مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

"متصدقش" تتتبع التوسعات الجارية في مطار بربرة وتكشف الدور الإماراتي المتصاعد

"متصدقش" تتتبع التوسعات الجارية في مطار بربرة وتكشف الدور الإماراتي المتصاعد
(تحقيق- الحقيقة فين- اعرف- سين وجيم- تقارير- علشان محدش يضحك عليك- مدونة- والمواد المتشابهة في المنصات الشريكة)
Matsda2sh

الكاتب

Matsda2sh

دحض الإدعاء

📌 على مدار الأشهر التسعة الماضية، شهد مطار بربرة موجة توسعات وإنشاءات لافتة، رافقها مسار سياسي متسارع حوله، كان أحدث فصوله في 14 يونيو الجاري، حين نزل رئيس أرض الصومال عبدالرحمن محمد عبد الله "إيرو" من طائرته في مطار بن غوريون، ليصبح أول رئيس صوماليلاندي يجري زيارة رسمية معلنة لإسرائيل.

◾ لم تكن زيارة "إيرو" حدثًا منفردًا، بل جاءت تتويجًا لمسار بدأ في 26 ديسمبر 2025 باعتراف إسرائيلي رسمي بأرض الصومال، ثم حديث إيرو في فبراير 2026 عن اتفاق تجاري مرتقب مع تل أبيب.

◾ في نهاية مايو 2026، خصص تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية رُفع إلى الكونجرس قسمًا لتطوير مطار وموانئ بربرة كمركز إقليمي للتجارة والنقل، يخدم أرض الصومال وإثيوبيا الحبيسة، ويُتيح فرصًا للاستثمار الأمريكي في البنية التحتية.

◾ كما أشار التقرير إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) تُجري اتصالات منتظمة مع سلطات الإقليم وتستكشف مجالات تعاون أمني، وهو ما تأكد ميدانيًا بزيارة قائد أفريكوم الجنرال داغفين أندرسون لبربرة في 26 نوفمبر 2025.

◾ في موازاة المسارين الأمريكي والإسرائيلي، يحضر الدور الإماراتي بثبات على في أرض الصومال؛ لا سيّما في مطار بربرة التي قادت عمليات تطويره منذ عام 2017. ما يشير إلى تقاطع مصالح إقليمية على أرض هذا المطار في مقدمتها أبوظبي.

➖ تتبّع فريق "متصدقش" صور الأقمار الصناعية والوثائق الرسمية وبيانات الملاحة الجوية، للإجابة عن ثلاثة أسئلة محورية؛ ما تاريخ مطار بربرة وأهميته الاستراتيجية؟ ما طبيعة التوسعات الجارية فيه اليوم؟ ومن يديره فعليًا؟:⬇️⬇️

⭕ ما قصة مطار بربرة؟

style="font-size: 14pt;">◾ لم يكن مطار بربرة مجرد منشأة جديدة، ولم يظهر فجأة، بل كان موقعًا قديمًا ذي قيمة استراتيجية تعود إلى عقود. فالمطار يستمد أهميته من موقع مدينة بربرة المطل على خليج عدن والقريب من مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.

◾ وتعود بداياته إلى مطلع القرن العشرين، حين استخدمته القوات البريطانية موقعًا لمدارج عسكرية بدائية، قبل أن يأتي التحول الأبرز في سبعينيات القرن الماضي مع بناء الاتحاد السوفيتي المدرج الطويل الذي منح المطار قيمته الاستراتيجية المعروفة اليوم.

◾ وبعد حرب أوغادين عام 1978؛ وهي مواجهة عسكرية بين الصومال وإثيوبيا بسبب سعي مقديشو إلى ضم إقليم أوغادين الإثيوبي الذي تقطنه أغلبية صومالية، غير الصومال موقفه الدولي وانتقل من المعسكر السوفياتي إلى الغربي.

◾ وفي هذا السياق، دخل مدرج بربرة في خدمة الولايات المتحدة منذ مطلع الثمانينيات، كما يذكر الموقع الرسمي للمطار أنه استخدم أيضًا من قبل ناسا موقعًا اضطراريًا للهبوط لمكوك الفضاء بين 1980 و1991
.
◾ بعد انهيار الدولة الصومالية، خفت دور مطار بربرة لسنوات، قبل أن تعيد سلطات أرض الصومال إدخاله في مسار تطوير مدني بدأ عام 2012. غير أن موقعه الاستراتيجي أعاده سريعًا إلى قلب الحسابات العسكرية في خليج عدن والبحر الأحمر، مع تصاعد الحرب في اليمن وعمليات التحالف ضد الحوثيين.

◾ ففي عام 2017 بدأت الإمارات في بناء قاعدة عسكرية في موقع مطار بربرة، بموجب اتفاق مع حكومة الإقليم مدتها 30 عامًا، وبعد عام أعلن رئيس أرض الصومال السابق موسى بيحي عبدي أن الإمارات تعتزم تدريب قوات الأمن في أرض الصومال، في إطار اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية في بربرة.

◾ غير أن رئيس أرض الصومال السابق عاد في 2019 ليقول إن القاعدة الجوية الإماراتية المخطط لها في بربرة، ستتحول إلى مطار مدني، وبحسب تحليل لمجموعة الأزمات الدولية تزامن هذا الإعلان مع تقليص الإمارات لوجودها العسكري في اليمن، ما خفض الحاجة إلى مهبط ثان في القرن الإفريقي.

◾وفي أغسطس من عام 2020، أعاد عبدي التأكيد على أن الخطط العسكرية للمطار قد غيرت إلى مطار تجاري، لافتًا إلى أنه سيكون من بين أكبر المطارات في أفريقيا. فهل تدعم الأدلة والوثائق التحول إلى مطار مدني أم أنه ثمة أمور عسكرية تجري هناك؟

⭕ ما التوسعات الجارية في المطار؟

◾ قبل البحث عن هوية المطار الحقيقية وطبيعة، تشغيله تتبعنا أولًا التغيرات والإنشاءات عبر صور الأقمار الصناعية أن ما يجري في مطار بربرة ليس موجة أعمال طارئة بدأت مؤخرًا، بل مسار تطوير ممتد على مرحلتين رئيسيتين على الأقل.

◾ كشفت جوجل إيرث أن المرحلة الأولى من إنشاءات المدرج بدأت في أبريل 2018، حين أظهرت صور "جوجل إيرث" أعمال تمهيد وتجهيز جنوب المدرج، مع مؤشرات على وجود معدات أو نشاط إنشائي في نطاق العمل.

◾ واستمرت هذه المرحلة حتى أغسطس 2019، وبنهايتها ظهرت منطقة دعم لوجستية، وأعمال مرتبطة بإعادة تأهيل المدرج، وتطوير منشآت ومبان خدمية داخل نطاق المطار.

◾ كما تُظهر المقارنة البصرية أن أعمال التأهيل شملت تغييرًا في طول المدرج، فبحسب القياسات التي أجراها فريق "متصدقش" على صور جوجل إيرث، امتد طول المدرج من 4,140.45 مترًا عام 2003 إلى 4,264.74 مترًا عام 2019؛ أي بزيادة 124 مترًا تقريبًا.

◾ أما المرحلة الثانية، فتظهرها صور مشروع كوبرنيكوس تدريجيًا منذ يونيو 2023، حين بدأ شق طريق جديد جنوبي منطقة الخدمات اللوجستية. وفي نوفمبر 2023 ظهرت أعمال تمهيد على أطراف هذا الطريق، قبل أن تظهر في يناير 2024 منشآت جديدة داخل المنطقة اللوجستية، تبدو من نمط مبانٍ أو هناجر خدمية، إلى جانب إنشاءات أخرى إلى الجنوب منها.

◾ وبحلول سبتمبر 2025، بدت وتيرة الأعمال جنوبي منطقة الخدمات آخذة في التسارع، قبل أن تظهر منذ أكتوبر من العام نفسه أعمال حفر جديدة استمرت حتى 15 يونيو الجاري. وفي هذه المنطقة، رُصدت خنادق أو حفر طولية قد توحي، من الناحية البصرية، بإنشاءات مرتبطة بخزانات وقود أو مخازن ذخيرة، غير أن هذا الاحتمال لا يمكن الجزم به من صور الأقمار الاصطناعية وحدها، من دون ظهور مؤشرات ميدانية إضافية تدعم هذا التفسير.

⭕ من يدير المطار؟

◾ تُظهر الوثائق الرسمية الصادرة عن وزارة الطيران المدني وتطوير المطارات في أرض الصومال أن مطار بربرة مصنف كمنشأة "مدنية/عسكرية"، ومملوك لسلطة الطيران المدني والمطارات في الإقليم، في حين تشغله شركة Berbera International Airport Company. كما تورد هذه الوثائق خدمات تشغيلية تشمل المناولة الأرضية، والتزود بوقود Jet A1، والشحن، والإنقاذ، والإطفاء.

◾ وتكشف الخرائط الرسمية أن بنية المطار لا تقتصر على المدرج، بل تشمل مبنى الركاب، وممر حركة الطائرات على الأرض، وساحة لوقوف الطائرات وخدمتها، ومنطقة دوران عند نهاية المدرج، وملاجئ للطائرات، وموقعًا قديمًا لتخزين الوقود يشار إليه بأنه مهجور.

◾ لكن المفاجئ أن عند مراجعة فريق متصدقش لوثائق الإنشاءات الرسمية المعلنة عبر الموقع الرسمي، لم يجد أن هذه الوثائق تتضمن الإنشاءات الجديدة التي أظهرتها صور الأقمار الاصطناعية، خاصة التغيرات جنوبي منطقة الخدمة اللوجستية، والتي لا يزال العمل جارٍ بها حتى شهر يونيو الجاري.

◾ ورغم إعلان تشغيله تحت اسم "Berbera International Airport Company"، توصل فريق "متصدقش" إلى خيط آخر يكشف هوية الجهة التي تدير المطار فعليًا. فبحسب منشور على الحساب الرسمي لشركة Transport Infrastructure Services Limited (TISL) في "لينكدإن"، وهي شركة خاصة مقرها أبوظبي، تتولى الشركة إدارة وتشغيل مطار بربرة ضمن شبكة شركات ترتبط بمجموعة Terminals Holding المتمركزة في أبوظبي.

◾ ويظهر في المنشور ذاته أن TISL تدير أيضًا مطار بوصاصو إلى جانب مطار بربرة، بما يضع تشغيل المطارين داخل منظومة مؤسسية إماراتية واضحة. وتنسجم هذه المعطيات مع ما ذكرته وكالة "رويترز" عن أن الإمارات تدير كذلك ميناء بربرة والمنطقة الحرة الواقعة بين الميناء والمطار عبر شبكاتها الاقتصادية في المنطقة.

◾ وتدعم هذه المعطيات أيضًا التغطية الصحفية لافتتاح مطار بربرة بعد تجديده في نوفمبر 2021، إذ ذكرت صحيفة Somali Dispatch أن مراسم الافتتاح حضرها مسؤولون كبار من دولة الإمارات، بوصفها مستثمرًا رئيسيًا في المطار، إلى جانب مسؤولين من صوماليلاند ودبلوماسيين ووفد من الخطوط الجوية الإثيوبية. كما أشارت التغطية إلى أن السفير الإماراتي لدى صوماليلاند عبد الله النقبي، ورئيس البعثة الإماراتية في مطار بربرة، تحدثا خلال الافتتاح.

◾وأشاد النقبي في كلمته بإسهام أبوظبي في تطوير المطار، مؤكدًا التزام حكومته بجعل المنشأة أكثر قدرة على المنافسة. ويعزز هذا الحضور العلني للمسؤولين الإماراتيين في حفل الافتتاح فرضية أن الدور الإماراتي في المطار لم يكن مقتصرًا على التمويل أو الدعم الخفي، بل ارتبط أيضًا بحضور سياسي وتشغيلي مباشر في واحدة من أبرز محطات إعادة تأهيله.

⭕ ما أكثر الرحلات ترددًا على المطار؟

◾ ورغم الإعلان عن تحويل مطار بربرة إلى مطار مدني، لم يعثر فريق "متصدقش" خلال فترة المراجعة على جدول معلن وواضح لرحلات مدنية منتظمة على الموقع الرسمي للمطار. كما أن البيانات المتاحة علنًا على صفحات بعض شركات الطيران ومحركات الحجز لم تكن كافية لإثبات وجود تشغيل مدني منتظم ومستقر.

◾وتدعم ذلك محاولة حجز اطلع عليها الفريق، إذ لم يظهر مطار بربرة ضمن المطارات المتاحة أو المفعلة في نتائج البحث، بينما اقترح التطبيق مطار هرجيسا بديلًا قريبًا على بعد 144 كيلومترًا.

◾وفي المقابل، تكشف بيانات الملاحة الجوية عن حضور متكرر لطائرات شحن ثقيل ارتبطت بالمطار خلال الفترة الأخيرة، وتحركت ضمن شبكة جوية تتكرر فيها مطارات إماراتية على نحو لافت.

◾ ومن بين الطائرات التي رصدها فريق "متصدقش"، برزت طائرات شحن ثقيل من طراز Ilyushin Il-76TD، كان أبرزها الطائرة 7Q-ASU، التي أظهر سجلها تكرارًا واضحًا لوجهات مثل أبوظبي ورأس الخيمة، إلى جانب بربرة وأديس أبابا وألماتي. كما ظهرت رحلات مباشرة بين أبوظبي وبربرة في 7 و8 يناير 2026، فضلا عن مسارات ربطت بربرة بمقديشو وبوصاصو.

◾ وفي شهر يناير نفسه أقلعت هذه الطائرة أيضًا من مطار رأس الخيمة بدولة الإمارات إلى تل أبيب، ما يشير إلى أن الطائرة الإماراتية ترددت على مطار بربرة وتل أبيب في الشهر ذاته.

◾ تظهر الطائرة 7Q-ASU في قواعد بيانات الطيران المفتوحة بوصفها طائرة تشغلها شركة Zebu Air المالاوية، لكن الحضور المتكرر للإمارات، وخصوصًا أبوظبي، في سجل رحلاتها يجعل من الصعب فصل نمط تشغيلها عن صلة تشغيلية واضحة بالمجال الإماراتي.

◾ ولفت انتباه فريق "متصدقش" أن الرحلتين بين أبوظبي وبربرة في 7 و8 يناير 2026 تتزامنان مع حادثة سياسية بارزة في تلك الليلة؛ فقد ذكر المتحدث باسم التحالف بقيادة السعودية اللواء تركي المالكي أن قائد المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني عيدروس الزبيدي غادر عدن ليلاً بزورق بحري إلى ميناء بربرة، ثم أقلّته طائرة من بربرة بصحبة ضباط إماراتيين عبر مطار مقديشو إلى مطار في أبوظبي.

◾ وردّت الحكومة الصومالية بحظر الطيران العسكري الإماراتي من مجالها، ثم ألغت كل الاتفاقيات مع أبوظبي شاملةً موانئ بربرة وبوصاصو. ولا تُثبت هذه القرائن أن الطائرة المرصودة هي ذاتها المعنية بالواقعة، لكنها تضع الرحلات في سياق نشاط تشغيلي إماراتي مكثّف عبر بربرة.

◾ كما برزت الطائرة 5Y-FQA، وهي من طراز Boeing 737-436 وتشغلها شركة Fanjet Express، بوصفها أكثر الطائرات ترددًا على مطار بربرة في الأرشيف الذي راجعه فريق "متصدقش". فبمراجعة سجل رحلاتها على منصة Flightradar24، تبيّن أن اسم بربرة ظهر في ما لا يقل عن 55 حركة جوية بين وصول ومغادرة منذ بداية ظهور أرشيف الطائرة في أغسطس 2023 وحتى يناير 2026.

◾ويكشف هذا السجل أن بربرة لم تكن محطة عابرة في تشغيل الطائرة، بل واحدة من أكثر وجهاتها حضورًا، إلى جانب مطارات إماراتية، وعلى رأسها أبوظبي ورأس الخيمة والفجيرة، بما يضع الإمارات أيضًا في قلب نمط حركتها التشغيلية.

⭕ ماذا يعني ذلك؟

◾ خلاصة ما يكشفه هذا التحقيق أن مطار بربرة لا يشهد أعمالًا طارئة، بل مسارًا ممتدًا من التحديثات بدأ منذ سنوات وتسارع خلال الفترة الأخيرة، في وقت تضعه تقارير أمريكية رسمية ضمن تصور أوسع لتحويله، مع الميناء، إلى مركز للتجارة والنقل يخدم أرض الصومال وإثيوبيا غير الساحلية.

◾كما يظهر أن المطار يعمل داخل بنية تشغيلية معلنة، لكن الجهة التي تديره فعليًا ترتبط بشبكة شركات ذات صلة إماراتية واضحة، ما يضيف بعدًا إقليميًا مباشرًا إلى طبيعة التطوير الجاري فيه.

◾ وفي الوقت نفسه، لم يعثر فريق "متصدقش" على مؤشرات واضحة إلى تشغيل مدني منتظم ومستقر للمطار خلال فترة المراجعة، في حين أظهرت بيانات الملاحة الجوية حضورًا متكررًا لطائرات شحن ثقيل ارتبطت ببربرة ضمن شبكة تحركات تتكرر فيها المطارات الإماراتية بصورة لافتة.

◾ ولا تكفي هذه المعطيات وحدها للجزم بطبيعة كل استخدام للمطار أو وظيفة كل منشأة جديدة داخله، لكنها تكشف بوضوح أن بربرة لم تعد مجرد مطار محلي قيد التطوير، بل صارت عقدة لوجستية واستراتيجية تتزايد أهميتها في تقاطع المصالح الأميركية والإسرائيلية والإماراتية حول القرن الأفريقي وخليج عدن.