مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

هل العاطفة تجعل النساء أقل كفاءة في القيادة؟

هل العاطفة تجعل النساء أقل كفاءة في القيادة؟
hakikah_yemen

الكاتب

hakikah_yemen
ينتشر اعتقاد في الخطاب الاجتماعي مفاده أن المرأة أقل أهلية للقيادة والإدارة بسبب ما يُوصف بـ"غلبة العاطفة" على قراراتها مقارنة بالرجل الذي يُنظر إليه اجتماعياً بوصفه أكثر عقلانية أو استقراراً انفعالياً. وبالبحث في محركات البحث ومنصات التواصل باستخدام كلمات مفتاحية مثل "المرأة، القيادة، العاطفة"، تتكرر هذه الفكرة بصيغ متعددة تربط بين العاطفة وضعف القدرة على اتخاذ القرار. وقد ظهر هذا التصور أيضاً في استطلاع ميداني أجراه "الموقع بوست” يتساءل، “ماذا لو حكمت اليمن امرأة؟”، حيث قال أحد المشاركين، “صعب جداً تستطيع المرأة الحكم، فالمرأة عادة هي عاطفية، لكن الرجل — خاصة في الوضع اليمني — يحتاج له صرامة وقوة”. ويعكس هذا الطرح تصوراً يربط بين القيادة السياسية الفعالة وبين الحزم بوصفه سمة ذكورية، مقابل النظر إلى العاطفة باعتبارها عائقاً أمام القدرة على الحكم وإدارة الأزمات. كما ظهر التصور ذاته في سياقات أخرى؛ إذ قال مشارك في استطلاع بثّته قناة يمن شباب الفضائية، إنه لا يتقبل فكرة أن تكون المرأة مديرة له لأن "عاطفتها وحنانها قد يغلبان على قراراتها الحكيمة والرشيدة". كذلك نشرت منصة "منصتي 30" استطلاعاً حول قدرة المرأة على تولي قيادة السلطة المحلية، ورافقت الاستطلاع تعليقات عكست تصورات اجتماعية متباينة حول العلاقة بين المرأة والعاطفة والقيادة. فقد رأى بعض المشاركين أن التأثر العاطفي أو التغيرات الهرمونية قد تجعل المرأة أقل قدرة على اتخاذ قرارات حاسمة تحت الضغط. إذ كتب أحدهم: "كيف تمكن شخص مستحيل ينحط تحت ضغط مشاعره قبل عقله"، بينما لجأ آخر إلى السخرية من قدرة المرأة على اتخاذ قرارات سيادية بالقول إنها قد تتخذ قراراً  بالحرب على الدولة المجاورة؛ لأن "علم بلادهم مثل لون فستانها". وذهبت تعليقات أخرى إلى حصر دور المرأة في المجال المنزلي أو التشكيك بقدرتها على التعامل مع المواقف المصيرية، في حين ظهرت آراء أكثر تحفظاً لا تعارض قيادة المرأة من حيث المبدأ، لكنها تربط كفاءتها بقدرتها على عدم ترك العاطفة تتحكم بقراراتها. وتكشف هذه التعليقات عن افتراض متكرر في الخطاب الشعبي مفاده أن العاطفة تتعارض بطبيعتها مع القيادة الرشيدة، كما تعكس ربطاً شائعاً بين التغيرات الهرمونية وعدم الاستقرار الانفعالي وبين ضعف الكفاءة في اتخاذ القرار. إلا أن هذه التصورات الاجتماعية، رغم انتشارها، لا تُعد بحد ذاتها دليلاً علمياً. ومن هنا يبرز السؤال الذي تناولته الأبحاث النفسية والسلوكية خلال العقود الماضية: هل توجد بالفعل أدلة تجريبية تدعم فكرة أن النساء أقل كفاءة في القيادة بسبب العاطفة؟ أم أن العلاقة بين الانفعال واتخاذ القرار أكثر تعقيداً مما تفترضه الصور النمطية الشائعة؟  

هل هناك فروق انفعالية بين الرجال والنساء؟

تشير دراسة منشورة في  Scientific Reports بعنوان: Little evidence for sex or ovarian hormone influences on affective variability إلى أن الباحثين لم يجدوا أدلة على وجود فروق ثابتة وكبيرة في التقلبات الانفعالية اليومية بين الرجال والنساء عند قياس المشاعر بصورة آنية ومتكررة في الحياة اليومية. وتوضح الدراسة أن الفروق — إن وجدت — كانت صغيرة وغير مستقرة إحصائياً، وأن نتائجها لا تدعم استخدام الجنس بوصفه مؤشراً عاماً على الاستقرار الانفعالي أو القدرة على اتخاذ القرار. مع ذلك، لا تعني هذه النتائج غياب أي فروق نفسية أو انفعالية بين الجنسين في جميع السياقات، بل تشير تحديداً إلى أن الأدلة الحالية لا تدعم التعميمات الواسعة التي تربط النساء بضعف الاستقرار الانفعالي بصورة جوهرية أو ثابتة.  

العاطفة واتخاذ القرار

في الأدبيات الحديثة لعلم الأعصاب وعلم النفس المعرفي، لا تُعامل العاطفة بوصفها نقيضاً مباشراً للعقلانية. بل تشير نماذج اتخاذ القرار الحديثة إلى أن العمليات الانفعالية والمعرفية تتداخل في تشكيل الأحكام والسلوك. وتُعد أعمال عالم الأعصاب Antonio Damasio  من أبرز المراجع في هذا المجال، إذ أظهرت دراساته على مرضى لديهم تلف في مناطق دماغية مرتبطة بالمعالجة الانفعالية أن ضعف المعالجة العاطفية قد يرتبط أحياناً بتدهور القدرة على اتخاذ قرارات اجتماعية وعملية فعالة، رغم بقاء القدرات المنطقية الأساسية سليمة نسبياً. ولا تعني هذه النتائج أن "العاطفة تحسن القرارات دائماً"، وإنما تشير إلى أن الانفعالات تُعد جزءاً من البنية الطبيعية لاتخاذ القرار البشري، وليست مجرد عنصر مضاد للتفكير العقلاني. أظهرت مراجعة تحليلية واسعة منشورة في Psychological Bulletin التابعة لـ American Psychological Association (APA) بعنوان: Gender and leadership effectiveness: A meta-analysis أن الفروق في فعالية القيادة بين الرجال والنساء كانت صغيرة نسبياً وتعتمد بدرجة كبيرة على نوع البيئة التنظيمية والسياق المهني. وتوضح المراجعة أن الجنس وحده لا يُعد متغيراً تفسيرياً كافياً للحكم على الكفاءة القيادية، وأن الأداء القيادي يرتبط بعوامل متعددة تشمل الخبرة المهنية، والمهارات التنظيمية، والقدرة على التواصل، والذكاء الاجتماعي، وطبيعة المؤسسة، ومتطلبات الدور القيادي. كما تشير نتائج التحليل إلى أن بعض الفروق التي تظهر في تقييم القيادة قد تعكس تأثيرات ثقافية واجتماعية، وليس اختلافات جوهرية ثابتة في القدرة القيادية نفسها.  

تأثير الصور النمطية على تقييم النساء في القيادة

تشير دراسة منشورة في Psychological Science بعنوان: Can an Angry Woman Get Ahead? إلى أن تقييم السلوك القيادي قد يتأثر بالصور النمطية المرتبطة بالجنس. فقد وجدت الدراسة أن السلوك الحازم أو الغاضب قد يُفسَّر بصورة إيجابية لدى الرجال باعتباره "قوة شخصية" أو "حزماً"، بينما يُقيَّم بشكل أكثر سلبية عندما يصدر عن امرأة، حتى إذا كان السلوك نفسه متشابهاً. وفسّر الباحثون ذلك بوجود معايير اجتماعية مختلفة لتقييم السلوك القيادي لدى الرجال والنساء. ولا تعني هذه النتائج أن النساء يتعرضن دائماً لتحيزات متطابقة في جميع البيئات، لكنها تشير إلى وجود أدلة تجريبية على أن التصورات الاجتماعية قد تؤثر على تقييم القيادة بصورة تختلف باختلاف جنس القائد.  

الخلاصة العلمية

تشير الأدلة الحالية في علم النفس والسلوك التنظيمي إلى أن الادعاء القائل إن المرأة أقل أهلية للقيادة بسبب "غلبة العاطفة" لا يستند إلى دليل علمي عند استخدامه كتفسير عام للكفاءة القيادية. فالدراسات لا تُظهر فروقاً ثابتة وكبيرة تسمح باستخدام الجنس وحده كمؤشر موثوق على الاستقرار الانفعالي أو فعالية القيادة. كما أن الأبحاث الحديثة في علم النفس وعلم الأعصاب لا تتعامل مع العاطفة بوصفها نقيضاً مباشراً للعقلانية، بل باعتبارها جزءاً من عملية اتخاذ القرار البشري. وتشير الأدلة أيضاً إلى أن تقييم الكفاءة القيادية يتأثر بعوامل متعددة تتجاوز الجنس، بما في ذلك الخبرة والسياق المؤسسي والمهارات الاجتماعية والتنظيمية، إضافة إلى تأثير بعض الصور النمطية الاجتماعية على كيفية تقييم سلوك القادة الرجال والنساء.