مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

قبل إعادة نشر الفيديو: دليل الطالب الجامعي للتحقق من المقاطع المتداولة وقت الأزمات

قبل إعادة نشر الفيديو: دليل الطالب الجامعي للتحقق من المقاطع المتداولة وقت الأزمات

 

ينشر هذا المقال التعليمي بالتعاون بين مجتمع التحقق العربي (AFH) والفنار للإعلام

 

تخيّل أنك تتصفح هاتفك بين المحاضرات، فتجد فيديو يُظهر قصفًا أو احتجاجات عنيفة، مع تعليق يقول: "يحدث الآن". خلال دقائق، يكون زملاؤك قد أعادوا نشره على مجموعات الدراسة أو حساباتهم الشخصية، وربما فعلت أنت الشيء نفسه، دون أن تسأل: هل هذا الفيديو جديد؟ وهل صُوّر فعلًا في المكان الذي يُزعم أنه يوثّقه؟

في أوقات الأزمات—مثل الحروب أو الانتخابات أو الاحتجاجات—يصبح الفيديو من أكثر أنواع المحتوى انتشاراً وتأثيراً على وسائل التواصل الاجتماعي. وغالباً ما نتعامل مع ما نراه في الفيديو بوصفه دليلاً مباشراً على ما يحدث، لأن الصور والمشاهد تبدو "حقيقية" بطبيعتها.

لكن المشكلة أن كثيراً من مقاطع الفيديو المتداولة وقت الأزمات لا تكون مزيفة تقنياً، بل حقيقية جرى إخراجها من سياقها الزمني أو المكاني، ثم إعادة نشرها باعتبارها توثق أحداثاً جارية. في هذه الحالة، لا يحتاج ناشر المحتوى إلى التلاعب بالفيديو نفسه؛ يكفي فقط تغيير العنوان أو توقيت النشر ليصبح مضللًا.

يقدّم هذا المقال دليلاً عملياً لطلاب الجامعات للتحقق من مقاطع الفيديو قبل إعادة نشرها، باستخدام خطوات بسيطة مستندة إلى منهجيات المصادر المفتوحة (OSINT) المعتمدة في غرف الأخبار ومنصات التحقق حول العالم.

 

لماذا ينتشر الفيديو المضلل بسرعة وقت الأزمات؟

تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات تُعطي أولوية للمحتوى الذي يثير التفاعل، مثل الخوف أو الغضب أو الصدمة. وخلال الأزمات، يميل المستخدمون إلى مشاركة الفيديوهات التي تتضمن مشاهد درامية أو صادمة، حتى قبل التحقق من صحتها.

لهذا، يمكن لفيديو قديم أو غير مرتبط بالحدث الجاري أن ينتشر خلال ساعات ويحقق ملايين المشاهدات، فقط لأنه يبدو مرتبطًا بما يحدث الآن. ومع تكرار ظهوره عبر الحسابات المختلفة، يكتسب الفيديو قدرًا أكبر من المصداقية، حتى لو لم يكن كذلك.

كيف يمكن أن يُضللنا فيديو حقيقي؟

لا يعتمد التضليل دائماً على تعديل الفيديو أو استخدام تقنيات متقدمة. ففي كثير من الحالات، يكون الفيديو حقيقياً، لكنه يُستخدم في سياق مختلف عن سياقه الأصلي.

على سبيل المثال، قد تُعاد مشاركة لقطات من احتجاجات وقعت قبل سنوات، مع تعليق يوحي بأنها توثق أحداثاً جارية. أو يُنشر فيديو لحادث في دولة معينة، على أنه وقع في دولة أخرى. في هذه الحالات، لا يكمن التضليل في الصورة نفسها، بل في المعلومات المصاحبة لها.

نموذج (4D) للتحقق من الفيديو قبل إعادة نشره

اسأل نفسك هذه الأسئلة الأربعة قبل أن تضغط على "مشاركة":

  1. التاريخ (Date)

هل يتطابق تاريخ نشر الفيديو مع الحدث الذي يُزعم أنه يوثّقه؟

يمكن استخدام أداة YouTube DataViewer لاستخراج البيانات الوصفية للفيديو، ثم مقارنتها مع توقيت الحدث المزعوم. كما يمكن التحقق من الظلال أو موقع الشمس باستخدام أدوات حساب الزمن (Chronolocation) للتأكد من توافق التاريخ مع السياق.

  1. الوصف (Description)

هل سبق نشر هذا الفيديو من قبل؟ ابحث عن لقطات منه عبر أدوات البحث العكسي.

استخرج إطارات رئيسية من الفيديو باستخدام أدوات مثل InVID، ثم قم ببحث عكسي عبر Google Lens أو Yandex أو TinEye للعثور على المصدر الأصلي والسياق. ركز على نقاط مميزة مثل الوجوه أو المباني لتجنب النتائج الخاطئة، وتحقق من التعليقات الأولى لمعرفة الاستخدام السابق. هذا يكشف 24% من التضليل البصري الناتج عن إعادة الاستخدام.

3- الموقع (Distance)

هل يمكن تحديد مكان التصوير من خلال المباني أو اللافتات أو الطرق؟

ابحث عن مؤشرات مثل المباني، اللافتات، أو الطرق باستخدام Google Earth أو WikiMapia للمقارنة مع الإطارات. استخدم الشمس والظلال لتحديد الاتجاه والوقت، مع أدوات مثل GeoNames للإحداثيات، وتأكيد عبر صور أقمار صناعية. هذه التقنية فعالة في الاحتجاجات أو الكوارث حيث تكون المواقع حاسمة.

4- التفاصيل (Details)

هل تتوافق الملابس أو الطقس أو اللغة مع السياق المذكور؟

استمع للصوت بحثًا عن لهجات أو كلمات مفتاحية غير متطابقة مع السياق، وقارن الطقس أو الملابس مع بيانات تاريخية. تحقق من الظلال والإضاءة للتأكيد على التوافق الزمني والمكاني، مع تجنب الاعتماد على الحوار وحده. هذه الخطوة تكمل التحقق لتأكيد الأصالة الكاملة.

مثال..

في حزيران/ يونيو 2025، انتشر مقطع فيديو لقصف جوي على وسائل التواصل الاجتماعي، مع ادعاء بأنه يوثق هجوماً حديثًا ضمن صراع إقليمي. خلال ساعات، حقق الفيديو أكثر من مليوني مشاهدة وأُعيد نشره على نطاق واسع.

لكن عند التحقق منه، تبيّن أن المقطع يعود إلى عام 2003، وصُوّر في بغداد خلال حرب العراق، وكان قد بثّته شبكة إخبارية دولية في ذلك الوقت. ساعد البحث العكسي وتحليل الظلال والمعالم الظاهرة في الفيديو على كشف موقعه الأصلي، كما أظهرت اللهجة المستخدمة في الصوت أنه لا يرتبط بالحدث الحالي.

ورغم ذلك، استمر تداول الفيديو على نطاق واسع قبل أن يُصحَّح.



لماذا يفشل الطلاب في اكتشاف الفيديو المضلل؟

يعاني الطلاب من "التحيزات المعرفية" مثل الـ"Illusory Truth Effect"، حيث يُصبح الفيديو المعاد رؤيته أكثر مصداقية بغض النظر عن الحقيقة، خاصة البصرية. هذا يتفاقم بسبب "الواقعية البصرية"، إذ يقبل الدماغ الفيديوهات كحقيقة فورية دون تحقق، مما يجعل جيل زد أكثر عرضة للتضليل في الأزمات.

 

ماذا عن الفيديوهات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي؟

رغم تزايد الاهتمام بتقنيات التزييف العميق، تشير تجارب التحقق إلى أن بعض الفيديوهات المضللة المتداولة وقت الأزمات لا تكون مولّدة بالكامل، بل قد تكون مقاطع حقيقية أُعيد استخدامها خارج سياقها الأصلي، أو جرى التلاعب بها بطرق مختلفة.

وفي المقال القادم سنستعرض الجزء الثاني من هذا الدليل، والذي يركز على كيفية كشف الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي، وأبرز الأدوات والمؤشرات التي يمكن أن تساعد طلاب الجامعات  والصحفيين والباحثين على التمييز بينها وبين الفيديوهات الحقيقة أو المعاد توظيفها.  

ختاماً.. في بيئة رقمية تنتشر فيها المعلومات بسرعة تفوق قدرتنا على التحقق، لا يقتصر دور مواجه التضليل على الصحفيين أو منصات التحقق فقط، بل يمتد إلى كل مستخدم يشارك محتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وقبل إعادة نشر أي فيديو، يمكن لطرح أربعة أسئلة بسيطة حول تاريخه ومصدره وموقعه وتفاصيله أن يمنع انتشار معلومات مضللة قد تسهم في تضخيم أزمة أو تأجيجها.

فالتحقق لا يتطلب دائمًا أدوات معقدة، بل يبدأ بخطوة بسيطة: التوقف لحظة قبل الضغط على زر "مشاركة".