📌 داخل الأراضي السورية، يظهر شريط هندسي يتقدم في منطقة الفصل التي أنشأها اتفاق فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا عام 1974.
◾ رصدت "#متصدقش" عبر صور الأقمار الصناعية على طول هذا الطريق سواتر ترابية وخنادق ونقاط مراقبة، تحرسها آليات عسكرية.
➖ وتتبعت عبر المصادر المفتوحة مشاركة شركة أمريكية في الأعمال القائمة على طول هذا الطريق، الذي من شأنه أن يحول دون قدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم:⬇️⬇️
⭕ سوفا 53
◾ بحسب ما وثقه موقع عنب بلدي في أكتوبر 2024، بدأت الجرافات العمل على شق هذا الطريق -الذي يطلق عليه "سوفا 53" في نوفمبر 2022- غربي قرية عين تينة شمالي القنيطرة، بعمق يتراوح بين 100 و700 متر داخل الأرض السورية.
◾ وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان في مايو 2026 إلى استئناف العمل على شق الطريق الذي يعد مسارًا عسكريًا بعرض 8 أمتار، تصاحبه سواتر ترابية ونقاط مراقبة.
◾ ورصدت تقارير الأمين العام المتتالية عن قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) استمرار "أنشطة هندسية وإنشائية" إسرائيلية داخل منطقة الفصل، فيما عدّ مجلس الأمن وجود القوات الإسرائيلية فيها منذ نهاية 2024 "خرقًا صارخًا" للاتفاق وقراراته.
◾ لكن "سوفا 53" ليس سوى الاسم الميداني للجزء الظاهر من المشهد. فبعيدًا عن الطريق والخنادق، يبرز مسار آخر أكثر خفاءً تقوده شركة أونداس الأمريكية المدرجة في ناسداك، التي تخبر مستثمريها، عبر شركتها التابعة 4M Defense الإسرائيلية، المستحوذ عليها في أكتوبر 2025 بحسب إفصاحها لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC)، بأنها تنفذ برنامجًا لإزالة الألغام على الحدود الإسرائيلية السورية.
◾ يكشف الإفصاح عن أرقام العقود، ومساحات العمل، وهوية الشركة التابعة، ورؤية أونداس الأوسع لما تسميه أمن الحدود الذكية.
◾ ولا يوضح الإفصاح أن الشركة نفذت مباشرة أعمال في طريق "سوفا 53"، لكن تتبع "متصدقش" يكشف تزامنًا وتشابكًا بين مشروع تجاري أمريكي لإزالة الألغام وتحديث أمن الحدود، وتوسع هندسي إسرائيلي في أرض سورية محتلة أو منزوعة السلاح، بما يفتح سؤالًا قانونيًا وأخلاقيًا حيال دور الشركات الأمريكية في ترسيخ وجود الاحتلال في منطقة الفصل.
◾ وقضى قرار مجلس الأمن 497 لعام 1981 بأن ضمّ إسرائيل أراضي الفصل "لاغٍ وباطل ومن دون أثر قانوني دولي".
◾ وتعد أمريكا الوحيدة التي اعترفت عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية عليها، رغم أن الأمم المتحدة ذاتها دعت إلى مساءلة الكيانات التي تسهم "بشكل مباشر أو غير مباشر" في ترسيخ الاحتلال في هذه المنطقة.
⭕ من إفصاح أمريكي إلى سجل إسرائيلي
◾ بدأ فريق "#متصدقش" حلقة التتبع من الإفصاحات الرسمية لشركة أونداس لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية. يظهر اتفاق شراء الأسهم المودع ضمن إفصاحات أونداس أن 4M Defense Ltd شركة مسجلة في إسرائيل برقم تسجيل 515392660، وأن Chirokka Holding Ltd، المسجلة برقم 515330116، كانت تمسك برأس مال 4M قبل صفقة استحواذ أونداس. هذه الوثيقة لا تقدم اسم الشركة فحسب، بل تمنح رقمها القانوني الذي يتيح الانتقال من الإفصاح الأمريكي إلى السجل الحكومي الإسرائيلي لمطابقة هوية الكيان.
◾ وبالبحث في سجل الشركات الإسرائيلي الرسمي باستخدام رقم التسجيل نفسه، يظهر كيان 4M Defense Ltd بوصفه شركة إسرائيلية نشطة، ما يتطابق مع الإفصاحات الأمريكية، ويحيلنا إلى تتبع أنشطة شركة أونداس داخل إسرائيل بعد سيطرتها على شركة 4M Defense Ltd.
⭕ العقود بالأرقام
◾ بدأ حضور أونداس داخل إسرائيل مؤسسيًا منذ يناير 2023، بعد استحواذها على شركة Airobotics الإسرائيلية. أما دخولها المعلن إلى مجال إزالة الألغام داخل إسرائيل فجاء لاحقًا عبر شركة 4M Defense، التي استحوذت أونداس على حصة مسيطرة فيها في أكتوبر 2025.
◾ وفي 9 فبراير 2026، أعلنت أونداس أن 4M Defense فازت بمناقصة برنامج إزالة ألغام متعدد السنوات في إسرائيل، تتجاوز قيمتها 30 مليون دولار، ويغطي نحو 741 فدانًا على الحدود الإسرائيلية السورية. وبعد شهر تقريبًا، في 10 مارس 2026، قالت الشركة إن 4M تلقت أول أمر تشغيلي ضمن البرنامج نفسه، بقيمة تقارب 15.8 مليون دولار، لتطهير حقول ألغام قديمة وذخائر غير منفجرة على مساحة نحو 3000 دونم؛ أي نحو 740 فدانًا.
◾ ووفق بيان 10 مارس نفسه، يتضمن العقد إمكانية إضافة 30 مليون دولار أخرى في مراحل لاحقة على مدى السنوات المقبلة، بما "يضاعف فعليًا" القيمة الإجمالية المحتملة للبرنامج لتصل إلى نحو 60 مليون دولار، وهو رقم كرّرته الشركة في بيانها اللاحق في 20 أبريل 2026. وتبقى هذه قيمة برنامج محتمل لا إيراد محقق، وتخص عقد الحدود السورية وحده.
◾ كما أن عقد الحدود السورية منفصل عن برنامج آخر أعلنت أونداس فوز 4M بمناقصته في 6 أبريل 2026 ضمن مبادرة "الحاجز الأمني للحدود الشرقية" التي تقودها وزارة الدفاع الإسرائيلية، وتتجاوز تكلفته 1.7 مليار دولار، ويمتد هذا الحاجز على نحو 500 كيلومتر "من البحر الميت إلى مرتفعات الجولان".
◾ أما الرقم الإجمالي البالغ نحو 80 مليون دولار الذي تذكره الشركة في بيان 20 أبريل فيجمع البرنامجين معًا (30 مليونًا لعقد الحدود السورية و50 مليونًا لعقد الحدود الشرقية)، لذا لا يمكن نسبته كاملًا إلى الجبهة السورية.
⭕ إسرائيل أكبر سوق
◾ تقدم أونداس المشروع بوصفه جزءًا من دورة أوسع لأمن الحدود الإسرائيلية تشمل المسيّرات، والروبوتات، والحساسات، والمراقبة الجوية، ومكافحة المسيّرات، والعمليات الأرضية الروبوتية.
◾ وفي تقريرها السنوي المودع لدى هيئة الأوراق المالية الأمريكية، تصف الشركة عملها بأنه يمتد "عبر كل مراحل النزاع"، وبأنه يتيح "استعادة مساحات واسعة من الأرض للاستخدام الأمني والتشغيلي"، وهي صياغات تستخدمها الشركة في مخاطبة مستثمريها.
◾ ويحدد التقرير السنوي نطاق عمل 4M Defense بدقة أضيق مما قد توحي به العناوين: تقديم "استخبارات أرضية" تدعم إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، عبر مسح المناطق الملوثة وترتيب أولويات تطهيرها وإدارتها.
◾ وفي تقريرها الربع سنوي المودع لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، أظهرت الشركة أن إسرائيل كانت أكبر سوق جغرافي لإيراداتها في الربع الأول من 2026، بإيرادات بلغت 21.6 مليون دولار من أصل 50.1 مليون دولار. غير أن التقرير لا يفصل هذه الإيرادات بحسب العقود أو الشركات التابعة، ما يعني أن الرقم يثبت ثقل السوق الإسرائيلي داخل أونداس، ولا يكفي وحده لإسناد إيرادات محددة إلى عقد إزالة الألغام على الحدود السورية.
⭕ ما يجري على الأرض
◾ تُظهر سلسلة صور أقمار صناعية من كوبرنيكوس تغيرات أرضية متتابعة في القطاع الواقع جنوبي قرية حضر، على الجانب الشرقي من خط ألفا؛ أي داخل المنطقة المقابلة التي تراقبها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك.
◾ وبحسب مقارنة الصور، بدأت مؤشرات إنشاءات وتجريف في الظهور منذ يوليو 2025، ثم اتسعت تدريجيًا خلال الأشهر التالية، قبل أن تشهد تكثيفًا أوضح حتى مطلع يوليو 2026. تظهر في المشاهد مساحات فاتحة واسعة، ومسارات ترابية أكثر بروزًا، وآثار تسوية أو حفر، بما يشير إلى نشاط هندسي ميداني مستمر في محيط خط الفصل.
◾ يتقاطع هذا المسار زمنيًا مع توسع نشاط أونداس المعلن في برامج إزالة الألغام الحدودية داخل إسرائيل. ففي أبريل 2026، قالت الشركة إن تابعتها 4M Defense دخلت برنامجًا جديدًا ضمن مبادرة "الحاجز الأمني للحدود الشرقية" التي تقودها وزارة الدفاع الإسرائيلية، بقيمة تتجاوز 1.7 مليار دولار، في حين كانت الشركة قد أعلنت قبل ذلك عن برنامج منفصل لإزالة الألغام على الحدود الإسرائيلية السورية.
◾ تكشف صور القمر الاصطناعي Sentinel-2 أن أعمال التجريف لم تبقَ محصورة في محيط قرية خضر، بل امتدت جنوبًا على مقاطع أخرى بمحاذاة خط ألفا، وصولًا إلى محيط الحميدية والقنيطرة.
◾ وتُظهر المقارنة الزمنية أن آثار شق الطرق بدأت بالظهور في فبراير 2025 من محورين متزامنين تقريبًا، أحدهما عند أطراف الحميدية، والآخر من داخل القنيطرة، قبل أن تتوسع تدريجيًا حتى نهاية يوليو 2025 على الأقل.
◾ وبحسب قياس المسافة على صور Sentinel-2، يصل أقصى امتداد مرصود لهذه الأعمال إلى نحو 1.43 كم من خط ألفا باتجاه الداخل السوري، ما يشير إلى أن النشاط لا يقتصر على الشريط الحدودي المباشر، بل يتوغل داخل عمق منطقة الفصل الواقعة في الأراضي السورية.
◾ ولا يقتصر هذا النمط على محور خضر، الحميدية والقنيطرة. فبالانتقال جنوبًا، تكشف صور Sentinel-2 ظهور أعمال تجريف وشق طرق أخرى جنوبي قرية بريقة، امتدت لاحقًا باتجاه قرية كودانا. وتُظهر المقارنة الزمنية أن هذه الأعمال بدأت بالظهور في أكتوبر 2025، ثم واصلت التمدد تدريجيًا حتى أبريل 2026 على الأقل، بالتوازي مع المسارات والإنشاءات المرصودة في قطاعات أخرى من المنطقة العازلة.
◾ ويحوّل تكرار هذا النمط، من خضر شمالًا إلى كودانا جنوبًا، أعمالَ التجريف الإسرائيلية من وقائع متفرقة إلى مشروع ميداني ممتد يعيد تشكيل قابلية الحركة والسيطرة داخل المنطقة العازلة، على حساب القيود التي يفترض أن تفرضها ترتيبات فض الاشتباك.
⭕ مساران يتقاطعان
◾ يضع هذا التتبع مسارين متوازيين على الجبهة نفسها: مسارًا ميدانيًا توثقه صور الأقمار الصناعية والتقارير الأممية والمصادر المحلية، تتوسع فيه أعمال التجريف وشق الطرق داخل منطقة الفصل بين يوليو 2025 ويوليو 2026؛ ومسارًا مؤسسيًا تكشفه إفصاحات شركة مدرجة في بورصة ناسداك، تتراكم فيه خلال الفترة نفسها عقود إزالة الألغام وأمن الحدود على الجبهتين السورية والشرقية.
◾ ما تثبته الوثائق هو أن شركة أمريكية مدرجة في بورصة ناسداك تعلن لمستثمريها تنفيذ أعمال مدفوعة الأجر على الحدود الإسرائيلية السورية، في الوقت الذي ترصد فيه صور الأقمار الصناعية نشاطًا هندسيًا متسعًا داخل منطقة يصنفها القانون الدولي أرضًا سورية محتلة. أما الربط المكاني المباشر بين نطاق العقد المعلن ومسار "سوفا 53" أو مواقع التجريف المرصودة، فلا تدعمه الأدلة المتاحة بالقدر الكافي للجزم به، إذ لا تفصح الشركة عن الإحداثيات الدقيقة لمشروعها. لذلك، يبقى هذا الربط فرضيةً قيد الاختبار، لا نتيجةً مثبتة، إلى أن تظهر وثائق أو بيانات إضافية تسمح بالتحقق منه.
◾ غير أن الوقائع الموثقة وحدها تكفي لوضع هذا البرنامج في صلب الأسئلة التي تثيرها الأمم المتحدة بشأن مساءلة الكيانات التي قد تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في ترسيخ واقع الاحتلال.