مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

مرصد كاشف يتحقق: قياسات Google Earth وتحليل الأدلة الميدانية يفندان رواية “الهايكينغ” الإسرائيلية في أحداث قرية تل

مرصد كاشف يتحقق: قياسات Google Earth وتحليل الأدلة الميدانية يفندان رواية “الهايكينغ” الإسرائيلية في أحداث قرية تل
kashif_ps

الكاتب

kashif_ps

في أعقاب الأحداث التي شهدتها قرية تل جنوب غرب نابلس، والتي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين ومستوطنين إسرائيليين اثنين، روّجت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها Ynet وموقع 04، إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لرواية مفادها أن ما جرى كان "هجومًا إرهابيًا" استهدف مستوطنين كانوا يمارسون رياضة المشي "الهايكينغ".

كما تبنى رئيس حزب الديمقراطيين الإسرائيلي يائير غولان هذه الرواية، وقال في منشور على منصة "إكس" إن ما جرى "هجوم إرهابي"، داعيًا إلى "ضرب الإرهاب بيد عسكرية قاسية، بعزم ومن دون أي مساومة"، معتبرًا أن ذلك يجب أن يترافق مع "مبادرة استراتيجية تستهدف البنى التحتية للإرهاب وداعميه وتمنع تعاظمه".

كما هاجمت الناطقة باسم جيش الاحتلال الكابتن إيلا الشهيد فاروق رمضان مدعية أنه نفذ عملية مسلحة قائلة: "ليس شيخا مجاهدا كما يحاول البعض تصويره.. بل إرهابي ملحد"، مردفة: الإسلام بريء منه ومن أفعاله.

الادعاء: عملية إرهابية فلسطينية في قرية تل أدت الى مقتل اثنين من جنود الاحتلال أثناء توفيرهم الحماية لمجموعة من المستوطنين كانوا في جولة في الطبيعة. 

تحقق مرصد كاشف من هذه الرواية بالاستناد إلى تحليل الصور ومقاطع الفيديو المتداولة، وإجراء قياسات جغرافية باستخدام برنامج Google Earth، والتواصل مع المجلس القروي لقرية تل، ومقارنة الروايات المختلفة بالأدلة البصرية والميدانية.

أولاً: أين وقعت المواجهة؟

اعتمد فريق مرصد كاشف على صورة أظهرت مسجد قرية تل في خلفية المشهد، ثم طابق المعالم الظاهرة مع صور الأقمار الصناعية لتحديد الموقع بدقة.

وأظهرت القياسات أن:

  • موقع المواجهة يبعد 164 متراً عن مسجد قرية تل.
  • يقع داخل المخطط الهيكلي للقرية.
  • يبعد90.68  متراً فقط عن أقرب منزل فلسطيني.
  • يبعد قرابة 400  متر عن الشارع الالتفافي المؤدي إلى مستوطنة "يتسهار".

وتشير هذه المعطيات إلى أن مجموعة المستوطنين وصلت من الطريق الالتفافي إلى داخل أراضي القرية، وليس إلى منطقة مفتوحة أو مسار سياحي مخصص للمشي.

كما أكد المجلس القروي لمرصد كاشف أن الأرض التي شهدت المواجهة تعود للمواطن عبد الرحمن راضي اشتية، وتقع ضمن أراضي قرية تل.

ثانياً: ماذا يقول المجلس القروي؟

حصل مرصد كاشف من المجلس القروي على تفاصيل الأحداث، والتي تشير إلى أن الاعتداء بدأ صباح الجمعة 24/7/2026 في المنطقة الشرقية من القرية، عندما هاجم مستوطنون منزل المواطن نسيم الصيفي والمزرعة المحيطة به، بينما كانت زوجته وأطفاله بداخله.

وبحسب المجلس، توجه عدد من أهالي القرية للدفاع عن المنزل، ومن بينهم الشهيد فاروق حسين علي رمضان، الذي تربطه صلة قرابة بأصحاب المنزل، وانتهت المواجهات الأولى بانسحاب المستوطنين من المنطقة الشرقية.

وأضاف المجلس أن المستوطنين انتقلوا لاحقاً إلى المنطقة الجنوبية من القرية، وتحديداً إلى أرض المواطن عبد الرحمن اشتية، حيث تجددت المواجهات.

وأن فاروق رمضان كان يحاول منع الاحتكاك المباشر بين الطرفين، قبل أن تتصاعد الأحداث مع وصول قوات الاحتلال، التي وفرت بحسب المجلس حماية للمستوطنين، بالتزامن مع إطلاق نار أدى إلى إصابة المواطن عروة حسين علي رمضان واعتقاله لاحقاً من المستشفى مع شقيقه.

وقال المجلس أن اشتباكاً بالأيدي وقع بعد ذلك، تمكن خلاله فاروق رمضان من السيطرة على بندقية أحد المستوطنين، وأطلق منها عدة أعيرة نارية في الهواء، قبل أن تتطور الأحداث إلى إطلاق نار أدى إلى استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل مستوطنين اثنين.

ثالثا: ماذا أظهرت الصور ومقاطع الفيديو؟

قارن مرصد كاشف رواية المجلس مع الصور ومقاطع الفيديو المتداولة، وتوصل إلى تطابق واضح في تسلسل الأحداث.

وأظهر التحليل البصري ما يلي: 

  • الصورة الأولى توثق الشهيد فاروق رمضان وهو يقف دون أن يحمل أي سلاح.
  • الصورة الثانية تظهر تعرضه لهجوم من أحد المستوطنين المسلحين.
  • الصورة الثالثة توثق محاولة فاروق، إلى جانب شاب آخر، السيطرة على سلاح المستوطن.
  • الصورة الرابعة تظهر فاروق بعد السيطرة على البندقية وإطلاق النار منها.

ولا تظهر الصور أن فاروق كان يحمل سلاحاً قبل الاشتباك مع المستوطن.

رابعاً: ماذا تكشف قياسات  Google Earth؟

اعتمد مرصد كاشف على أداة القياس في Google Earth لتحديد طبيعة المكان الذي وقعت فيه الأحداث.

وأظهرت النتائج أن موقع المواجهة:

  • يقع داخل النطاق العمراني لقرية تل.
  • يبعد أقل من 100 متر عن أقرب منزل فلسطيني.
  • يقع في أرض خاصة يملكها مواطن فلسطيني.
  • لا يتوافق مع توصيف "منطقة هايكينغ" أو مسار مخصص لرياضة المشي.

كما تشير المسافة الفاصلة بين الطريق الالتفافي وموقع المواجهة إلى أن المستوطنين دخلوا مسافة تقارب 400 متر داخل أراضي القرية قبل وقوع المواجهات.

خامساً: تضارب اسرائيلي في المواقف بشأن رواية "الهايكينغ"

كشفت أحداث قرية تل عن تباين في المواقف داخل إسرائيل، بين من تبنى الرواية الرسمية التي وصفت ما جرى بأنه "هجوم إرهابي"، وبين شخصيات إسرائيلية حملت الحكومة والمستوطنين مسؤولية التصعيد ووصفت ما حدث بـ "الإرهاب اليهودي". 

ورفض وزير الدفاع الأسبق في دولة الاحتلال الإسرائيلي موشيه يعلون الرواية الرسمية، وقال إن "هذه ليست عملية إرهابية، بل يتعلق الأمر باحتكاك أشعله الإسرائيليون في مسجد قرية تل، وبالتوجه إلى القرية.. هذا احتكاك، لكنه لا يحدث من فراغ".

وأضاف أن ما جرى يأتي في إطار "سياسة ممنهجة" تقودها الحكومة الإسرائيلية، قائلاً: "ثمة سياسة ممنهجة هنا، يشكلها وزراء في الحكومة الإسرائيلية يزودون هؤلاء الأشخاص (المستوطنين) في مناطق مختلفة بالأدوات، من مركبات وغيرها، لتهجير أكثر من 100 تجمع رعوي في الضفة الغربية".

ووصف يعلون ما يجري بأنه "إرهاب يهودي"، مضيفًا: هذا احتكاك، لكنه إرهاب يهودي قتل أكثر من 30 فلسطينيًا. 

وتابع: "بعد القضاء على التجمعات الرعوية، يتجهون الآن إلى القرى الفلسطينية لتهجير أهلها من أراضيهم، وبالتالي ثمة سياسة ممنهجة هنا".

وفي السياق ذاته، انتقد لاعب كرة القدم الإسرائيلي السابق والمحلل التلفزيوني إيال بركوفيتش وجود المستوطنين في قرية تل متسائلًا: "لا أفهم ماذا كانوا يفعلون هناك أصلًا، لماذا يذهبون إلى هناك؟".

وأضاف أن إرسال مستوطنين إلى مناطق تشهد احتكاكات أمنية يفرض أعباءً على الجيش الإسرائيلي، قائلاً: لماذا نحتاج إلى إرسال جنود لحماية أشخاص يذهبون إلى أماكن خطرة؟ 

وتظهر هذه التصريحات وجود خلاف داخل إسرائيل بشأن توصيف أحداث قرية تل، إذ حملت شخصيات إسرائيلية بارزة الحكومة والمستوطنين مسؤولية التصعيد، خلافًا للرواية الرسمية التي قدمت الأحداث على أنها "هجوم إرهابي" استهدف مستوطنين كانوا يمارسون رياضة المشي.

سادسا: تصاعد اعتداءات المستوطنين خلال عام 2026

تأتي أحداث قرية تل في سياق تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين بالضفة الغربية.

وبحسب تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الصادر في 6 تموز 2026، نُفذ خلال النصف الأول من العام:

  • 11047 اعتداءً من قبل الاحتلال والمستوطنين.
  • 3,488  اعتداءً نفذها المستوطنون بصورة مباشرة.
  • استشهاد17  فلسطينيا نتيجة اعتداءات المستوطنين.
  • تسجيل 900  اعتداء في محافظة نابلس، لتكون الأعلى على مستوى الضفة الغربية.

كما وثق التقرير:

  • إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة.
  • الاستيلاء على 4,379  دونماً من الأراضي الفلسطينية.
  • إقرار إنشاء 34 مستوطنة جديدة.
  • هدم 740  منشأة فلسطينية.
  • اقتلاع أو تضرر أكثر من 45 ألف شجرة، بينها أكثر من 26 ألف شجرة زيتون.

نتيجة التحقق

أظهر التحقق الذي أجراه مرصد كاشف، بالاستناد إلى تحليل الصور ومقاطع الفيديو، وقياسات  Google Earth، وتحديد الموقع الجغرافي، والتواصل مع المجلس القروي لقرية تل، أن موقع المواجهة يقع داخل أراضي قرية تل وعلى مقربة مباشرة من منازل الفلسطينيين، وليس في منطقة نائية أو على مسار مخصص لرياضة المشي كما روجت له وسائل إعلام إسرائيلية.

كما أظهرت الأدلة البصرية أن الشهيد فاروق رمضان لم يكن يحمل سلاحاً في بداية المواجهة، وأن سيطرته على بندقية أحد المستوطنين جاءت خلال الاشتباك، وهو ما يتطابق مع الرواية الفلسطينية التي وثقها المجلس القروي.

وبناءً على ذلك، فإن الادعاء بأن ما جرى كان "هجوماً إرهابياً استهدف مستوطنين كانوا يمارسون الهايكينغ"، لا تدعمه المعطيات الجغرافية والأدلة الميدانية التي جرى التحقق منها، وبالتالي فإن الرواية الإسرائيلية هي رواية مضللة للرأي العام المحلي والدولي.