يأتي هذا المقال ضمن نشرة أسبوعية متّصلة بتدقيق المعلومات، ينشرها رصيف22، بالتعاون مع "مجتمع التحقّق العربي"، وهو مشروع بحثي متخصّص يعتمد على البرمجيات لدعم منصّات التحقّق الإخباري العربية، وذلك عبر بضع آليات، منها استحداث قاعدة بيانات تجمع محتوى منصّات التحقّق إلكترونياً بمعايير تقنية موحّدة، ما يتيح أدوات بحث وتحليل واسعة النطاق.
تتصدى نشراتنا المختلفة لاضطراب المعلومات، والتحديات التي يفرضها علينا في الوصول إلى الحقيقة، ما يضمن تقديم أخبار دقيقة وموثوق بها للجمهور.
تشهد منطقة الشرق الأوسط حرباً واسعة النطاق، ضربات وضربات مضادة، انطلقت صباح 28 شباط/ فبراير 2026، بهجمات أمريكية إسرائيلية على إيران، ردّت عليها هذه الأخيرة بعشرات الصواريخ الباليستية تجاه إسرائيل ودول الخليج والعراق والأردن، وبلغت الأحداث ذروتها بإعلان مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وهو ما رافقته الكثير من الادعاء المضلّلة التي عادةً ما تجد في أوقات الحروب والأزمات بيئة خصبة للانتشار ومحاولات تضليل الرأي العام.
وتراوحت هذه الادعاءات بين مقاطع فيديو تتضمن توثيق "لحظة استهداف خامنئي واغتياله"، و"هجوم على مفاعل ديمونا النووي في إسرائيل"، وكذلك "استهداف برج خليفة في الإمارات"، و"ضربات إيرانية على السعودية"، وصور لشائعات من بينها مقتل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بضربة إيرانية، وغيرها من الادعاءات التي عملت منصات التحقّق من المعلومات العربية على تفنيدها وكشف التضليل فيها.

"فيديو: لحظة استهداف خامنئي ومقتله"
أثار إعلان خبر استهداف المرشد الأعلى الإيراني، على خامنئي، واغتياله حالة من الاضطراب المعلوماتي ما بين مصدق ومكذب، حتى تم تأكيد الخبر رسمياً. بالتزامن، تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر انفجار ضخم في أحد مناطق العاصمة الإيرانية مع ادعاء بأنه للحظة استهداف المرشد الأعلى واغتياله.
تحقّقت منصة "صحيح مصر" من المقطع المتداول وخلُصت إلى أنه مضلّل إذ يرجع مصدره الأصلي إلى تموز/ يوليو 2025، في أثناء حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل، ويُظهر لحظة سقوط صواريخ إسرائيلية على ميدان القدس بالعاصمة طهران، ولا علاقة له بواقعة اغتيال خامنئي.
يُذكر أن إيران أعلنت رسمياً مقتل المرشد الأعلى عقب استهدافه بضربات إسرائيلية أمريكية. ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية أن المرشد الأعلى قُتل في مقر إقامته حيث كان يؤدّي مهام منصبه حين وقع الهجوم. وأعلنت الحكومة الإيرانية الحداد لمدة 40 يوماً وعطلة رسمية 7 أيام.
"الشرع يفتح المجال الجوي السوري أمام إسرائيل لضرب إيران"
وفي سوريا، تداول البعض على منصات التواصل الاجتماعي ادعاءً مفاده أن سوريا فتحت مجالها الجوي أمام إسرائيل والولايات المتحدة لقصف إيران، فضلاً عن تهديد بأنها ستُسقط أي طائرة تخترق مجالها الجوي.
فنّدت منصة "فارق" السورية هذا الزعم، وأثبتت أنه غير صحيح حيث لم يرد في أي بيان رسمي، كما لم يُنقَل عن أي مصدر موثوق، ما يعني أن المعلومة مُرسلة ولا تستند إلى أي جهة رسمية أو إعلامية موثوقة.
"إيران تهاجم مفاعل ديمونا في إسرائيل"
راجت مقاطع فيديو كثيرة مواقع التواصل الاجتماعي توثّق تفاصيل من الحرب الإسرائيلية الأمريكية - الإيرانية، من بينها مقطع انتشر على نطاق كبير مع الزعم بأنه يوثّق لحظة استهداف إيران مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي.
رصدت منصتا "ترو بلاتفورم" السورية و"صحيح العراق" العراقية هذا الادعاء وتحقّقتا منه، وأثبتتا أنه مضلّل حيث تبين أن تاريخ نشر الفيديو يرجع إلى آذار/ مارس 2017، على أنه يُظهر انفجارات في مستودع ذخيرة في بالاكليا، بمقاطعة خاركيف الأوكرانية.
"صواريخ إيران تستهدف برج خليفة"
وكما وصلت الضربات الإيرانية إلى الإمارات، رافقها التضليل أيضاً. من بين ذلك أن تداول رواد مواقع تواصل الاجتماعي صوراً تزعم استهداف برج خليفة من قبل المسيرات الإيرانية، ونشوب حريق فيه.
تتبّعت منصات "تحقّق" و"تيقين" الفلسطينيتين و"فالصو" الليبية أصل الصورة، وانتهت ثلاثتها إلى أنها قديمة، وتوثّق سُحباً وضباباً حول برج خليفة، وقد نُشرت سابقاً في 1 شباط/ فبراير 2015. ونشرتها الحسابات الرسمية لبرج خليفة على إنستغرام حينذاك، معلّقةً عليها: "إنه مجرد ضباب...".
"مقتدى الصدر يدعو إلى تشكيل المقاومة الدولية"
في العراق أيضاً حدثت العديد من التطورات على صلة بالحرب الإسرائيلية الأمريكية - الإيرانية. ومن ذلك أن راج خبر منسوب إلى وكالة رويترز جاء فيه: "مقتدى الصدر يدعو الفصائل العراقية المقاومة إلى اجتماع فوري لإعلان تشكيل أفواج المقاومة الدولية".
دقّقت منصة "الفاحص" العراقية في هذا "الخبر"، وانتهت إلى أنه مضلّل إذ أنه قديم ويعود إلى 5 كانون الثاني/ يناير 2020، حينما دعا الزعيم الشيعي البارز آنذاك الفصائل المسلحة داخل وخارج العراق إلى اجتماع فوري لإعلان تشكيل "أفواج المقاومة الدولية"، رداً على اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ورفيقه أبو مهدي المهندس في غارات شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على مطار بغداد. ولم يُعثر على أي خبر حديث مماثل على وكالة رويترز. كما أن مقتدى الصدر اكتفى بإعلان الحداد لمدة ثلاثة أيام، والتعزية في مقتل خامنئي.
"فيديو للضربات الإيرانية على العاصمة السعودية الرياض"
بالتزامن مع الضربات الإيرانية التي استهدفت السعودية، انتشر عبر السوشال ميديا مقطع فيديو زُعِم أنه يوثق ضربات إيرانية على العاصمة الرياض.
رصدت منصتا "مسند" و"صدق" اليمنيتان المقطع المصوَّر، وخلص تدقيقهما فيه إلى أنه قديم ويعود إلى 20 تموز/ يوليو 2024، ويوثّق ضربات إسرائيلية استهدفت ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة جماعة الحوثي غرب اليمن، رداً على استهداف الحوثيين للسفن التجارية في البحر الأحمر.
يذكر أن مدينة الرياض والمنطقة الشرقية تعرضا لهجمات إيرانية، وقد أعلنت السعودية رفضها وإدانتها لتلك الهجمات، واصفةً إياها بأنها هجمات سافرة وجبانة ولا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة وبأي شكل من الأشكال، وأنه جرى التصدّي لتلك الهجمات، وفقاً لبيان وزارة الخارجية السعودية.

"مقتل نتنياهو بعد استهداف مقر إقامته"
في غضون ذلك، انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي العربية خبر يزعم مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في سياق الرد الإيراني واستهداف "مسيّرات إيرانية مقر إقامته في تل أبيب".
رصدت منصة "متصدقش" هذا التفاعل الواسع مع الادعاء، وتتبّعته حتى خلصت إلى أنه مفبرك إذ لم يرد الخبر على أي منصة موثوقة، أوعن أي جهة رسمية في إسرائيل. كما ظهر نتنياهو في مقطع فيديو، في 1 آذار/ مارس 2026، عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تحدّث خلاله باللغة الفارسية، وطالب فيه الإيرانيين بالتظاهر ضد النظام، محذراً من آلاف الهجمات التي سوف تشنها إسرائيل على النظام الذي وصفه بـ"الإرهابي" خلال الأيام القادمة. كما ظهر يوم 2 آذار/ مارس في جولة ميدانية في موقع قصف إيراني في القدس المحتلة راح ضحيته 10 أشخاص على الأقل.