارة الاحتجاجات

في الحادي والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر، تزايد استخدام الوسوم التي ترويج لرضا بهلوي و تدعو إلى "الثورة" على نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، لاسيما على منصة "إنستغرام". ففي هذا اليوم، نشر حساب يحمل اسم iranian_women_organization_ منشوراً يتضمن وسم #KingRezaPahlavi إلى جانب مقاطع مصورة تروّج لبهلوي بوصفه بديلاً سياسياً للنظام الإيراني.

 

وأظهرت خاصية الشفافية على منصة "إنستغرام" أن الحساب أُنشئ عام 2018، وأن موقعه محدد داخل الولايات المتحدة.

 

كما ظهر الوسم نفسه في منشور آخر لحساب على منصة "إنستغرام" يُدعى durood_persian،  نشر مقطعاً مصوراً لاحتجاجات تبدو في دولة غربية، يظهر فيه محتجون صورة رضا بهلوي إلى جانب العلم الإسرائيلي. وبيّنت خاصية الشفافية أن الحساب حديث نسبياً، إذا أنشئ عام 2022، وحدد موقعه في الدنمارك.

وفي اليوم نفسه، ظهرت منشورات أخرى تحمل وسم #iranrevolution ووسم #IraniansStandWithIsrael، ليصل عدد المنشورات في هذا اليوم إلى اثنين وثلاثين منشوراً.  إلا أن عدد المنشورات ارتفع تدريجياً مع استمرار الدعوات إلى التظاهر داخل إيران، ليبلغ  في العاشر من كانون الثاني/يناير 2026 نحو 4900 منشور تقريباً، حققت وصولاً قُدر بنحو مليون و500 ألف مرة.

ويعد هذا الوصول غير متناسب مع عدد المنشورات، لا سيما في ظل الإشارة إلى أن السلطات الإيرانية كانت قد قطعت خدمة الانترنت داخل البلاد في الثامن من يناير/ كانون الثاني 2026.

وأظهرت تحليلات أداة Brand Mention أن إجمالي عدد المنشورات المرتبطة بهذه بالوسوم يُقّدر بنحو 102 ألف منشور، حققت وصولًا إجماليًا قُدر بنحو أحد عشر مليار مرة ، مع تسجيل ما يقارب 167 مليون تفاعل، وتُعد هذه الأرقام مرتفعة على نحو لافت، وتشير إلى وجود نمط من النشر والتضخيم المنسق.

 

وتوزعت هذه المنشورات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، إذ استحوذت منصة "إنستغرام" على النسبة الأكبر، بنحو 47% من إجمالي المحتوى، تلتها منصة "إكس" (تويتر سابقاً) بنحو ربع عدد المنشورات، ثم منصتا "فيسبوك" و"يوتيوب" بنسب أقل.

 





تحليل المشاعر وخريطة التفاعل

أظهر تحليل المشاعر المرتبطة بالمنشورات سيطرة عاطفتين متناقضتين، هما: "الحب" و"الغضب". غير أن فحص المنشورات المصنفة ضمن عاطفة "الحب" كشف أن عدداً منها أرفق برموز تعبيرية إيجابية، مثل القلوب،  رغم احتوائها على دعوات إلى "إنقاذ إيران" عبر التدخل العسكري، أو صدورها عن حسابات تُظهر تأييداً صريحاً لإسرائيل.

 





وبينّت خريطة الحسابات المتفاعلة مع الوسوم أن السنة الأكبر من التفاعل جاءت من الولايات المتحدة، تلتها ألمانيا، ثم إيران في المرتبة الثالثة، قبل كندا والمملكة المتحدة والهند. ويتقاطع هذا التوزيع الجغرافي مع  أوقات ذروة النشر، التي تراوحت بين الثانية عشرة منتصف الليل والعاشرة صباحاً بتوقيت القاهرة، وهي فترات تتوافق بدرجة كبيرة مع التوقيتات في الولايات المتحدة.

 

وانعكس ذلك على لغة المحتوى المنشور، إذ سيطرت اللغة الإنجليزية على أكثر من نصف المنشورات، بنسبة تقارب 56%، تلتها اللغة الفارسية بنسبة تقل عن ربع المنشورات، ثم اللغتان الألمانية والفرنسية بنسب أقل.

كما تجلت هذه المؤشرات في سحابة الكلمات والوسوم الأكثر تداولاً ضمن الحملة، حيث تصدر وسم #freeiran قائمة الوسوم وتلاه وسم  #iranmassacre، إلى حانب حضور وسم #rezapahlavi المروج  لبهلوي، وظهور كلمة "إسرائيل" ضمن الوسوم الأكثر تداولاً.

 

 

 

أكثر الحسابات تفاعلاً مع الحملة: حضور لافت لحسابات مؤيدة لإسرائيل

من خلال تحليل بيانات الحسابات المشاركة في الحملة، تبين أن أكثر الحسابات تفاعلاً كان حساباً على منصة "فسيبوك"  يحمل اسم " کشور باستانی ایران در گذر تاریخ"، ويعني بالعربية "تاريخ دولة إيران القديم". وأظهرت خاصية الشفافية أن الحساب ينشط من داخل الولايات المتحدة.

 

كما أوضحت بيانات الحساب أنه أنشئ عام 2014 بوصفه حساباً مهتماً بالكتب والفن، قبل أن يغيّر اسمه عام 2023 إلى اسمه الحالي، ويتحوّل إلى الترويج للنظام الملكي البهلوي في إيران.  وخلال فترة الرصد، نشر الحساب 961 منشوراً ضمن الحملة الداعية إلى الاحتجاجات في إيران، ويظهر في سجل منشوراته محتوى يحتفي بخطاب ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، دعا فيه الإيرانيين إلى "الانتفاض" ضد الدولة الإيرانية.

 

في المرتبة التالية، جاءت قناة Simay Azadi TV على منصة "يوتيوب"، التي نشرت 787 منشوراً ضمن الحملة. وبينّت بيانات القناة أنها تبث من داخل الولايات المتحدة. 

 

وعلى منصة "أكس"، برز حساب "خسته @SOLSSSHK"، الذي نشر 435 تغريدة ضمن الحملة. وأظهرت بيانات الحساب أنه ينشط من الولايات المتحدة، ولا يستخدم صورة شخصية حقيقية. كما كشف الفحص أن الحساب حديث نسبياً،  إذ يعود تاريخ إنشائه إلى عام 2024، ونشر منذ ظهوره 514 تغريدة، شكلت تغريدات الحملة منها الغالبية الساحقة، رغم أن عدد متابعيه لا يتجاوز متابعاً واحداً فقط. وتبيّن أن محتوى الحساب يعتمد على تكرار مجموعات ثابتة من الوسوم، ما يشير إلى نمط نشر آلي أو استخدامه في التضخيم الرقمي.

 

 

وفي المركز الرابع، جاء حساب يحمل اسم " Amin Yamousa" على منصة "فيسبوك"، نشر 332 مشوراً ضمن الحملة. وأظهر فحص الحساب أنه مؤيد أيضاً لرضا بهلوي، وأن آخر موقع جغرافي حدده كان محيط القنصلية الإيرانية في لندن، حيث نشر مقطعاً مصوراً لاحتجاجات يظهر فيها محتجون يرفعون الأعلام الإيرانية بنسختها الملكية القديمة إلى جانب الأعلام الإسرائيلية.

 

حسابات إسرائيلية شاركت في الدعوة إلى الاحتجاجات في إيران

ورغم أن الحسابات الأكثر تفاعلاً مع الوسوم تبين أنها حسابات مؤيدة لإسرائيل، وأن العلم الإسرائيلي كان حاضراً بوضوح في معظم مقاطع الاحتجاجات التي نشرتها، فإن الحملة شهدت أيضاً انخراطاً مباشراً لحسابات إسرائيلية دعت صراحة إلى الاحتجاجات داخل إيران.

 

 

من بين هذه الحسابات، حساب "israeldirectlive" على منصة "إنستغرام"، وهو حساب يكتب باللغة الفرنسية، وتركز منشوراته على مهاجمة النظام الإيراني وتأييد إسرائيل، ويُعد الحساب حديثاً نسبياً، إذ أنشئ عام 2024، ولم يحدد موقعه الجغرافي، ونشر 60 منشوراً ضمن الحملة.

 

 

كما شارك حسابات  "Stand with Israel" بنشر 40 منشوراً ضمن الحملة. ووفق بياناته، أنشئ الحساب عام 2023، وحدد موقعه في إسرائيل، غير أن خاصية الشفافية تُظهر أن الحساب كان يحمل سابقاً اسم "Fun Dance & Trending videos" قبل أن يغير هويته عام 2024 إلى Stand with Israel، ويُدار حالياً من قبل شخصين في الهند، ما يشير إلى طابع تجاري أو غير أصيل للحساب.

 

 

ومن الحسابات المشاركة أيضاً حساب "Jewish Diaspora Podcast" على منصة "إنستغرام"، الذي أنشئ عام 2021، وشارك بـ 23 منشوراً ضمن الحملة.

 

كما شارك حساب "Maison LYS Israel" على منصة "فيسبوك"، وهو حساب مخصص لدعم إسرائيل بحسب بياناته، ونشر 20 منشوراً ضمن الحملة الداعية إلى الاحتجاجات في إيران، ورغم أن الحساب حدّد موقعه في القدس المحتلة، فإن خاصية الشفافية أوضحت أن إدارته تتم من جمهورية الكونغو، وهو ما يعكس طابعاً شبكياً عابراً للحدود.

 

وإلى جانب هذه الحسابات، تفاعل مع الحملة عدد كبير من الحسابات الإسرائيلية أو المؤيدة لإسرائيل، التي دعت صراحة إلى الانتفاض ضد النظام الإيراني، وربطت ذلك بالدعوة إلى عودة النظام الملكي في إيران بوصفه نظاماً «متصالحاً مع إسرائيل».

 

على الجانب الآخر، ظهرت حملة رقمية منسقة مضادة، لكن مدعوة _هذه المرة_ من النظام الإيراني، إذ وصفت الحملة جميع المحتجين بأنهم "إرهابيين عملاء للموساد" وبالتالي استخدمت هذا الخطاب في إعطاء غطاء لقتل المتظاهرين. 

 

ظهرت الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي بإيران مرتبطة بوسم #تروریست‌های_موساد وتعني بالعربية "الموساد الإرهابي"، في إشارة إلى المحتجين ووصفهم ب"عملاء الموساد".

 

ظهر الوسم في اليوم الثالث عشر من يناير الماضي، وكان حساب "وكالة تسنيم الإخبارية" التابعة للنظام الإيراني والحرس الثوري الإيراني، هو الحساب الأول الذي استخدم هذا الوسم لوصف المحتجين بإيران.

نشر حساب "وكالة تسنيم" تغريدتين فقط في الثالث عشر من يناير، وزاد العدد في اليوم التالي إلى 6 تغريدات، أعاد حساب إيراني مؤيد لنظام الجمهورية الاسلامية نشر إحدى تغريدات "وكالة تسنيم"، مؤيدا روايتها حول وجود عناصر من الموساد يطلقون النار على المتظاهرين بالاحتجاجات.

تبين بفحص الحساب أنه لا يضع صورة شخصية حقيقية، كما أن اسم المستخدم للحساب يتكون من حروف وأرقام عشوائية، وهو حساب حديث نسبيا، يعود تاريخ ظهوره لعام 2018، وصف نفسه بانه مهندس بترول من جامعة تهران، "ينتظر دعوة.. انا بقية الله"، لكن أظهرت خاصية الشفافية بمنصة "أكس" أن الحساب يتفاعل من تركيا، وقد أصبح حسابا موثقا في مايو 2025، بعد أن بدل اسم المستخدم الخاص به 40 مرة!

في الخامس عشر من يناير وصل التغريد حول الوسم إلى ذروته الأولى ب18 تغريدة، 12 تغريدة منهم نشرها حساب "وكالة تسنيم الإخبارية"، أما بقية التغريدات فنشرتها حسابات كانت جميعها مؤيد لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران وتتبنى نفس الرواية التي تصف المحتجين ب"عملاء الموساد". 

أحد هذه الحسابات التي تفاعلت مع الوسم حساب عربي يدعى Ali 3I3 @Mohamme6664666، وأظهر فحص حسابه أنه ينشر بالعربية والفارسية، لكن تغلب على تغريداته اللغة العربية، ويضع صورة تشير إلى أحداث الساحل السوري، مما يزيد من احتمال أن صاحب الحساب سوري، وهو حساب حديث أُنشأ عام 2025، وقد أظهرت خاصية الشفافية لحسابه أن موقعه بألمانيا.

كما تفاعل مع الوسم حساب آخر يدعى Amin «Live The Moment Now» @Amin1311210، وهو حساب ينشر بالفارسية، ومؤيد للنظام الإيراني، وأُنشأ عام 2020، إلا أن خاصية الشفافية أظهرت أن موقعه بالعراق!

كما تفاعل مع الوسم بنفس اليوم حساب يدعى "Irandokht57 اکانت سوم @shidokht50"، وهو حساب مؤيد للنظام الإيراني ويضع علم الجمهورية الإيرانية كصورة خلفية، إلا أنه مثل سابقيه لا يضع صورة شخصية، كما أنه حساب حديث ظهر عام 2022، بدل اسم المستخدم مرتين وموقعه بكندا!

مما يشير إلى أن جميع الحسابات التي نشرت الوسم وتفاعلت معه منذ البداية هي حسابات مؤيدة للنظام الإيراني، كما انها حسابات غير حقيقية، تتبنى سردية النظام الإيراني حول وصف المحتجين ب"عملاء الموساد".

مؤشرات الحملة

 منذ بداية الحملة في 12 كانون الثاني/ يناير، بلغ عدد التغريدات المرتبطة بوسم #تروریست‌های_موساد 296 تغريدة، حققت وصولاً تقديرياً بنحو 19 مليون مرة، وتفاعلاً بلغ قرابة 27 ألف تفاعل.

 

تشير هذه الأرقام إلى مؤشرات أولية  على وجود تضخيم، إذ أظهرت التحليلات سيطرة اللغة "السلبية" على أغلب التغريدات، بما يعكس غياب نقاش فعلي أو تفاعل عفوي بين الحسابات المشاركة.كما أظهر تحليل المشاعر أن الغضب كان العاطفة الأكثر حضوراً مقارنة ببقية المشاعر.





وانعكس ذلك في سحابة الكلمات والوسوم الأكثر تداولاً التي تمحورت حول الرواية التي سعت السلطات الإيرانية إلى ترسيخها. ومن بين الوسوم والكلمات الأبرز: 

#إرهابيو الموساد  #حرب أهلية  #اضطرابات  #مجزرة  #طعن_ترامب  #أعمال_شغب  #فتنة_أمريكية  #إرهابيو_الموساد  #أمريكا

وهي وسوم دعمت سردية تصوّر المحتجين عملاء للموساد ينفّذون أعمال شغب، وتقدم الاحتجاجات بوصفها "فتنة أمريكية".



وعلى خلاف حملة المعارضة التي قادتها حسابات خارج إيران، وانتشرت على منصات عدة، غلبت اللغة الفارسية على هذه الحملة، ما يشير إلى طابع محلي في الخطاب، كما تركز النشاط أساساً على منصة "أكس".



من يقود التفاعل على وسم #تروریست‌های_موساد 

أظهرت التحليلات أن الحسابات الأكثر تفاعلاً مع الوسم كانت حسابات إيرانية مؤيدة للنظام، وسعت إلى تعزيز سرديته بشأن الاحتجاجات.

 

تصدّر القائمة حساب "وكالة تسنيم الإخبارية" الذي رُصد بوصفه مطلق الوسم، ونشر 135 تغريدة تضمّن جميعها وسم #تروریست‌های_موساد 

وفي المرتبة الثانية جاء حساب KIAN @K1ANM3HR الذي نشر 52 منشوراً. وهو حساب حديث نسبياً ومؤيد للنظام الإيراني. وأظهرت خاصية الشفافية أن موقعه المعلن في سويسرا، بينما يتصل بالتطبيق من الصين.

وجاء في المرتبة الثالثة حساب @Dr11l1ngEng الذي رُصد في بداية الحملة، ونشر 13 منشوراً، تضمّن جميعا وسم #تروریست‌های_موساد  

 

وفي المرتبة الرابعة ظهر حساب إيراني باسم   آسد محمد@s_m_estand، وهو حساب أنشئ عام 2022، مؤيد للنظام الإيراني، ونشر 7 منشورات ضمن الحملة.

 

 

أما المرتبة الخامسة فكانت لحساب "حسين @SayyedHossein" الذي نشر 6 منشورات. ويُعرّف نفسه بأنه تابع لـ"محور المقاومة"، ويغرد باللغة الفارسية دعماً لنظام الجمهورية الإسلامية، فيما أظهرت خاصية الشفافية أن موقعه المعلن في الدنمارك.

وتكشف قراءة الحملة الرقمية المرتبطة باحتجاجات إيران أواخر 2025 أن ساحة الصراع لم تقتصر الشارع، بل امتدّت إلى منصّات التواصل، حيث تنازعت أطراف مختلفة على تعريف ما يجري: بين سردية تقدمه حراكاً يستدعي تدخلاً خارجياًـ وأخرى تصفه مؤامرة خارجية تستهدف استقرار البلاد. وبين هذين الخطابين، تراجعت مساحة الأصوات المدنية والاحتجاجية غير المؤدلجة لصالح خطاب تعبوي منسّق، يُدار في أحيان كثيرة من خارج الحدود.

من جهة، استخدمت شبكات معارضة متعددة، أدوات الاستهداف الإعلاني وتضخيم الوسوم لتقديم رضا بهلوي بوصفه بديلاً سياسياً، والدفع بالنقاش نحو شرعنة تدخل عسكري خارجي. ومن جهة أخرى، استند النظام الإيراني إلى ماكينة إعلامية وأمنية تستخدم حسابات شبه مجهولة لتشويه صورة المحتجين وربطهم بالموساد، وتحويل المطالب الاقتصادية والسياسية إلى «فتنة خارجية» تبرّر القمع. وتُظهر أنماط البيانات في الحالتين أن نسبة معتبرة من التفاعل اتسمت بخصائص غير طبيعية من حيث الحجم، والتوقيت، وتوزّع اللغات، ومعلومات الحسابات، بما يعكس طابعاً منظّماً أكثر منه تفاعلاً عفوياً.

ويشير ذلك  إلى أن فهم الاحتجاجات المعاصرة في دول مثل إيران لم يعد ممكناً عبر تحليل الوقائع الميدانية فحسب، بل يتطلب أيضاً تفكيك البنى الرقمية التي تصوغ سردياتها عالمياً: من يقود الوسوم؟ من أين تُدار الحسابات؟ ما طبيعة اللغة والعواطف السائدة؟ وما حجم الفجوة بين الواقع على الأرض والصورة التي تُبنى بين الواقع  على الأرض والصورة التي تُبنى عنه على الشبكات الاجتماعية؟

ومن أبرز استنتاجات التقرير ضرورة التعامل بحذر مع المؤشرات الرقمية – مثل عدد المنشورات، والوصول، والتفاعلات – وعدم اعتبارها انعكاساً مباشراً للرأي العام، بل بوصفها معطيات قابلة للهندسة والتلاعب من أطراف متصارعة.