مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

كاشف يتحقق: هل أوفت وزارة الصحة بوعدها بتوفير عيادة صحية متنقلة لعرب المليحات؟

كاشف يتحقق: هل أوفت وزارة الصحة بوعدها بتوفير عيادة صحية متنقلة لعرب المليحات؟
kashif_ps

الكاتب

kashif_ps

في السادس والعشرين من آب 2025، نشرت شبكة وطن الإعلامية تقريراً حول الأوضاع الصحية في تجمع عرب المليحات المهجر في منطقة البلقاء شمال أريحا، والذي ضم عشرات العائلات البدوية التي اضطرت إلى مغادرة منطقة المعرجات نتيجة اعتداءات المستوطنين والتضييق المتواصل عليها في شهر تموز من العام 2025.

وخلال التقرير، قال مدير صحة أريحا والأغوار الدكتور طارق حواش إن "العلاج حق لكل مواطن، لكن لم يتوجه إلينا أحد في صحة أريحا من عرب المليحات يطالب بالخدمة الصحية، ولو توجهوا لنا لكنا عرفنا موقعهم ووفرنا لهم الخدمات الصحية."

وأضاف: "قريباً سوف يتم توفير عيادة صحية متنقلة حتى نقوم بخدمة هذا التجمع البدوي"، مردفا: "التجمعات البدوية متناثرة وبعيدة والوصول إليها معقد، لذلك يتطلب الأمر أن يكون لدينا عيادات متنقلة."

وبعد مرور نحو عشرة أشهر على هذا التصريح، تابع مرصد كاشف تنفيذ الوعد للتحقق ما إذا كانت العيادة الصحية المتنقلة قد وصلت بالفعل إلى التجمع أم لا.

الادعاء:
"قريبا سيتم توفير عيادة صحية متنقلة لخدمة عرب المليحات والتجمعات البدوية في الأغوار."

تفاصيل التحقق:
تحقق مرصد كاشف من صحة هذا التصريح وتبين أنه مضلل من خلال الخطوات التالية:

أولاً: التواصل مع المتحدث الإعلامي باسم التجمع

في إطار متابعة تنفيذ الوعد، تواصل مرصد كاشف مع المتحدث الإعلامي باسم تجمع عرب المليحات جمال سليمان، فأكد أن العيادة الصحية المتنقلة التي وُعد بها سكان التجمع لم تصل حتى إعداد هذا التحقق.

وأوضح أن نحو 500 عائلة تضم ما يقارب 700 مواطن تعيش حالياً في منطقة البلقاء قرب العوجا شمال أريحا، بعد تهجيرها من منطقة المعرجات في شهر تموز 2025.

وتابع: منذ تهجيرنا ونحن نسمع وعوداً كثيرة، لكن حتى الآن لا يوجد أي تغيير حقيقي.. لا أحد يسأل عنا، ولا أحد يتابع احتياجاتنا."

وأضاف أن التجمع يفتقر إلى أي عيادة صحية أو نقطة طبية ثابتة أو حتى متنقلة، رغم وجود عشرات الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى الذين يحتاجون إلى متابعة صحية مستمرة.

ثانيا: التواصل مع سكان التجمع

تواصل كاشف مع المواطن محمود مليحات، الذي أكد أن غياب الخدمات الصحية بات يشكل معاناة يومية للسكان، خاصة في الحالات الطارئة.

وقال إن التجمع يقع في منطقة صحراوية معزولة، مؤكداً أن من حق السكان الحصول على عيادة أو مركز صحي، خاصة في ظل وجود عدد كبير من النساء الحوامل اللواتي يضطررن للتوجه إلى مستشفيات المدينة لتلقي الرعاية الصحية، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً عليهن وعلى عائلاتهن.

وأضاف أن غياب الخدمات الصحية يفاقم معاناة السكان، مستشهداً بتجربة شخصية حين مرض ابنه قتيبة (10 أعوام) مطلع شهر حزيران الماضي، إذ اضطر إلى نقله إلى أريحا عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بعد أن ارتفعت حرارته بشكل كبير وأصيب بأعراض مرضية حادة. وأوضح أن الطريق كان مغلقاً بسبب وجود قوات الاحتلال، ما أعاق وصوله إلى المستشفى وزاد من خطورة الحالة الصحية لابنه

ثالثا: ماذا تقول منظمة البيدر؟
تواصل مرصد كاشف مع المشرف العام لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، فأكد أن العيادة الصحية المتنقلة لم تصل إلى التجمعات البدوية المهجرة في الأغوار.

وأوضح أن التجمعات السكانية في منطقة البلقاء ما تزال تعاني من غياب كامل في الخدمات الصحية الأساسية رغم تزايد أعداد السكان المهجرين.

وأضاف أن عدد التجمعات البدوية التي تعرضت للتهجير منذ السابع من تشرين الأول 2023 بلغ نحو 90 تجمعاً بدوياً يقطنها ما يقارب 14 ألف مواطن، قسم منها يعيش في منطقة البلقاء.

وأكد أن النساء والأطفال وكبار السن هم الأكثر تضرراً من غياب الخدمات الصحية المنتظمة، مشدداً على أن الحق في الصحة حق قانوني ودستوري وليس خدمة اختيارية أو منة من أحد.

رابعا: ماذا قالت صحة أريحا؟

بعد جمع إفادات السكان والجهات المعنية، عاد مرصد كاشف للتواصل مع مدير صحة أريحا والأغوار الدكتور طارق حواش للاستفسار عن مصير العيادة الصحية المتنقلة التي وعد بتوفيرها قبل عشرة أشهر.

وأكد حواش أن وزارة صحة أريحا لم تتمكن حتى الآن من توفير العيادة الصحية المتنقلة التي تحدث عنها في آب 2025، مرجعاً ذلك إلى نقص الإمكانيات والأزمة المالية التي يواجهها القطاع الصحي.

وأوضح أن المديرية كانت تمتلك سابقاً عيادة متنقلة، لكنها تعطلت منذ سنوات، مشيراً إلى أن المديرية تقدمت بطلبات لوزارة الصحة لتوفير مركبة بديلة، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن.

وأضاف أن وزارة الصحة تواجه حالياً تقليصاً في الإمكانيات والموارد البشرية، بما يشمل أعداد الأطباء وساعات الدوام في بعض المرافق الصحية، الأمر الذي انعكس على قدرتها على تطوير الخدمات أو استحداث خدمات جديدة في المناطق البعيدة.

كما أشار إلى أن الوزارة تقدم خدماتها حالياً من خلال 4 إلى 5 عيادات ونقاط صحية منتشرة في منطقة الأغوار، من بينها عيادة العوجا التي تعد الأقرب لسكان عرب المليحات، على بعد حوالي 3 كيلومترات.

خلفية: هل العيادات القريبة تحل المشكلة؟

رغم وجود عدد من العيادات والنقاط الصحية في منطقة الأغوار، يؤكد سكان التجمع أن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة الوصول إليها، حيث يتطلب الوصول إلى أقرب خدمة صحية قطع طريق ترابية وعرة تمتد ما بين 3 إلى 4 كيلومترات قبل الوصول إلى الشارع الرئيسي.

كما تمر الطريق بمحاذاة بؤرة استيطانية أُقيمت حديثاً قرب التجمع، ما يزيد من صعوبة التنقل، خاصة خلال ساعات الليل أو في الحالات الطارئة.

حيث شرح المتحدث باسم التجمع لمرصد كاشف إن "المشكلة ليست أين تقع العيادة، بل كيف نصل إليها.. الطريق وعرة وهناك بؤرة استيطانية على الطريق، وفي كثير من الأحيان لا نستطيع التحرك بسهولة، خصوصاً في الليل أو عند وجود حالة طارئة."

وأضاف أن كثيراً من العائلات تضطر إلى استخدام مركبات خاصة وعلى نفقتها الشخصية لنقل المرضى، في ظل غياب أي خدمة صحية منتظمة داخل التجمع.

قصص من الواقع تكشف صعوبة الوصول إلى العلاج

وخلال التحقق، روى المتحدث الإعلامي باسم التجمع حادثة تعرض لها ابنه خلال ساعات الليل.

وقال: مرض ابني حوالي الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، وبدأت حالته تتراجع.. بقينا ساعات نحاول تدبير وسيلة للوصول إلى مستشفى أريحا الحكومي، ولم نصل إلا مع ساعات الفجر بعد حوالي 4 ساعات.

وأشار أيضاً إلى وقوع حالات أخرى اضطر فيها السكان لنقل المرضى بسيارات خاصة بسبب عدم وجود نقطة صحية أو خدمة إسعاف قريبة.

ومن بين تلك الحالات، إصابة طفلة بلدغة عقرب خلال ساعات الليل، حيث اضطر ذووها إلى نقلها بشكل عاجل إلى المستشفى بواسطة مركبة خاصة.

وأكد أن "كل حالة طارئة تتحول إلى معركة.. إذا مرض طفل أو تعرض شخص للدغة عقرب أو وعكة صحية مفاجئة، تبدأ رحلة البحث عن سيارة وطريق مفتوح للوصول إلى مستشفى أريحا الحكومي."

نتيجة التحقق:

أظهر التحقق أن الوعد الذي أطلقه مدير صحة أريحا والأغوار الدكتور طارق حواش في 26 آب 2025 بشأن توفير عيادة صحية متنقلة "قريباً" لخدمة التجمعات البدوية، ومن بينها عرب المليحات، لم يتحقق حتى تاريخ إعداد هذا التحقق.

فبعد مرور نحو عشرة أشهر على الوعد، أكد سكان عرب المليحات ومنظمة البيدر أن العيادة المتنقلة لم تصل إلى التجمع، وأن نحو 700 مواطن ما زالوا يفتقرون إلى خدمات صحية مباشرة داخل مكان سكنهم.

كما تعكس شهادات السكان، حجم الصعوبات التي تواجه الأهالي في الوصول إلى العلاج أو خدمات الإسعاف، في ظل الطرق الوعرة وبعد المرافق الصحية عن التجمع.

وفي المقابل، أقرّ مدير صحة أريحا والأغوار بعدم تنفيذ الوعد حتى الآن، موضحاً أن ذلك يعود إلى نقص الإمكانيات والأزمة المالية وتعطل العيادة المتنقلة السابقة وعدم توفير بديل لها.

ورغم تأكيد الوزارة وجود 4 إلى 5 عيادات ونقاط صحية في منطقة الأغوار، فإن إفادات السكان تشير إلى أن الوصول إليها يتطلب اجتياز طريق وعرة تمتد عدة كيلومترات بمحاذاة بؤرة استيطانية أُقيمت حديثاً، ما يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية تحدياً يومياً، خاصة في الحالات الطارئة.