مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

بعد حملة على منصة إكس:

بعد حملة على منصة إكس:
kashif_ps

الكاتب

kashif_ps

كاشف يتحقق.. هل كان جيفري إبستين مناصراً للقضية الفلسطينية

رصد فريق مرصد كاشف، حملة إعلامية تقوم بها مجموعة من الصفحات والحسابات العبرية على منصة "إكس" تروج كلها بالتزامن لادعاء يقول إن الملياردير الأمريكي جيفري إبستين كان "مناصراً للقضية الفلسطينية"، برفقة صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر إبستين مرتديا الكوفية الفلسطينية وخلفه العلم الفلسطيني، في محاولة لإضفاء صورة بصرية على هذا الادعاء.

وتستند الحملة بشكل أساسي إلى بريد الكتروني منسوب إلى إبستين يقول فيه: "أنا لا أحب إسرائيل على الإطلاق"، بالتزامن مع الإفراج عن ملايين الصفحات من الوثائق المرتبطة به.  

لكن هل تكفي هذه العبارة، أو حتى هذه الصورة المصطنعة، للقول إن إبستين كان مؤيداً لفلسطين؟ ولماذا يُعاد طرح هذه الرواية في هذا التوقيت تحديداً؟

الادعاء

"جيفري إبستين كان مناصراً للقضية الفلسطينية وفلسطين ومؤيداً لحركة حماس"

أولا: أصل الادعاء

يعود أصل الادعاء إلى دعوة وصلت إلى جيفري إبستين عبر البريد الإلكتروني، بتاريخ 25 شباط 2017، من الطبيب الأميركي ديباك تشوبرا، للحضور إلى إسرائيل، برفقة "فتياته"، مقترحا عليه استخدام اسم مستعار إذا أراد، واصفا الرحلة بأنها فرصة "للاسترخاء والاستمتاع".

وفي رده، قال إبستين إنه لم يتمكن من الانضمام في ذلك الوقت، قبل أن يوضح في رسالة لاحقة الاقتباس التالي: "في مكان آخر.. لا أحب إسرائيل، إطلاقا"، دون أن تتضمن بحد ذاتها تفاصيل عن أسباب هذا الموقف أو أي نشاط سياسي مرتبط به.

العبارة السابقة، تثبت أن إبستين عبّر عن موقف سلبي تجاه إسرائيل في تلك المراسلة، لكنها لا تثبت تلقائيا أنه كان مؤيدا للفلسطينيين، ولا تكشف سبب موقفه من إسرائيل، وفي الوقت ذاته، لا يجوز تحويل رفضه لزيارة إسرائيل إلى موقف سياسي محدد، مثل تأييد الدولة الفلسطينية أو دعم القضية الفلسطينية، من دون أدلة أخرى مستقلة.

ثانياً: ماذا تكشف الوثائق أيضاً؟

مرصد كاشف قام بمراجعة المراسلات والوثائق المنشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية وعبر الفضاء الرقمي، فرصدنا مراسلة تعود إلى عام 2012، ورد فيها نص منسوب إلى إبستين يقول: "لم تكن فلسطين قط دولة عربية خالصة، ولم توجد في فلسطين دولة عربية أو فلسطينية مستقلة".

وبغض النظر عن الجدل التاريخي والسياسي حول هذا الطرح، فإن المنطق يقول المؤيد لفلسطين أو القضية الفلسطينية لن ينفي وجود دولة عربية أو فلسطينية ضمن حدود فلسطين الجغرافية.

ثانياً: علاقات وثيقة مع شخصيات إسرائيلية

تكشف المعلومات التي قمنا برصدها عن علاقات وثيقة بين جيفري إبستين وشخصيات إسرائيلية بارزة، في مقدمتها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.

وتعود العلاقة بين الرجلين إلى عام 2003، واستمرت لسنوات طويلة، بما في ذلك بعد إدانة إبستين الأولى عام 2008. وتظهر الوثائق والتقارير المنشورة أن باراك زار ممتلكات إبستين في الولايات المتحدة عدة مرات، فيما شملت العلاقة أيضاً تعاملات واستثمارات مالية.

وأقرّ باراك وفقا لتصريحات نشرت في موقع The Times of Israel  عام 2019 بأنه التقى إبستين عشرات المرات، وزار منزلين له في مانهاتن وجزيرته الخاصة في الكاريبي قرب جزر العذراء الأمريكية، لكنه نفى أن يكون قد شارك في أي حفلات جنسية أو التقى إبستين برفقة نساء أو فتيات.

كما تظهر المراسلات علاقة إبستين بأحد كبار مساعدي باراك الذي عمل ضابطا سابقا في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المدعو بـيوني كورين، حيث أقام الأخير في إحدى ممتلكات إبستين، كما تشير المراسلات إلى أن إبستين ساعد في تغطية علاجه من مرض السرطان عام 2012، كما نشر موقع دروب سايت الأمريكي وغيره من المواقع العالمية المستقلة بعد تفحص الوثائق المنشورة.

هذه العلاقات لا تثبت بحد ذاتها موقفاً سياسياً محدداً لإبستين، لكنها تتعارض مع الصورة التي تحاول الحملة المتداولة تقديمها عنه باعتباره شخصية معادية لإسرائيل أو داعمة للقضية الفلسطينية، في حين لم تتناول وسائل الإعلام الدولية أي علاقة ما بين ابستين وأي شخصية فلسطينية.

ثالثاً: تبرعات لمؤسسات يهودية وإسرائيلية

وبعيداً عن العلاقات الشخصية، تكشف الملفات التي وصلنا اليها عن تبرعات موثقة لمؤسسات يهودية.

ففي عام 2017، تظهر مراسلات إلكترونية تبرعاً بقيمة 50 ألف دولار باسم إبستين لصالح اتحاد اليهود في نيويورك

UJA-Federation of New York، على أن يصدر الشيك عن مؤسسة    Gratitude America Foundation  المرتبطة بإبستين.

وتظهر المراسلات، المؤرخة في التاسع من تشرين الثاني 2017، أن ليزلي غروف (Lesley Groff)، التي عُرّفت في البريد الإلكتروني بأنها مساعدة جيفري إبستين، أبلغت الجهة المنظمة بأن إبستين سيقدم مساهمة للحفل، وطلبت معلومات حول عنوان إرسال الشيك.

وفي رسالة لاحقة، جاء فيها أن الشيك الخاص بالتبرع سيكون صادراً من مؤسسة Gratitude America Foundation، المرتبطة بإبستين، وبقيمة 50 ألف دولار.

كما تُظهر المراسلات أن منظمي الحفل طلبوا إذناً لإدراج اسم Jeffrey   Epstein  في قائمة الشرف التي تضم الداعمين للحفل، فيما أكدت المراسلات اللاحقة استكمال الإجراءات المتعلقة بالتبرع.

وتوفر هذه الوثائق سجلاً مباشراً لمعاملة مالية محددة، إذ تتضمن اسم المتبرع، والجهة المتلقية، وقيمة التبرع، والجهة التي سيصدر عنها الشيك، والغرض من التبرع.

تكشف وثيقة منشورة أخرى وهي مراسلة بريدية ضمن ملفات إبستين، تحمل الرقمين EFTA00711844 وEFTA00711845، عن مراسلة تعود إلى الأول من شهر نيسان عام 2013 مرتبطة بمؤسسة جيفري ابستين الخيرية. حيث عرفت المؤسسة نفسها بأنها تدعم "العديد من القضايا اليهودية حول العالم" إلى جانب عدد من القضايا في إسرائيل، وسردت مجموعة من الجهات التي قالت إنها حظيت بدعمها، من بينها الصندوق القومي اليهودي وأصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي وغيرها.  

وتكتسب الوثيقة أهمية خاصة لأنها تمثل إفادة مكتوبة صادرة باسم مؤسسة إبستين نفسها بشأن نشاطها الخيري تجاه مؤسسات وقضايا يهودية، فيما لم نجد أي تبرعات لصالح أي مؤسسة فلسطينية.

خلاصة  التحقق:

الادعاء بأن جيفري إبستين كان "مناصراً للقضية الفلسطينية" مضلل وغير مثبت بالأدلة التي جرى التحقق منها.

تكشف الوثائق عن مواقف وعلاقات وتبرعات تتصل بشخصيات ومؤسسات إسرائيلية ويهودية، من بينها تبرع موثق بقيمة 50 ألف دولار لاتحاد اليهود في نيويورك، وإفادة صادرة عن مؤسسته بشأن دعمها لعدد من القضايا والجهات اليهودية والإسرائيلية.

حملة إبستين وفلسطين.. محاولة إسرائيلية لربط القضية الفلسطينية بفضائح جنسية؟

الخبير في الشأن الإسرائيلي د. علي الأعور لمرصد كاشف: إبستين كان داعماً للجيش الإسرائيلي وليس للقضية الفلسطينية

يقول الخبير في الشأن الإسرائيلي د. علي الأعور في تصريحات لكاشف، إن "الحملة المتداولة تسعى إلى تقديم إبستين باعتباره داعماً للقضية الفلسطينية، معتبراً أن الوثائق التي جرى تداولها لا تقدم، وفق قراءته، دليلاً على وجود علاقة بين إبستين والقيادة الفلسطينية أو حركة حماس أو أي تنظيم فلسطيني".

وتابع: "إبستين، بحسب ما ورد في الوثائق التي اطلع عليها، كان على صلات بمستويات إسرائيلية عليا وتحديدا مع جهاز "الموساد"، وإلى دعمه لمنظمات مرتبطة بإسرائيل والجيش الإسرائيلي".

وأضاف أن إبستين لم يكن، وفق هذه الرواية، داعماً لفلسطين او حماس، بل إن بعض الوثائق المتداولة تتحدث عن مواقفه الرافضة للحقوق السياسية الفلسطينية، وعن ملاحقته لشخصيات ومشاهير كانوا يعلنون مواقف مؤيدة للفلسطينيين.

ماذا تريد الحملة؟

ويرى الأعور أن خطورة الحملة لا تكمن فقط في الادعاء بوجود علاقة بين إبستين وفلسطين، وإنما في محاولة بناء رابط بين فصائل فلسطينية والفضيحة الجنسية التي ارتبط اسم إبستين بها.

ويقول إن "إعادة إنتاج هذا الربط، عبر تداول أسماء فصائل فلسطينية والقضية الفلسطينية إلى جانب قضية إبستين، قد تهدف إلى تكوين صورة لدى الجمهور الإسرائيلي تربط القضية الفلسطينية بملفات الاستغلال الجنسي والاعتداءات، بما يخدم الرواية الإسرائيلية.

وبحسب الخبير، فإن وضع القضية الفلسطينية في السياق ذاته مع فضيحة إبستين قد يُستخدم في المقابل لتلميع صورة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في ظل الانتقادات الدولية الواسعة التي تواجهها إسرائيل بسبب حربها على غزة والانتهاكات المرتكبة بحقوق الفلسطينيين الأساسية.

الانتخابات الإسرائيلية في خلفية المشهد

ويربط الخبير بين توقيت الحملة والانتخابات الإسرائيلية، معتبراً أنها قد تشكل جزءاً من معركة سياسية تستهدف التأثير في الناخب الإسرائيلي.

وأوضح أن ربط القضية الفلسطينية بقضية إبستين يمكن أن يعزز الخطاب اليميني الذي يسعى إلى تقديم الفلسطينيين وفصائلهم باعتبارهم تهديدا أمنيا وأخلاقيا، بما قد يدفع شريحة من الناخبين نحو مزيد من المواقف اليمينية.

الخبير في الشؤون الإسرائيلية سهيل دياب لمرصد كاشف: طوفان حسابات مشبوهة قادم.. وحملة إبستين جزء من معركة انتخابية

وفي السياق ذاته، حذر الخبير في الشؤون الإسرائيلية سهيل دياب في تصريحات خاصة لكاشف، من اتساع حملة تداول الادعاءات بشأن علاقة الملياردير الأمريكي جيفري إبستين بالقضية الفلسطينية، معتبراً أنها حملة مشبوهة مرتبطة بالسياقات الانتخابية الإسرائيلية والأمريكية.

وقال دياب إن الحملة تأتي في ظل وجود أوساط واسعة من الجمهور الأمريكي تتعاطف مع الفلسطينيين، معتبراً أن إثارة ملف إبستين وربطه بالفلسطينيين قد تكون محاولة لإحداث حالة من البلبلة والتشويش بعيدا عن القضايا السياسية الأساسية.

وأضاف أن الحملة، رغم ذلك، لن يكون لها تأثير كبير على قرارات الناخب الأمريكي، متوقعا أن تتسع خلال الأيام المقبلة بأشكال مختلفة، عبر ما وصفه بـ"طوفان من الحسابات المشبوهة والحسابات الترويجية"، وباستخدام أدوات وتقنيات حديثة بهدف إرباك الجمهور والتأثير في النقاش العام.

وفي حديثه عن إبستين، قال دياب إن الأخير "كان مؤيدا بشكل كبير لإسرائيل"، مردفا: جزيرة إبستين كانت "مكانا موجها من قبل الموساد الإسرائيلي"، وأن إبستين كان يعرف تفاصيل ما يجري فيها ويوجه ما يحدث هناك، واصفاً الجزيرة بأنها "مصيدة".

ويرى دياب أن الهدف من إثارة هذه الروايات وتوسيع الجدل حول إبستين هو إغراق الساحة الانتخابية بقضايا جانبية وإحداث حالة من التشويش، بما يحول دون وضع ملف إبستين في صلب النقاش الانتخابي الأمريكي بين الديمقراطيين والجمهوريين.

من هو جيفري إبستين؟

جيفري إبستين، المولود عام 1953 في نيويورك، مواطن أمريكي كوّن ثروة وعلاقات واسعة مع شخصيات سياسية واقتصادية وأكاديمية بارزة في الولايات المتحدة وخارجها. إلا أن اسمه ارتبط بصورة أساسية بملف الاتجار والاستغلال الجنسي للقاصرات، بعدما وُجهت إليه اتهامات باستدراج فتيات قاصرات واستغلالهن جنسيا، إلى جانب اتهامات مرتبطة بالاتجار الجنسي.

وفي عام 2008، أقرّ إبستين في ولاية فلوريدا بارتكاب جرائم جنسية، وحصل على اتفاق قضائي أثار جدلا واسعا بسبب محدودية العقوبة. وبعد سنوات، أُلقي القبض عليه مجددا في شهر تموز 2019، ووجهت إليه اتهامات بالاتجار الجنسي بالقاصرات والتآمر لارتكاب ذلك.

عُثر على جيفري إبستين، في العاشر من آب 2019، مشنوقا داخل زنزانته في مركز متروبوليتان الإصلاحي في مانهاتن، وأعلن الطبيب الشرعي أن سبب وفاته هو الانتحار شنقًا.

جزيرة إبستين

امتلك إبستين جزيرة خاصة في جزر العذراء الأمريكية تُعرف باسم "ليتل سانت جيمس"، وأصبحت الجزيرة لاحقا من أبرز الأماكن المرتبطة بقضيته، بعدما ورد اسمها في شهادات ودعاوى قضائية وتقارير حول استغلال فتيات ونساء فيها.