مجتمع التحقق العربي هو منظمة بحثية غير ربحية معنية بدراسة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة باللغة العربية على الانترنت، وتقديم الحلول الرائدة والمبتكرة لرصدها

كاشف يتحقق: هل تقوم وزارة الزراعة من تقديم مساعدات عاجلة للمزارعين  المتضررين من اعتداءات الاحتلال خلال 24 ساعة؟

كاشف يتحقق: هل تقوم وزارة الزراعة من تقديم مساعدات عاجلة للمزارعين  المتضررين من اعتداءات الاحتلال خلال 24 ساعة؟
kashif_ps

الكاتب

kashif_ps

في وقت تتصاعد فيه اعتداءات الاحتلال والمستوطنين على الأراضي الزراعية، من هدم وتجريف واقتلاع أشجار وسرقة مواشٍ ومنع وصول إلى الأراضي، تؤكد وزارة الزراعة أنها تمتلك آليات استجابة سريعة لدعم المزارعين المتضررين خلال 24 ساعة.

قال الناطق باسم وزارة الزراعة محمود الفطافطة خلال مقابلة تلفزيونية ببرنامج شد حيلك يا وطن على تلفزيون وطن، إن الوزارة "غيّرت استراتيجيات عملها منذ تسلم الحكومة الحالية مهامها، وأطلقت مجموعة من المبادرات الزراعية أبرزها الأمن الغذائي والأمن المائي والاستجابة العاجلة وتخضير فلسطين". كما أشار إلى أن الوزارة ضخت مؤخراً 12 مليون شيكل لصالح 319  مزارعا تعرضوا لاعتداءات من الاحتلال والمستوطنين، مؤكداً أن معظم المزارعين المتضررين سيستفيدون تباعاً من هذا الدعم.

الادعاء:
"أي ضرر يتعرض له المزارع، خصوصاً في مناطق (ج)، مباشرة وخلال 24 ساعة نقدم له مساعدة مباشرة".

تفاصيل التحقق:
تحقق مرصد كاشف من صحة هذا التصريح وتبين أنه مضلل من خلال الخطوات التالية:
أولاً: التحقيق في قضية عرب الخولي
في العاشر من أيار 2026، هدم مستوطنون نحو50  غرفة ومنشأة زراعية في تجمع عرب الخولي، بعد أشهر قليلة من تهجير سكانه تحت ضغط اعتداءات المستوطنين المتواصلة.
وفق معطيات بلدية كفر ثلث، طالت عمليات الهدم عشرات المنشآت الزراعية المقامة على أراضٍ يعتمد أصحابها على الزراعة والثروة الحيوانية كمصدر رئيسي للعيش، فيما قدرت الخسائر بملايين الشواقل بحسب ما نشر على وكالة وفا الرسمية بحسب الصورة المرفقة.

تواصل مرصد كاشف مع رئيس تجمع عرب الخولي عثمان مقبل الذي أوضح إن 25 عائلة كانت تعيش في التجمع قبل تهجيرها في 28 شباط 2026، وكانت تعتمد على مئات الدونمات المزروعة بالزيتون والمحاصيل الحقلية، إضافة إلى نحو 1500 رأس غنم و200 رأس بقر.

ورغم مرور أشهر على التهجير، وأسابيع على عملية الهدم الواسعة، أكد مقبل لمرصد كاشف أن وزارة الزراعة لم تقدم أي مساعدة مباشرة للسكان.

وأضاف: "وصلتنا خيام من مؤسسات دولية، ووصلتنا أعلاف من الإغاثة الزراعية حتى نستطيع الاستمرار، لكن وزارة الزراعة لم تساعدنا لغاية اللحظة، رغم مراجعتنا لمختلف الجهات فيها".

ماذا تقول مديرية الزراعة نفسها؟

عند العودة إلى مديرية زراعة قلقيلية، لم يكن الحديث عن مساعدات فورية أو تدخلات عاجلة خلال 24 ساعة، بل عن عملية توثيق ما تزال مستمرة منذ أسابيع.

حيث تواصل المرصد مع مدير دائرة الخدمات المساندة في المديرية ياسر مراعبة وأوضح أن الوزارة تعمل على إعداد ملفات الأضرار الخاصة بالمزارعين المتضررين في عرب الخولي.

وقال إن عملية التوثيق لا تزال جارية حتى بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع على عملية الهدم الأخيرة.

وأضاف أن الوزارة تقوم بإعداد الملفات ورفعها ضمن برامج دعم ممولة من الاتحاد الأوروبي، وأن اختيار المستفيدين يتم وفق معايير وشروط مرتبطة بالمشاريع المتاحة.

كما أشار إلى وجود عدد كبير من ملفات الأضرار المتراكمة منذ سنوات.

وتكشف هذه الإفادة أن المسار الفعلي للحصول على الدعم يمر عبر التوثيق وإعداد الملفات وانتظار التمويل والمشاريع، وهو ما يختلف عملياً عن مفهوم "المساعدة المباشرة خلال 24 ساعة" الوارد في التصريحات الرسمية.

ثانياً: دير الغصون: عامان من المراجعات دون تعويض

هدم الاحتلال قبل نحو عامين بيوتاً بلاستيكية ومحاصيل زراعية وبنية تحتية زراعية تعود للمزارع طارق الكامل في دير الغصون شمال طولكرم، ما ألحق به خسائر يقدرها بأكثر من 200 ألف شيكل.

وطال الاعتداء نحو 6.5 دونمات مزروعة بالبندورة والفليفلة والباذنجان، إضافة إلى تدمير المضخات الزراعية والمرافق المرتبطة بها.

تواصل المرصد مع المزارع طارق الكامل وأكد أنه رغم مرور قرابة السنتين على متابعته للملف مع وزارة الزراعة، لم يتلق أي دعم حتى الآن.

ويقول إن "آخر اتصال مع الزراعة كان منذ نحو أربعة أشهر، والرد الذي أتلقاه دائماً: لم يأتِ دورك بعد".

كما يشير إلى أنه تلقى وعوداً من جهات رسمية أخرى بمتابعة القضية، لكنها لم تترجم إلى إجراءات فعلية على الأرض.

ثالثاً: مساعدة محدودة في قرية سنجل

أما في بلدة سنجل شمال رام الله، تعرض المواطن روحي شبانة لسرقة نحو 60 رأساً من أغنامه على يد مجموعة من المستوطنين، قبل أن يتمكن لاحقاً من استعادة 11 رأساً فقط. حيث كانت مصدر رزقه الوحيد.

وبحسب شهادته لمرصد كاشف، قدمت له وزارة الزراعة بعد نحو عشرين يوما من الحادثة نصف بالة قش بوزن يقارب 200 كيلوغرام للأغنام المتبقية لديه.

ويضيف أن"المساعدة مهمة، لكن خسارتي كانت عشرات رؤوس الأغنام التي أعتاش منها"، موضحاً: أنا لا أملك مصدر دخل آخر لذا كل ما أريده هو عودة قطيعي كاملا من الأغنام المسروقة".

رابعاً: مسافر يطا

تواصل مرصد كاشف مع المزارع طالب النعامين من خربة اقواويس في مسافر يطا جنوب محافظة الخليل، الذي صرّح إن سكان المنطقة يواجهون ظروفاً قاسية جراء تصاعد اعتداءات المستوطنين، التي حدّت من قدرتهم على التنقل ورعاية مواشيهم والوصول إلى احتياجاتهم الأساسية.

وأوضح النعامين أن مجموعة من المستوطنين اقتحمت الخربة في شهر نيسان من العام 2026، وأدخلت ثلاثة قطعان من الأبقار والماعز والأغنام إلى المنطقة وعلى مقربة من المنازل، ما أدى إلى استنزاف المراعي المتاحة للسكان. وأضاف أن الرعاة باتوا يخشون إخراج مواشيهم للرعي بسبب المخاطر المتزايدة من سرقة المواشي أو قتلها، مشيراً إلى أنهم يواجهون ما وصفه بـ"حالة من السجن المنزلي" نتيجة القيود والاعتداءات المستمرة.

وأشار إلى أنه تعرض وذووه لاعتداءات من قبل المستوطنين في أكثر من مناسبة، موضحاً أن نحو 30 مستوطناً هاجموا المنطقة عام 2025 واعتدوا على المزارعين وقطعانهم.

وأكد النعامين أن محاصيله الزراعية من القمح والشعير تعرضت لخسائر كاملة بعدما رعت فيها أبقار المستوطنين، لافتاً إلى أن الأضرار طالت أيضاً أشجار الزيتون والكروم والمراعي التي يعتمد عليها مربو الثروة الحيوانية في المنطقة. كما أوضح أنه يضطر إلى إبقاء أغنامه داخل الحظائر خشية تعرضها للسرقة أو الاعتداء.

وفيما يتعلق بالدعم الزراعي، قال النعامين إنه تواصل مع وزارة الزراعة وطلب توفير أعلاف ومساعدات لمواشيه، مؤكداً أنه لم يتلقَّ أي مساعدة حتى الآن.

خامساً التواصل مع الإغاثة الزراعية

وخلال التحقق من صحة التصريح، تواصل المرصد أيضاً مع مدير الإغاثة الزراعية في طولكرم عاهد زنابيط الذي صرح بعدم وجود تعويضات ملموسة على الأرض

حيث أوضح زنابيط  للمرصد إن "محافظات الشمال تشهد منذ أشهر اعتداءات واسعة تشمل الهدم والتجريف واقتلاع الأشجار والطرد ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية".

وآضاف أن "هذه الاعتداءات تستهدف بشكل مباشر مصادر دخل المزارعين، ولم نرَ دعم أو تعويض من أي جهة رسمية ذات علاقة، ولا أي حماية حقيقية لهم على أرض الواقع".

سادساً: التواصل مع نقيب المزارعين

قال نقيب المزارعين موفق هاشم لمرصد كاشف إن نسبة كبيرة من المزارعين المتضررين في محافظة أريحا والأغوار لم يتلقوا أي دعم أو مساندة رغم ما يُعلن عن برامج ومساعدات مخصصة للقطاع الزراعي، مشيراً إلى أن نحو 70% من مزارعي الثروة النباتية لا يزورهم أي ممثل عن الجهات الداعمة أو المؤسسات المعنية بعد وقوع الاعتداءات.

وأوضح أن لدى النقابة قوائم بأسماء مزارعين تعرضوا لانتهاكات من قبل الاحتلال الإسرائيلي خلال الأشهر الستة الأخيرة، إلا أن العديد منهم لم يحصلوا على أي شكل من أشكال المساعدة، لافتاً إلى أن ما بين 30% و35% من أصحاب الثروة الحيوانية المتضررين، خصوصاً في منطقتي بردلة وكردلة في الأغوار الشمالية، لم تصلها أي مساعدات أو تدخلات إغاثية.

كما أشار إلى أن قرابة الـ 80 عائلة بدوية هجّرت من منطقتي العوجا والمعرجات عام 2025، تعيش أوضاعاً صعبة وتفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية في منطقة تبعد 3 كيلومترات عن العوجا، مؤكداً أن هذه العائلات كانت تعتمد أساساً على تربية الثروة الحيوانية ولم تتلقَّ دعماً أو إسناداً بعد تهجيرها من أي جهة رسمية.

سابعاً: التواصل مع وزارة الزراعة

تواصل المرصد مع الإدارة العامة لخدمات المزارعين في وزارة الزراعة وتم تزويده ببيانات أظهرت أن الوزارة قدّمت استجابات عاجلة لـ 935 مزارعاً في مختلف محافظات الضفة الغربية منذ بداية عام 2026 وحتى تاريخ إعداد هذا التحقق.

وشملت المساعدات توزيع 16,253 شجرة، و199 خزان مياه، و59 كوبوناً بقيمة 2,800 شيكل لكل منها، إضافة إلى 45 طناً من العلف والقش و249 لفة بلاستيكية مخصصة للبيوت الزراعية.

وبحسب تأكيدات الإدارة العامة لخدمات المزارعين في وزارة الزراعة لمرصد كاشف، فإن هذه الاستجابات لا تُقدَّم خلال 24 ساعة من وقوع الاعتداء، وإنما بعد إجراء الكشف الميداني والتحقق من حجم الضرر وتوثيقه وفق الإجراءات المعتمدة.

45.5 مليون دولار خسائر زراعية في الضفة

وأظهر تقرير صادر عن وزارة الزراعة اطلع أن إجمالي الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي في محافظات الضفة الغربية خلال الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني 2026 وحتى 16 أيار 2026 بلغ نحو 45.55 مليون دولار.

وبحسب التقرير، سجلت محافظة جنين أعلى قيمة خسائر بواقع 14.3 مليون دولار، تلتها الخليل بـ 8.28 ملايين دولار، ثم سلفيت بـ 6.35 ملايين دولار، ورام الله والبيرة بـ 5.15 ملايين دولار.

كما بلغت قيمة الخسائر في نابلس نحو 3.76 ملايين دولار، وطوباس 2.57 مليون دولار، وبيت لحم 2.19 مليون دولار، وقلقيلية 1.33 مليون دولار، والقدس 1.19 مليون دولار، وطولكرم 242 ألف دولار، فيما سجلت أريحا خسائر بقيمة 171 ألف دولار.

وفيما يتعلق بالثروة الحيوانية، أشار التقرير إلى أن إجمالي الخسائر في هذا القطاع بلغ نحو 1.68 مليون دولار، فيما وصل عدد رؤوس الثروة الحيوانية المتضررة إلى 4030 رأساً من الأغنام والجمال والخيول والحمير، بقيمة خسائر مباشرة قُدرت بنحو 1.55 مليون دولار.

وتُظهر هذه الأرقام حجم الأضرار التي تعرض لها القطاع الزراعي خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف المزارعين ومصادر رزقهم في مختلف المحافظات.

أكثر من 103 ملايين دولار خسائر وقرابة 92 ألف شجرة متضررة

وكشف التقرير السنوي الصادر عن وزارة الزراعة لعام 2025 عن حجم الخسائر الكبيرة التي تكبدها القطاع الزراعي الفلسطيني، حيث بلغت قيمة الخسائر المباشرة نحو 103.1 ملايين دولار.

ووثق التقرير تضرر 91,933 شجرة جراء القلع والحرق والتكسير والتجريف، إلى جانب سرقة أو قتل 5,236 رأساً من الأغنام.

كما سجل تضرر 610 مزارعين في قطاع البنية التحتية والمعدات الزراعية، و676 حالة تضرر في مصادر المياه، ما يعكس اتساع نطاق الأضرار التي طالت مختلف مكونات القطاع الزراعي خلال العام الماضي نتيجة اعتداءات الاحتلال والمستوطنين.

نتيجة التحقق:

أظهر التحقق أن تصريح الناطق باسم وزارة الزراعة، القائل إن "أي ضرر يتعرض له المزارع، خصوصاً في مناطق (ج)، يحصل على مساعدة مباشرة خلال 24 ساعة"، مضلل

ففي الحالات التي جرى فحصها، أكد متضررون من عرب الخولي ودير الغصون وسنجل ومسافر يطا أنهم لم يتلقوا دعماً خلال 24 ساعة من وقوع الاعتداءات، فيما أشار بعضهم إلى عدم تلقي أي مساعدة حتى الآن رغم مرور أسابيع أو أشهر أو حتى سنوات على الأضرار التي لحقت بهم. كما أظهرت إفادة مديرية زراعة قلقيلية أن التعامل مع بعض الملفات يمر بمراحل توثيق وإعداد ملفات وانتظار تمويل ومشاريع داعمة، وهو ما يتعارض عملياً مع مفهوم الاستجابة الفورية خلال يوم واحد، وتعزز شهادات نقيب المزارعين ومدير الإغاثة الزراعية في الشمال هذه الصورة.

وبناءً على ما سبق، خلص التحقق إلى أن وزارة الزراعة تقدم بالفعل مساعدات وبرامج دعم لعدد من المزارعين المتضررين، إلا أن الأدلة والشهادات والبيانات التي جرى جمعها لا تدعم صحة الادعاء بأن أي مزارع يتعرض لضرر يحصل على مساعدة مباشرة خلال 24 ساعة. وعليه فإن التصريح مضلل، لأنه يعمم آلية استجابة لا تعكس واقع جميع الحالات المتضررة التي تم التحقق منها، ولا يتوافق مع الإجراءات الفعلية التي أقرت بها الوزارة نفسها بشأن التوثيق والتحقق قبل تقديم الدعم.