مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

أرقام تُخيف المستهلك.. هل تكشف أجهزة النترات حقيقة سلامة الأغذية؟

أرقام تُخيف المستهلك.. هل تكشف أجهزة النترات حقيقة سلامة الأغذية؟
algeria_check

الكاتب

algeria_check

أرقام تُخيف المستهلك.. هل تكشف أجهزة النترات حقيقة سلامة الأغذية؟

انتشرت خلال الفترة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر مقاطع فيديو يظهر فيها أشخاص يستخدمون جهازًا محمولًا يحمل اسم  Greentest، ويقدمونه باعتباره وسيلة سريعة للكشف عن مستويات النترات في الفواكه والخضر.

وفي بعض هذه مقاطع الفيديو (بشكل خاص على تيك توك) لم يتوقف الأمر عند عرض طريقة استعمال الجهاز أو قراءة الأرقام التي تظهر على شاشته، بل ذهب أ

صحابها إلى اعتبار نتائج التجارب دليلًا على أن المنتجات التي اختبروها غير صالحة للاستهلاك، محذرين المتابعين من تناولها.

وأثارت هذه المنشورات العديد من تساؤلات حول مدى موثوقية الجهاز، خصوصًا أن الأرقام

 المعروضة تبدو للمشاهد وكأنها نتائج تحليل علمي، وامتد أثر نتائج التجارب باستخدام الجهاز لخسائر كبيرة للفلاحين بسبب عزوف وخوف المواطنين من اقتناء المنتجات التي تم تحليلها في فيديوهات تيك توك وعرفت انتشارا كبيراً لكن هل يستطيع جهاز محمول أن يحدد فعلًا سلامة المنتجات الغذائية؟ وماذا تقول الوثائق التقنية والشهادات التي تستند إليها الشركة المصنعة؟

جارب تيك توك: من قراءة رقمية إلى نصائح صحية

رصدنا مجموعة من المقاطع المنشورة على منصة تيك توك في الجزائر، يظهر فيها أشخاص يتحدثون عن فوائد جهاز Greentest وطريقة استخدامه، ويعرضون تجارب على منتجات غذائية، قبل تقديم استنتاجات بشأن مستويات النترات ومدى صلاحية تلك المنتجات للاستهلاك.

https://www.tiktok.com/@aboub681/video/7646888253966060822 https://www.tiktok.com/@adjimiyoucef/video/7661766704548072712

وتكمن الإشكالية في الانتقال من قراءة رقمية يعرضها الجهاز إلى إصدار حكم بأن المنتج غير صالح للاستهلاك أو يشكل خطرًا على الصحة، دون تقديم تحليل مخبري يؤكد هذه النتيجة. وللتحقق من مدى صحة هذه الاستنتاجات، عدنا إلى الموقع الرسمي للشركة المصنعة، وفحصنا طريقة عمل الجهاز والوثائق التي تعرضها لإثبات مطابقته للمعايير التقنية.

كيف يعمل جهاز Greentest؟

تعرض الشركة المصنعة جهاز Greentest باعتباره أداة محمولة لقياس مستويات النترات في أنواع مختلفة من الفواكه والخضر، وتقول إن الجهاز يقدم النتائج خلال ثوانٍ، لكن وفق الشروحات التقنية المنشورة على موقعها، يعتمد الجهاز على قياس التوصيل الكهربائي داخل أنسجة المنتجات النباتية، ثم يستخدم معايرة مرتبطة بنوع الغذاء لتقديم تقدير لمستوى النترات.

بمعنى آخر، لا يكشف الجهاز جزيئات النترات مباشرة، وإنما يقيس خاصية كهربائية تتأثر بوجود الأيونات والأملاح داخل الأنسجة، ثم يحول القراءة إلى تقدير لمستوى النترات، كما توضح الشركة أن النتائج قد تتأثر بتركيز الأملاح وحالة الأنسجة النباتية، كما أن توزيع النترات داخل المنتج الواحد قد لا يكون متجانسًا، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف القراءات بحسب موضع القياس.

كما تؤكد الشركة أن الجهاز لا يكشف المبيدات الحشرية أو المعادن الثقيلة، ما يعني أن تقديمه باعتباره وسيلة للكشف عن جميع أنواع الملوثات الغذائية لا يتوافق مع قدراته المعلنة.

ماذا تقول الشركة في موقعها الرسمي والشهادات المرفقة؟

من بين الوثائق المنشورة على موقع Greentest شهادة تحمل عنوان «CERTIFICATE OF EMC»، صادرة عن شركة CCIC Southern Electronic Product Testing (Shenzhen) Co., Ltd.

وتحمل الشهادة الرقم SET2017-03678 ، وتخص جهاز Greentest بالطراز 0808، بتاريخ 23 مارس 2017.

وتشير الوثيقة إلى مطابقة العينة لمجموعة من المعايير الأوروبية المتعلقة بالتوافق الكهرومغناطيسي، في إطار التوجيه الأوروبي 2014/30/EU.

غير أن هذه الشهادة لا تتعلق بدقة قياس النترات، وإنما بمتطلبات التوافق الكهرومغناطيسي للأجهزة الإلكترونية، أي مدى توافق الجهاز مع متطلبات الانبعاثات والمناعة الكهرومغناطيسية.

كما أن الوثيقة تخص الطراز 0808، ولا يمكن تعميم نطاقها تلقائيًا على جميع أجهزة Greentest.

وحاولنا التحقق من بيانات الشهادة عبر رابط التحقق الذي تحيله إليه الشركة، لكننا لم نتمكن من الحصول على نتيجة تؤكد بياناتها خلال محاولات الفحص. ولا يعني ذلك أن الشهادة مزورة، لكنه يجعل التحقق الإلكتروني المستقل منها غير مكتمل، وعليه فإن الاستناد إلى هذه الوثيقة لإثبات دقة الجهاز في قياس النترات لا يستند إلى مضمون الشهادة نفسها.

كما لم نعثر ضمن الوثائق التي فحصناها على دراسة مستقلة منشورة تقارن دقة الجهاز بنتائج تحليل مخبري مرجعي على عينات متعددة من الفواكه والخضر، وتحدد هامش الخطأ في ظروف استخدام مختلفة.

هل تكفي قراءة الجهاز للحكم على سلامة الغذاء؟

ورافق هذه المخاوف غياب وعي تقني لدى المستهلكين وصناع المحتوى، ما يُثير تساؤلات حول وجود رابط بين باعة الجهاز واستغلال هذه الفيديوهات كاستراتيجية تسويقية. فإيهام الناس بأن الأسواق مليئة بالسموم يخلق حاجة مُلحة لشراء الجهاز.

فعندما يعرض شخص تجربة بجهاز Greentest ، ثم يستنتج أن المنتج الذي اختبره غير صالح للاستهلاك، فإنه يقدم للمشاهد حكمًا صحيًا نهائياً بعيداً عن المخابر المختصة والطرق العلمية المعتمدة في مثل هكذا تحاليل، فحتى ظهور نتائج مرتفعة (نترات مرتفع) في شاشة الجهاز لا يكفي لإثبات وجود خطر صحي، ما لم يتم تحديد تركيز النترات بطريقة تحليلية موثوقة ومقارنته بالحدود المرجعية المناسبة للمنتج.

وتكمن خطورة هذا النوع من المحتوى في أن المشاهد قد لا يميز بين تقدير صادر عن جهاز استهلاكي ونتيجة تحليل مخبري، خصوصًا عندما يقدم صاحب الفيديو الرقم مصحوبًا بتحذير مباشر من استهلاك المنتج.

وهذا ما كان وراء انتشار هذا النوع من المخاوف في الجزائر خلال صيف 2026، عندما انتشرت ادعاءات بشأن مستويات النترات في فاكهة الدلاع (البطيخ)، أين تحدث منتجون في ولايات عديدة عن عزوف التجار عن شراء المحصول وتراجع الطلب والأسعار بشكل رهيب، قبل أن تعلن وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق، في 11 جويلية 2026، عن نتائج تحاليل مخبرية قامت بها من خلال أخذ عينات من الدلاع من مختلف مناطق الجزائر، وقالت إن مستويات النترات المسجلة كانت منخفضة وتقع ضمن المستويات الطبيعية والآمنة. 

هل نحن أمام خدعة تسويقية؟

خلال البحث، رصدنا انتشارًا لافتًا لمقاطع فيديو ترويجية لجهاز Greentest على منصة يوتيوب، يقدمها صناع محتوى من دول مختلفة وبأكثر من لغة، ويعرضون فيها تجارب إيجابية لإبراز فعاليته. هذا الحضور الكثيف والمتشابه يستحق التوقف عنده، خصوصًا مع صعوبة العثور على مقارنات مستقلة وموثقة بين نتائج الجهاز والتحاليل المخبرية.

لكن الظاهر في الوثائق التي فحصناها أن جهاز Greentest لا يمثل معيارًا مخبريًا معتمدًا لقياس النترات، كما أن شهادة التوافق الكهرومغناطيسي التي تعرضها الشركة لا تثبت دقة القياس الكيميائي، كما ان المعلومات التقنية المنشورة من الشركة، يعتمد الجهاز على قياس التوصيل الكهربائي وتقديم تقدير لمستوى النترات، مع وجود عوامل يمكن أن تؤثر في نتائجه.

من جهة أخرى سبق وأكد الدكتور الجزائري أحمد علالي من جامعة الوادي لموقع "كل شيء عن الفلاحة"، أن الجهاز يقيس بشكل غير مباشر الخصائص الكهربائية لأنسجة الثمرة، مثل الموصلية، ثم تحول خوارزمية هذه الإشارة إلى قيمة تقديرية للنترات. الإشارة الكهربائية تتأثر ليس فقط بالنترات، ولكن أيضًا بنسبة الماء، السكريات، الأملاح، المعادن، درجة النضج، درجة الحرارة، الصنف الزراعي، وموضع القياس داخل الثمرة. لذلك، القراءات المختلفة في نفس الثمرة لا تعني تغييرًا حقيقيًا في محتوى النترات. القياس العلمي الصحيح يتطلب بروتوكولات مخبرية معتمدة مثل الكروماتوغرافيا الأيونية، وليس قراءة منفردة بجهاز غير مرجعي.

ومن الجانب العلمي تُشير ايضا منظمة الصحة العالمية في قاعدة بياناتها الخاصة بالمواد المضافة والملوثات الكيميائية إلى أن تقييم مخاطر النترات يجب أن يتم بناءً على معايير علمية دقيقة ومستويات تعرض مدروسة، وليس بمجرد قراءات عشوائية من أجهزة غير معتمدة. كما قامت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية بإعادة تقييم شاملة وموسعة لسلامة النترات والنتريت في الأغذية، وخلصت بدليل علمي قاطع إلى الإبقاء على نفس الجرعة الآمنة (3.7 مغ/كلغ).